طريق….

قصة العدد

ارتفع صهيل المدينة عند الصباح، فبدأ الناس بالبحث عن قُوتِهم اليومي، يلهثون بسباق مع الشتاء والجوع والبرد، وانطلقت السيارات بصخب زماميرها، والعربات بأصوات باعتها الجوالين.

تلاقى كل هذا الصخب مع صوت فيروز القادم من إحدى الحافلات، لتصنع معها لوحة سريالية التكوين:

يا حرية يا زهرة برية

يا طفلة وحشية يااااا حرية

العمال المتراكمون على رصيف الأمل، جلسوا يستمعون بحسرة، كانوا محنيّي الظهور، حاملين أدواتهم البسيطة، يترقبون بحذر وصول سيارة الصياد، لعل شباكه اليوم تتسع لهم جميعاً فيعودون لأولادهم بما يسد الرمق ويجبر خواطرهم المكسورة.

لم تكن الحافلة الوحيدة الواقفة هناك، لكن الركاب تزاحموا حولها كالقطيع الخائف، فصنعوا من الصعود إليها عملية معقدة!

أوقفهم فجأة صوت أم عبدو، امرأة في السبعين من عمرها. أشارت لهم بعكازها، وهي تصيح: “لك هذا الباص بيوسعنا كلنا… ليش هيك عم تتدافشوا؟”. صوتها صدمهم فانتبهوا إلى أن عددهم قليل، فعادوا للوراء خطوة واستسلموا للسير بصف واحد صاعدين الحافلة بهدوء.

صَعدتُ معهم تاركة عبث الفرجة على بضاعة مختلفة وهاربة من فجور الأسعار بعد أن َظفرتُ بمقعد يتيم في الوسط.

ما إن امتلأت الحافلة، حتى سار بنا أبو أحمد، يسابق الطريق ويتقاسم مع رذاذ المطر منديله العتيق.

صوت أنين المحرك طغى على صوت فيروز، فأصابتنا خيبة صباحية جماعية جديدة!

لكن الرجل عندما سمع تذمّرنا ألبس وجهه ابتسامة ساذجة وقال بعفوية: “لاتخافوا ما رح ينفجر فينا، مشكلته بسيطة. يحتاج تنزيل محرك… وانتو أدرى شو بتكلف؟” ثم أضاف ضاحكاً: “يعني الشغلة ما بدها منكم غير شوية صبر”.

ردت عليه مباشرة أم عبدو: “لك أصلاً نحنا السوريين إذا بيفحصوا دمنا بيطلع معهم كريات من الصبر، لا بيض ولا حمر”.

تنهد الباص بمن فيه بعد ضحكة صفراء، نافثاً دخانه كتنّين مقهور، وتابعنا الطريق نتقاسم التنهدات وأحاديث الحرب ولوعة الهجرة والصبر.

حبسنا أنفاسنا أثناء تفتيشنا من الحاجز الذي يقال إنه الأبشع بين المدينتين، حيث يشرف عليه شباب تفوح رائحة المشروب والبارود منهم. تنفسنا الصعداء بعد اجتيازنا له. بعد تجاوزه بمائتي متر صعد شاب عشريني وبقي واقفاً يتمايل بلا مقعد يرتاح عليه. هو مثل معظم أبناء جيله لم يعد يحظى بالاستقرار، فالخوف من الحواجز ملأ قلبه، والبحث عن طريقة للرحيل والهجرة أتعبت روحه !

كانت عيناه سارحتين بسراب النافذة، تتمايلان ذات يمنة ويسرة لتصطدما فجأة بمطب واقع يشبه ذاك الطريق.

في المقعد الأمامي جلس رجل أربعيني بدأ يشير بيده منبهاً جاره لشواهد القبور التي تناثرت بكثرة على جانبي الطريق، قال له متحسراً: “شوف الطريق شو صار في حواليه قبور للشهدا”..

أجابه: “ولك يا أخي كل يوم لما مر من هون، عم أحسد هالناس الي ماتت وارتاحت، لك والله الموت أحسن من الرجعة كل يوم عالبيت، بخيبة أمل وبإيدين فاضية”.

تابع الباص طريقه وتابعا فضفضتهما بصوت خافت ومخنوق. لكن صوت أنين أم جابر كان واضحاً للجميع، سألت أم عبدو ابنتها الجالسة بجانبها عن سبب أنينها فردت: “أمي عاملة عملية واليوم اتخرجت من المشفى”.

أجابها من حولها بصوت مذهول: “عملية وطالعة بالباص!”

أجابت أم جابر بصوت متعب: “الحمدلله هذا نصيبي، أولادي هاجروا وبقيت وحيدة أنا وهالبنت”.

صاح الرجل من مقعده الخلفي: “لك شايفين؟ كل هذا منشان الحريّة.. البلد خربت وصارت مثل الأرملة المتروكة”!

قاطعه أحد الركاب: “البلد خربانة من زمان والدليل شوف هالقبور والحواجز ومين عم يتحكم فيها.. أصلاً البلد تحولت لسجن كبير ويمكن ولا مرة كانت غير سجن كبير”.

دار حوار طويل بعدها واختلفت الآراء كالعادة واختلط الكلام بالصراخ إلى أن نبههم السائق لوجود حاجز متنقل وضرورة التوقف عنده!

الخوف والحزن سيطر على الجميع عندما قال الشاب الواقف للسائق: “الله يخليك، اذا سحبوني خبر أهلي وقلهن يدعو لي”. لكن أم عبدو صاحت فجأة بالسائق: “استنى امشي على مهلك يا أبو احمد وأنت تعال لجنبي يا إمي” مشيرة للشاب. أجلسته بجانبها بعد أن لفت حوله شالها الصوفي واستعارت من أم جابر كيس السيروم وبعض الشاش لتلفهم حول رأسه.

توقفت أنفاس الجميع عند صعود رجل الأمن وفي يده قائمة طويلة بأسماء المتخلفين عن الخدمة العسكرية وعند اقترابه منهما، سألها الضابط وين هويته قالت: “هذا ابني.. مريض وعامل عملية”.

وعندما أصر على طلب الهوية رفعت عصاها بوجهه وقالت: “لك أنت مو شايف كيف حالته! هوية شو؟
روح وقف الي عم يهربوا سلاح قدام عيونكم”.

أصابته الصدمة عندما أكدنا جميعاً على كلامها متذمرين من نظراته، وكلامه.

ما إن ابتعدنا عن الحاجز حتى انفجرنا بنوبة ضحك جماعي، تشكل لدينا إحساس جماعي بالانتصار، وكأننا ربحنا جولة في محاولة التحرر من ذلك السجن الكبير. وقبيل وصولنا قبَّل الشاب يدي أم عبدو وشكرها.

ضحكت أم عبدو وقالت: “كلنا عنا أولاد يا ابني نتمنى أن يبقوا بعيدين عن لعبة الحرب والموت”!

نزلنا جميعاً وبقيت كل العيون معلقة بصورة أم عبدو وهي تبتعد ملوحة بعصاها، وصوت فيروز عاد يصدح في الحافلة بعد أن سكت صوت المحرك الصاخب:

طلعنا على الشمس… طلعنا على الضو

طلعنا للحرية…

غيروا أساميكن إذا فيكن

ولون عيونكم إذا فيكن

وحملوا حريتكن بثيابكن… واهربوا

اهربوا…

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.