قراءة ونقد واستنتاجات في كتاب: تشكيل الدولة الشمولية في دولة البعث (2)

اعتمد الأسد مع الإخوان المسلمين البطش العنفي بعد أن حاولت الطليعة المقاتلة أن تتحرك ضد النظام، وانتهت بحملة اعتقال وسجن وقتل ومذابح طالت الكثير من المدن أهمها حماة.

الأيام السورية (خاص) - أحمد العربي

11- لم يستطع الانفصاليين الاستمرار بالحكم. بسبب ضعف التحالف الانفصالي. حيث كان تحالف الاقطاع مع رأس المال قد تحجم كثيراً أيام الوحدة، وكذلك ممثليه السياسيين، ولم يستطيعوا أن يشرعنوا للشعب السوري إسقاطهم للوحدة إلا أنه لمصلحة الأعداء، ولم يجدوا القوى السياسية الفاعلة التي ستعطيهم شرعية وجودهم وأفعالهم، لذلك كانوا بحكم الساقطين سياسياً، وكان البعث بلجنته العسكرية قد رتب أوراقه لأجل إسقاط الانفصال، واستفاد من الضباط الناصريين، ومن الامتداد الشعبي تحت ادعاء إعادة الوحدة مع مصر ناصر، لكن الحقيقة أن اللجنة العسكرية كانت سرية بخططها حتى على قادة البعث السياسيين، وعملت على إسقاط الانفصال ثم مركزة السلطة بيدهم؛ عبر إبعاد الكتلة الناصرية من الجيش ثم دخلت في لعبتها السياسية الخاصة؛ كصراع مراكز قوى داخل الحزب للهيمنة عليه وعلى السلطة والدولة السورية.

12- حصلت حركة 8 آذار 1963. وأسقطت الانفصال وبنت دولة البعث التي كانت تعتمد في تسويق مشروعيتها  على وحدويتها (الصحيحة والمدروسة)؛ وذلك تبريراً لعدم التقدم للوحدة الجدية مع ناصر، وكذلك أنها تعمل لمصلحة الشعب الكادح وخاصة الفلاحين والعمال، ولعبت على وتر الإصلاح الزراعي ومزيد من الإصلاح الزراعي، واعتمدت تنظيمياً على خلق بنية حزبيه للبعث في كل الدولة السورية كحزب عقائدي مركزي برعاية الدولة وتنفيذاً لتوجهاتها، سيمتد لاحقاً ليشمل الجيش والطلبة والعمال والفلاحين والنساء وكل منشط عام، ستصبح به السلطة حاضرة ظاهراً كحزب، وبالعمق كشبكة استخبارات تلاحق كل صغيرة وكبيرة في حياة الناس؛ ستؤدي أخيراً لتأبيد السلطة وتقضي تباعاً على كل المخالفين، وستعدم إمكانية وجود أي نشاط سياسي مختلف عن النظام داخل سوريا.

13- سيبدأ البعثيين بعد إسقاط الناصريين المنافسين في الصراع العلني والضمني على السلطة، بين اللجنة العسكرية بقيادتها -التي ذكرت سابقاً- وعبر امتدادها بالجيش، وبين الجناح السياسي للحزب بقيادته التاريخية، وسينتهي الصراع بإبعاد القيادة التاريخية في 23 شباط 1966، وسيتم إبعاد محمد عمران معهم رغم كونه من مؤسسي وقادة اللجنة العسكرية، وسيبعد للبنان وسيغتاله الأسد بعد ذلك، لكن الصراع داخل الحزب بلجنته العسكرية لم ينتهي، حيث استمر الصراع ظاهراً وباطناً بين حافظ الأسد ومن من يتبعه خاصة في الجيش، وبين صلاح جديد ومن يتبعه خاصة في الحزب، لاختلافات في التوجهات السياسية؛ كالموقف من التغيير الداخلي بين مزيد من الاشتراكية أو إعادة شرعنة الطبقة الرأسمالية وامتدادها الداخلي والدولي، أو الموقف المتفهم للغرب ومصالحه حول فلسطين و(إسرائيل) والفدائيين..الخ.

والصراع الضمني على السلطة ولمن الكلمة الأولى، ولينتهي الصراع أخيراً لصالح حافظ الأسد الذي استخدم قوته العسكرية واستلم السلطة، وزج بخصومه في السجن في تشرين ثاني 1970.

14-بانقلاب حافظ الأسد واستلامه السلطة في سوريا، عمل في السنوات الأولى لحكمه على بلورة سياسة داخلية وخارجية تتركز على محورية وجوده ودورة؛ حيث دخل مع القوى السياسية الداخلية لعبة الجبهة الوطنية التقدمية، التي ظاهرها تحالف قوى سياسية للحكم؛ وواقعها تبعية مطلقه لسلطة البعث، التي عمل الأسد لتكون تأكيداً سلطته الشخصية المطلقة؛ فهو رئيس الحزب وأمينه القطري ورئيس الجمهورية ومتحكم بالحكومة وبمجلس الشعب وقائد للجيش والقوات المسلحة، وعمل على بناء أجهزة أمنية متعددة تتبعه شخصياً وتتغلغل في جميع أركان المجتمع، واستثمر الحزب وحوله لأداته الشخصية المنظمة في الدولة والمجتمع، واستثمره كشبكة زبائنيه مصلحيه انتهازيه، وحوله لمعبر إلزامي للتعامل مع الدولة، وجفف الحضور الحقيقي للقوى السياسية الأخرى، حيث انشقت أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، فمن بقي مع السلطة بقي بحضور رمزي كافي ليقدم مشروعيه شكليه للنظام بأنه يعتمد الديمقراطية الشعبية، ومن خرج عامله حسب حدة موقفه المعادي ومدى، ضرره بالسلطة، بين المراقب المتربص والباطش عبر الاعتقال والسجن لمدد قد تصل لعشرات السنين، والنتيجة جفف أي نشاط سياسي معارض جدي، وما بقي حالات رمزيه غير فاعله بالواقع، واعتمد الأسد مع الإخوان المسلمين البطش العنفي بعد أن حاولت الطليعة المقاتلة أن تتحرك ضد النظام، وانتهت بحملة اعتقال وسجن وقتل ومذابح طالت الكثير من المدن أهمها حماة حيث كان الضحايا بعشرات الآلاف، وضربت بذات الوقت القوى الوطنية الديمقراطية. بحيث وصلت لحالة الاستئصال لها سياسياً تقريباً.

15-اعتمد الأسد في ترسيخ حكمه داخلياً على شبكة أمنية عسكرية ذات ولاء مطلق له ولسلطته وقدم لها كل المكاسب عبر شرعنة الفساد والأعطيات ومواقع الهيمنة والسيطرة، واستخدم شباب الطائفة العلوية ليكونوا عصب هذه الشبكة العسكرية الأمنية، عبر الارتباطات العائلية العصبوية والعشائرية ضمن الطائفة، وعبر التغلغل في كل مفاصل الدولة بتدرج ودون ضجيج، ومن خلال الغطاء العقائدي للبعث كحزب عقائدي، وأن سوريه علمانية وأنها قومية واشتراكية وأنها المواجهة للعدو الصهيوني، واقترن كل ذلك بإلغاء السياسة مجتمعياً وتحول السلطة لأداة هيمنة وامتصاص لموارد الدولة والمجتمع، ولإلغاء أي مشروعية مدعاة؛ عن كون السلطة تمثل مصالح العمال والفلاحين، بل بدأت تتخلق طبقه زبائنيه من عائلة الأسد ومن حولها، كطبقه إقطاعيه رأسماليه ستظهر بقوة وللعلن في عصر بشار الأسد، سيتحول الناس بأغلبهم في دولة الخوف والقمع إلى الركض وراء لقمة العيش والبحث عن فرصة للسفر والبحث عن حياة أفضل خاصة في الخليج.

16- سيعمل حافظ الأسد إقليمياً ودولياً على بناء شبكة مصالح تركز على مركزية سلطته، وتكيفه مع الإرادات الدولية واستثمار أدوار سيقوم بها؛ تحوله للاعب إقليمي مقبول دولياً؛ سيقبل بالقرار 242  المعترف ضمناً بـ(إسرائيل)، سيعمل ليهيمن على الثورة الفلسطينية وليستخدمها ضمن أدواره الإقليمية، وليؤدي لتقسيمها وطردها من لبنان، سيعمل لصناعة حرب تشرين 1973 لتحوله لبكل وتعيد رمزياً القنيطرة، وتصنع حدوداً آمنة مع (إسرائيل) عبر عقود، سيدخل لبنان ويهيمن عليه ويساعد بإخراج الثورة الفلسطينية منه، وينهي الحركة الوطنية اللبنانية، ويساعد ببناء حزب الله ويحوله لأداة تخدم سياساته في لبنان واتجاه إسرائيل، وليصبح أداة قمع داخلي وليصبح حارس حدود (إسرائيل)، وليساهم بعد حين في قتل الشعب السوري، رداً على ثورة الشعب على حكم بشار الأسد الاستبدادي، سيتحالف حافظ الأسد مع إيران وسيضبط إيقاعها في المنطقة اتجاه العراق ودول الخليج، سيخدم الأسد الأب أدواراً عدة في قضية الإرهاب الدولي، والقاعدة وغيرها حيث سيعرف كيف سيعيد استخدام هذه القوة وجوداً وعدماً،  احتضاناً وعداء، لصالحه ولصالح زبائنه من القوى العظمى الفاعلة.

17- سيتوسع الكتاب في الحديث عن ثلاثية الهيمنة لنظام حافظ الأسد. الجيش (وضمنه الأمن) والحزب والبيروقراطية. وأنه اعتمد على أبناء الريف وأبناء الأقليات الطائفية خاصة العلويين، وهذا صحيح لفترة ما لكنه بعد ذلك تحول عن أن يبقى ضماناً وأماناً عاماً للكادحين السوريين، حيث تأكدوا عبر حياتهم اليومية أنهم ضحايا النظام ولا يمثل مصالحهم بل يستغلهم ويقهرهم، وأن أي منتمي للحزب أو الجيش والأمن ومن الطائفة العلوية وغيرها، يتحرك وفق مصلحيه انتهازيه مباشره كخدمة متبادلة مع السلطة حسب موقعه وحجمه، وأن شرعنة الفساد أعطت للكل فرص الاستفادة من مواقعهم السلطوية، وأن الكل أيضاً في أعناقهم دين للنظام لصمته عنهم وأنهم إن تجاوزوا عن ما تريده السلطة، فهم تحت المحاسبة دوماً.

لذلك تحولت قوى الجيش والأمن ومراكز السلطة لموقع استثمار للجميع يخدم اشخاصهم وليس طوائفهم وأن كان أغلبهم من العلويين، وسيتحول هذا الوضع بالثورة السورية لمأزق يطال أبناء السلطة وخاصة العلويين، اللذين سيدفعون ثمن ولاءهم للنظام من حياة أبنائهم وضد مجتمعهم وتحت راية المستبد في قضية ظلم واضح وإجرام دائم ضد الشعب السوري.

18- سيتناول الكتاب في أحد فصوله الإسلام السياسي في سوريا ومساره وعلاقته مع النظام صراعاً ومآلا، وسيؤكد أن الإخوان المسلمين ينتمون موضوعياً للقوى المدينية التي ضربت مصالحها بوصول البعث للسلطة. وستبرر هذه القوى تمرداتها وحركتها ضد النظام، لعلمانيته وطائفيته واتهام العلويين باستحواذهم على السلطة، إضافة لاتهامهم باعتقادهم وأن إسلامهم ناقص أو مرفوض، ستحصل تحركات عدة وراءها الإسلاميين؛ سواء من أجل الدستور ومادة الإسلام “المصدر التشريعي الأول”، أو ضد السلطة بعد اعتقال مروان حديد قائد الطليعة المقاتلة وقتله، واحتدام الصراع خاصة في السبعينات واستعمال النظام للقوة العسكرية لضرب المجتمع وقواه الحيه والسياسية وليس الإخوان فقط، ومجازر حماه وغيرها من المدن، سيتم استئصال الإخوان من سوريا بالقتل والسجن والاختفاء والهروب، ولن يتجدد حضورهم إلا بعد ثورة الربيع السوري، لكن ستظهر نسخة من الإسلام الجهادي ذي الخلفية السلفية الوهابية القطبية بأحدث حضور على شكل القاعدة، سيوجد وينمو عبر السجون أو الذهاب لأفغانستان وباكستان والعراق، وتطورات ذلك ليكون القاعدة وداعش والنصرة، وكلها موغلة في الفهم العنفي الخاطئ للإسلام ودورها المجتمعي السلبي على الناس وعلى الإسلام أيضاً.

19- سينتهي الكتاب في أواخر الثمانينات من القرن الماضي. وحيث نظام الأسد قد هيمن بالمطلق على الدولة والمجتمع السوري، وأمن علاقات مصالح متبادلة مع القوى الدولية والإقليمية، وبدأ النظام كسلطه ملكيه رئاسيه يعمل لموضوع توريث الحكم، الذي سيؤدي أخيراً لتوريث بشار الأسد الحكم.

20- ما لم يقله الكتاب وما لم يصل إليه في تحليله في الزمن مرحلة حكم بشار الأسد، والانتقال إلى مرحلة الدولة الرأسمالية الفعلية، وتحول طبقة السلطة لمالكه للدولة كما هي صاحبة السلطة، ولا يصل لربيع دمشق وعودة القمع ودخول سوريا مجدداً في القمع العلني، ودخول الشعب في حالة ثبات سياسي. سيتم تحركه بالتأثر بالربيع العربي، وظهور أن تحت رماد الواقع شعب يتوق للحرية والعدالة والكرامة الإنسانية. ورافضاً الدولة الاستبداية ومطالباً بالديمقراطية للدولة والمجتمع.

لن نستفيض أكثر ما زال للحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.