قصة: لن تمسك نفسك عن البكاء

تجاعيد وجهها ويديها، ورجفان قدميها واهتزاز جسمها لم يشفعوا لتلك المسنة أن تقبع في بيتها سيدة منزلها، بل يحتم عليها الذهاب إلى السوق لتأتي بالخبز وبعض حاجياتها، ما قصة أم حسان.

الأيام السورية؛ علياء الأمل

على غير عادتنا في هذا العام تأخرنا عن عمل مؤونة المكدوس، وشق الفليفلة الحمراء المستخدمة في صنع الفطائر، لست الوحيدة ممن تكاسل عنها، فالجميع في محافظتنا يعيش فترة قلق وتوتر وخوف مما تحمله لنا الأيام القادمة لإدلب الخضراء.

تتابع أم مصطفى حديثها والغصة تخنقها: “عندما قررت عمل المؤونة ذهبت برفقة زوجي الذي يملك سيارة صغيرة إلى سوق مدينة أريحا لشراء الحاجيات، وحال انتهائنا وفي طريق عودتنا للمنزل؛ وإذ بامرأة شابة صغيرة السن تحاول إيقافنا واللهفة والاضطراب بادٍ على ملامحها، وبالفعل توقف زوجي قائلاً: ” شو يا بنتي بحسن بساعدك أنا جاهز” لتجيبه الشابة: ” يا عمي بدنا السيارة طلب إذا بتحسن لأمر ضروري حتى ولو كانت زوجتك معك، يا عمي شايف هديك السيدة المسنة وحاملي غراض كتير ياريت توصلها لبيتها”.

وضعت 1000 ل.س أمام زوجي  وأسرعت باتجاه السيدة، وبالفعل اقتربنا من السيدة، ونزل زوجي من السيارة لمساعدتها فهي بالكاد تمشي إضافة إلى حالة الاهتزاز لكل أعضائها، مؤلم النظر إليها تحمل خبزاً وأكياس خضرة وتستريح على قارعة الطريق بعد كل خطوتين من خطاها المتثاقلة.

تقول السيدة المسنة وهي تصعد السيارة: ” يا بنتي أنا كل يومين بجي على السوق، وبأخذ حاجياتي والله متعودة” ثم وضعت المرأة الشابة مبلغا من المال في كيس من الأكياس التي تحملهم السيدة بعد أن جلست في السيارة قائلةً لها: “ادعي لنا بالفرج أيتها السيدة العظيمة وانصرفت بعيداً”.

وبعد سؤال زوجي لها عن مكان منزلها لإيصالها، بدأ الفضول يأكلني أريد معرفة قصتها، ولمَ لم ترسل أولادها لإحضار حاجياتها، فبادرت بسؤالها: بماذا ينادونك أيتها السيدة الطيبة؟” أجابتني: “أم حسان يا بنتي” وبعد الترحيب بها سألتها عن أولادها ولم لا يقومون بخدمتها؟

لتبدأ بسرد قصتها والحزن يأكل حروف كلماتها : ” عندي أربعة أولاد، وكلهم شباب وعندي ابنتان متزوجتان لأولاد أختي، ومع بداية الأحداث 2011 ببلدنا سوريا سافرن مع أزواجهن لألمانيا، أما أولادي فاثنان متزوجان ولكل منهما ولدان، وشابان عازبان، وعند تحرير مدينة أريحا من قوات الأسد كانوا ممن شاركوا بعملية التحرير؛ فاستشهد ثلاثة منهم الشابان العازبان والآخر المتزوج، حيث رحلت زوجته مع ولديه إلى دمشق لعند أهلها، وما عادت تحكي معنا أبداً، وبقي عندي ولدي المتزوج أيضاً وعنده ولدان ولكن بعد إصابته بنفس المعركة وشلل أطرافه تركته زوجته، وأخذت أولاده منه بعد طلاقها لتتزوج من رجل آخر وتذهب معه إلى الجزائر، وتحرمه حتى من شوفة ولاده، سمعت يابنتي بظلم أكتر من هيك؟”.

وتتابع أم حسان: ” ما عندي حدا يحضر لنا خبز وبعض الخضار، حتى الجيران ملوا منا في البداية كانوا يساعدونا، هلأ كل واحد عنده هم مكفيه، وفي مرة شافتني الصبية يلي استأجرت السيارة وعرفت بقصتي وكل ما تشوفني بتحن علينا، ربي يحميلها ولادها وزوجها يارب طيبة وخلوقة لأبعد درجة”.

وعند وصولنا لمنزلها وأنا غارقة في البكاء ساعدها زوجي وأعاد لها كلفة الطلب وقال: ليست الأخت بأحسن منا، نحن أولادك، ثم نزلتُ من السيارة وقبلتُ رأسها وأنا أقول لها: ” ارفعي رأسك فأنت أم الشهداء والأحرار، أنت السيدة السورية العظيمة، وأنت من قدّم لبلدنا الكثير، وسنخجل من تضحياتنا البسيطة بعد اليوم”.

وصعدتُ أنا وزوجي لبيتها، تعرّفت على ابنها المصاب بشلل الأطراف، سلمنا عليه وشددنا من أزره، ثم تركتهم وقمت بتنظيف منزل السيدة العجوز وإعداد الغداء لهما، وشربنا القهوة وكل منا يحكي معاناته لأجد نفسي أسعد الناس بعد تعرفي عليهما، وقمت بإحضار كل ما يلزم غسيله إلى بيتي لأعيده لها في اليوم الثاني نظيفاً، كما تعهدنا بإحضار بعض الحاجيات بين الفترة والأخرى لمشقة ذلك عليها.

وماذا بعد؛ مآس كبيرة وبالجملة في وطني الصغير مساحة وعددا والعظيم جراحاً حتى بتنا الدولة الأولى عالميا المصابة بوباء الخذلان وغياب قضيتنا عن مصالح تفادت واستشرت حتى مللناها توقاً إلى النجاة، ولكن هيهات هيهات منا النجاة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.