قضية عادلة وتضامن أهوج.. من مواقف السوريين والعرب من الانتفاضة الفلسطينية

قضية فلسطين واضحة من حيث المبدأ، شعب يتعرض لمسح ممنهج للهوية، ويكاد يعيش حالة حرب دائمة، وإسرائيل التي تشكل آخر حالة كولونيالية في العالم، أسيرة ذات التصورات عن مزيد من العسكرة والقمع واجتثاث الفلسطينيين والحل الوحيد بالنسبة إليها هي أن يرضخ الفلسطينيون.

الأيام السورية؛ عمار عكاش

جاءت ردود فعل السوريين تجاه تفجر احتجاجات الفلسطينيين متعاطفة عموماً، لكنها اتجهت في الاتجاه العروبي والديني التقليدي في التعاطي مع هذا الموضوع رغم أن معظم تعليقاتهم تترافق دوماً بالتنويه إلى أن ممارسات إسرائيل جريمة ضد الإنسانية، فكثرة تردادهم لكمة الأقصى وأولى القبلتين توحي بأن الموضوع ديني وقومي بالنسبة إليهم اكثر منه إنسانياً، فأنا لم أشهد هذه الهبة التي توحد شعوب العالم العربي إزاء أي قضية عادلة مثل قضايا الاستبداد وقتل أبناء جلدتهم في سجون المستبدين وقضايا اضطهاد الأقليات ومسح هويتها، لا بل إن كثرٌ يؤيدون اضطهاد شركائهم في الوطن ويدافعون عن قضية فلسطين.

كما سلك قسم من السوريين سلوكاً اعتيادياً حين اختصر المسألة بإيران وصواريخ حماس، ورغم قناعتي أن النظام الإيراني لا يعطي صواريخه لتنظيم دون أن ينفذ هذا التنظيم شيئاً من أجنداته، لكن ما هو ملفت الطريقة الخطية أيضاً التي تختصر حماس بتنظيم تابع لإيران، وهي عادة موجودة بكثافة لدى السوريين وهي أن يفهموا العالم من خلال مفهوم شعب مناضل، وتنظيم عميل، شر وخير، حتى بشار الأسد تفتق ذهنهم عن أنه هو ووالده مجرد عملاء لإسرائيل، وكلنا نعلم أن الأسد مستبد طاغية لكن الأمر ليس على هذا النحو من التبسيط، ونحى فريق من السوريين ممّن يقفون عادةً ضد قتل المدنيين إلى اختراع تعريفات جديدة للمدنيين مثل أن كل المستوطنين ليسوا مدنيين، وطبعاً من الأفضل لو عبّر هؤلاء عن مشاعرهم دون اللجوء إلى ليّ عنق القوانين الإنسانية العالمية التي تحدد من هو المدني ومن هو غير المدني، فلا يمكن تفصيل المفهوم على مقاس معاركنا ومشاعرنا العروبية والأيديولوجية، ولولا ذلك لما بقي معنى لعالميّة هذه القوانين. وكي أنوّه بالعقلية التي تتعاطى مع موضوع فلسطين أذكر أن سمير القنطار بقي بطلاً في أذهان السوريين، وهو المراهق الذي غادر بلاده إلى بلد آخر ليهاجم عائلة لا يعرف شيئاً عنها ويتسبب بمقتل طفلها، ولم تَزُل صفة البطولة عنه إلا حين تبين مدى العته الأيديولوجي الذي يقوده حين انضم إلى حزب الله في معاركه في سوريا ويقال إنه تشيّع.

وكان من المؤسف أن يدخل بعض السوريين مع الفلسطينيين في مباراة الضحية المعتادة، كأن لسان حالهم يقول: ”لا أقبل أن ينافسني أحد على وضعية الضحية، لقد قتل منا مئات الآلاف، وممارسات نظامنا في سجونه أسوأ بما لا يقاس بممارسات الأمن الإسرائيلي وجيشه“. إن هذا الأمر بات مرضاً ناجماً عن شعور كثير من السوريين بعدم وجود إقرار عالمي بالظلم الذي يتعرضون له، فحصر الموضوع في نطاق حرب أهلية يوحي بأنه ثمة أطراف متكافئة وضحايا تسقط، إضافة إلى أن المجزرة مستمرة، لكنني أعتقد أن هذه الوضعية لا تليق بنا وباتت أشبه بعادة دائمة كلما حدثت مجاعة، أو تعرض إنسان للظلم، أو وقع تفجير مثل تفجير بيروت، هل نريد أن يصبح كوننا ضحايا هويتنا الثقافية؟ هل تحولنا إلى ندّابين لأنفسنا؟، هل تعرُّضنا للظلم يعني أن ندخل في مباراة محمومة في التقليل من شأن آلام الآخرين؟.

بعد هذه المقدمة التي لا أرغب بأي شكل من الأشكال أن تفهم كتبرير للإجرام الذي تقوم به الدولة الإسرائيلية بأجهزتها المدنية والعسكرية ضد الفلسطينيين، ثمة حقيقة واضحة وهي مشروع تهويد الأراضي المحتلة والقدس خاصة، من خلال مضايقات يومية، أبسطها أن يضطر الفلسطيني إلى الوقوف فترة طويلة أثناء ذهابه وعودته من العمل كي يضطر إلى الهجرة، والأهم هو البناء المستمر للمستوطنات في إطار تحويل العرب هناك إلى أقلية محاصرة، وموضوع حي الشيخ جراح جزء من هذا المشروع، ولم يكن الفلسطينيين جميعاً لينتفضوا بهذا الشكل الجماعي غير المسبوق وخاصة عرب ال ٤٨ لو أن الموضوع متعلق بحي واحد.

من يركزون على صواريخ حماس ويعربون عن سعادتهم برعب المستوطنين على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا يتوقفون عن مشاركة الفيديوهات بهذا الخصوص، يسهمون في الخطاب الإعلامي الشائع في وسائل الإعلام الغربية الذي يهدف إلى حرف الموضوع عن سياقه، فأساس القضية مطالبات الفلسطينيين بحقوقهم أما موضوع حماس فسياق مرتبط ولكنه لا يطابقه، وهذا ما عبر عنه بدبلوماسية رائعة ونبرة وطنية حسام زملط رئيس البعثة الفلسطينية في المملكة المتحدة في مقابلة مع تلفزيون البي بي سي، فرفض أسلوب المذيعة القذر في فرض سياق نقاش الموضوع لا وبل شكك بكل لباقة بموقفها الأخلاقي*.

ورغم أن كاتب هذه السطور غير معجب بطريقة تعاطي حماس مع الفلسطينيين المختلفين عنهم، ومجمل مشروعها لكنني أرفض أن أدين حماس في نفس الإطار الذي يقوم به الإعلام الغربي، فهم يصورون الموضوع وكأن هناك دوافع تكفيرية محضة تُسبّب نشوء تنظيم مثل حماس وتقوده لإطلاق الصواريخ، وهي عادة قديمة لدى هذا الإعلام حيث يتم دائماً إيجاد وصمة ما تلصق بالمجموعات التي تتبنى حلولاً عنفية للتغطية على جذور الموضوع، فسابقاً كان مختطفو الطائرات في السبعينيات من القرن الماضي عبارة عن إرهابيين شيوعيين، والآن يحصُر مشكلة العنف في إطار إرهاب إسلامي. إن حماس رغم إطلاقها للصواريخ لم تهجر الإسرائيليين من بيوتهم وأراضيهم وتقدمها للفلسطينيين!. المسألة الأخرى هي أن الجماعات التي تتبنى حلولاً عنفية ظهرت في كل مكان فيه محاولات لمسح هوية شعب ما، وفي كل المناطق التي كان فيها نظام كولونيالي، فنيلسون مانديلا المناضل الشهير كان متطرفاً وتبنى حلولاً عنفية، ولم يتحول إلا خلال فترة الاعتقال، ناهيك عن أن مشروعه لم يكن ممكناً لولا استمرار نضال السود، ووقوف كل دول العالم تقريباً ضد نظام الفصل العنصري (وكانت إسرائيل من الدول التي حافظت على علاقاتها مع نظام جنوب إفريقيا حتى سقوطه). ما أريد قوله أياً كان موقفنا من حماس ومشروعها الأيديولوجي دعونا نتذكر أن دوافع كثير من الفلسطينيين في الانضمام إليها ليست دينية محضة، بل أساسها الظلم والشعور باستنفاذ أي أفق للحل، أو وسيلة لحصد شيء بالطرق السلمية، فحتى أوسلو لم يرضَ بها اليمين الإسرائيلي واعتبرها غلطة.

تدور داخل المجتمع الفلسطيني كل أنواع النقاشات عن جدوى استخدام العنف من عدمه، وتوقيته وأسلوبه، ويوجد توجهات ورؤى مختلفة لكنها تتفق جميعها على أن هناك استمراراً في مسح الهوية الفلسطينية وتحويل الفلسطينيين إلى غرباء في وطنهم، لكن لا بد من الإشارة إلى إن حماس ليست مجرد فصيل يقاوم إسرائيل بل هي أيضاً تمارس ممارسات غير مقبولة ضد المختلف عنها، وتفرض الكثير من معاييرها الدينية على المجتمع الفلسطيني، لذلك لا أجد أنه من المقبول أن يزاود بعض السوريين على غيرهم ممن ليسوا مقتنعين بطريقة عمل حماس ومشروعها، وكأن حماس تقوم فقط بقصف إسرائيل ولا شيء آخر.

إن قضية فلسطين واضحة من حيث المبدأ، شعب يتعرض لمسح ممنهج للهوية، ويكاد يعيش حالة حرب دائمة إن فهمنا الحرب بمعناها الواسع لا العسكري فقط، وإسرائيل التي تشكل آخر حالة كولونيالية في العالم، أسيرة ذات التصورات عن مزيد من العسكرة والقمع واجتثاث الفلسطينيين والحل الوحيد بالنسبة إليها هي أن يرضخ الفلسطينيون.

أثبت الفلسطنيون أن الجيل الجديد الذي ولد معظمه بعد أوسلو متمسك بهويته ويطوّر وسائل نضاله، ولعل المنجز الأكبر هو تصاعد الحضور النسوي وعلو صوته، وهنالك منظمات نسوية تخوض نضالاً مزدوجاً ضد اضطهاد النساء ضمن البنية الأبوية للمجتمع الفلسطيني وضد ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، وعبّر البعض من المحافظين العرب والإسلاميون عن امتعاضهم من حضور النساء وخاصة النساء غير المحجبات! وهذا يجعلني أسأل ما مدى صدق كلامهم عن تعاطفهم مع فلسطين كقضية إنسانية؟!.

* https://www.facebook.com/hzomlot/videos/10158188201322944


عمار عكاش – كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والإنسانية

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.