قضايا النساء ليست منفصلة عن مشاكل المجتمع بأكمله وأهمية وثائق مؤتمر بكين

في النهاية، مشاكل وقضايا النساء ليست منفصلة عن مشاكل المجتمع بأكمله، ويجب النظر لقضايا المرأة في إطار نظرة أشمل لقضايا المجتمع ككل، دون أن ينفي ذلك إدراكنا العميق بأن معاناة المرأة هي أكثر اتساعاً وعمقاً في ظل المجتمعات المتخلفة والفقيرة.

الأيام السورية؛ هدى عباس

ناقشت مؤتمرات كثيرة، أوضاع وحقوق المرأة حول العالم، وكانت هذه المؤتمرات نقطة تحول حقيقية في التعامل الدولي مع قضايا المرأة، ونقلها من مستوى قضايا حقوق النساء إلى قضايا النوع الاجتماعي، وتمكين النساء، وضرورة ذلك في عملية التنمية.

انعقد أول مؤتمر للمرأة في المكسيك عام 1975. والثاني في كوبنهاجن عام 1980. وبعدها عقد في نيروبي عام 1985. وأخيراً كان مؤتمر بكين عام 1995. إضافة إلى المؤتمر العالمي للسكان والتنمية بالقاهرة عام 1994، والذي طرح مفهوم “تمكين المرأة”. وأيضاً مؤتمر حقوق الانسان بفيينا عام 1993، والذي أكد على أن “حقوق المرأة هي جزء من حقوق الانسان”.

التطور التاريخي بالقضايا المعنية بالمرأة

يلاحظ المتتبع للتطور التاريخي للاتفاقيات المعنية بالمرأة، أنها بدأت من مجال الأخلاق إلى مجال العمل (المساواة في الأجور)، ثم إلى مجال السياسة (حقوق المرأة في مباشرة الحياة السياسية) ثم انتقلت إلى الحديث عن مؤسسة الأسرة.

وقد تطور الأمر من الاهتمام بمنع التمييز ضد المرأة بجميع صوره إلى الاهتمام بمنع العنف ضد المرأة، ثم الاهتمام بحق المرأة في صناعة القرار، وأخيراً أبدت وثائق مؤتمر بكين اهتماماً خاصاً بتضمين وجهة نظر المرأة لدى رسم مختلف السياسات، والنفاذ بالمرأة لمراكز صنع القرار، ومحاربة ظاهرة تأنيث الفقر، وكفالة حقوق الفتاة منذ الصغر.

وقد تطور محتوى الخطاب الدولي وحركة المؤتمرات الدولية المعنية بالمرأة مع تطور الظروف والأحوال المعيشية التي تعيشها المرأة في مختلف أرجاء العالم، فقد انتقل هذا الخطاب من الاهتمام بالمرأة بوجه عام إلى مزيد من تخصيص الاهتمام بحقوق نوعيات محددة من النساء “كالنساء اللاتي تتحمل مسئولية أسرها، وحقوق النساء في ظل النزاعات المسلحة، وحقوق النساء في حالة الهجرة، وحقوقهن في ظل تفشى ظاهرة التطرف الديني، وكفالة حقوق النساء المعوقات …الخ”.

كما اتجه الأمر نحو مزيد من الاهتمام بحقوق المرأة في الريف مقابل حقوقها في الحضر، ونحو المرأة الفقيرة في الحضر مقابل المرأة في الحضر عموماً.

أهمية وثيقة بكين

جاء ضمن الاعمال التحضيرية للمؤتمر أن كلما اشتدت وطأة تطبيق سياسات الصندوق والبنك الدوليين التي يعاني من أثارها ملايين الفقراء في مختلف أرجاء العالم، كلما اشتدت معاناة النساء أكثر وأكثر باعتبارهن المتحملات الجزء الأكبر في مسؤولية الأسرة.

واهتمت وثيقة مؤتمر بكين بعدد من القضايا الهامة أولها وأهمها رؤية المرأة لدى رسم مختلف السياسات بما يعنى أخذ مصلحة المرأة بعين الاعتبار عند رسم مختلف السياسات والاستراتيجيات وكذلك عند تقييم الآثار أو الأضرار التي قد تلحق بالمرأة من جراء انتهاج سياسات بعينها تؤثر على المرأة وعلى أدوارها في المجتمع، وهذا الأمر لصيق الصلة بقضية نفاذ المرأة في صنع القرار، ففكرة أخذ رؤية المرأة أو مصلحتها بعين الاعتبار مرهونة دائماً بفكرة تمثيلها في مؤسسات الدولة والتمثيل العادل لها داخل دوائر صنع القرار، لأن هذا هو الكفيل بنفاذ رؤيتها ومشاركتها في صنع القرار، التي يوكل إليها مهمة رسم السياسات وبلورة التوجهات العامة الحاكمة لأداء مختلف المؤسسات.

الفقر وقضايا المرأة

تبدى الوثيقة قلقها بشأن تزايد عدد النساء اللاتي يعشن في فقر مدقع في مختلف مناطق العالم. وتولى اهتماماً خاصاً بالنساء الفقيرات في الريف، حيث تؤكد على أن فقر نساء الريف ونساء المناطق النائية يبدو واضحاً وأكثر حدة حيث تشير الوثيقة إلى أن المرأة تشكل 60% على الاقل من بين مليار فقير في المناطق الريفية من العالم.

وتربط الوثيقة بين زيادة معدلات الفقر وبين انتهاج عدد متزايد من الدول النامية لسياسات التكيف الهيكلي، وتؤكد أن تلك السياسات التي يتم التوسع في تطبيقها تصيب القطاعات الأضعف في المجتمع بأضرار بالغة، ومن بين تلك القطاعات النساء والمهمشين.

كما تربط الوثيقة بين الفقر وظاهرة الديون الخارجية. وتشير إلى أن إثقال كاهل الاقتصاديات النامية يتم أيضاً تحت وطأة الديون الخارجية وتزايد نفقات التسليح.

كما تولى وثيقة بكين اهتمام خاص بحقوق الفتيات وتؤكد على أن هذه الشريحة تتعرض إلى تميز ومؤثرات بالغة الاهمية تؤثر على وعيهن وهويتهن في ضوء التقسيم الشائع للأدوار بين الجنسين.

وبالرغم من القدر الكبير من التماثل في العديد من المشاكل التي تعاني منها النساء إلا أن مناقشات المؤتمر أظهرت اختلافات في توجهات النساء اللاتي ينتمين إلى مجتمعات وثقافات مختلفة. ولعل هذا الاختلاف يعود إلى النسق الاجتماعي في كل دولة، والذي يؤدى إلى إباحة حقوق معينة للمرأة في مجتمع ما، على حين لا تسمح بإباحته في مجتمع آخر.

أهم القضايا الخلافية

كانت أهم القضايا الخلافية في ضوء وثيقة بكين التي أثارتها مجموعات متنوعة ومختلفة الرؤى في المؤتمر، هي:

ـ قضايا الصحة الإنجابية
ـ حقوق الفتيات في سن مبكرة باعتبارهن أكثر عرضة للاستغلال الجنسي والعنف والدعارة.
ـ حق المرأة في تقرير مصيرها فيما يتعلق بجسدها من زاوية الإنجاب والفواصل الزمنية بينه.
ـ المساواة في الميراث.
ـ أثر الاحتلال والسيطرة الأجنبية على وضعية المرأة.
ـ أثر سياسات إعادة الهيكلة على المرأة.

نظرة أشمل لقضايا المجتمع ككل

في النهاية، مشاكل وقضايا النساء ليست منفصلة عن مشاكل المجتمع بأكمله، ويجب النظر لقضايا المرأة في إطار نظرة أشمل لقضايا المجتمع ككل، دون أن ينفي ذلك إدراكنا العميق بأن معاناة المرأة هي أكثر اتساعاً وعمقاً في ظل المجتمعات المتخلفة والفقيرة.

وتحسين أوضاع النساء، مرتبط بالأساس بتطبيق سياسات بديلة عادلة اجتماعياً تتيح للفقراء والمهمشين نصيباً في الثروة والمشاركة، بل أن واجب الدولة أن تحفز وتساعد هذه الفئات الاجتماعية على التقدم، وأن تراعي وتكفل حقوقهم وتدعم مؤسساتهم.

وفي نفس الوقت فإن من واجب المنظمات غير الحكومية والمجموعات النشطة أن نقوم بتوعية هذه الفئات كي يتمكنوا من الدفاع عن مصالحهم عبر تشكيل جمعيات وروابط تدافع عن حقوقهم وتمكنهم من المشاركة في اتخاذ القرارات وإدارة شؤون حياتهم.

مصدر (هويدا عدلي، المشاركة السياسية للمرأة) (الأمم المتحدة) (المركز الديمقراطي العربي)
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.