قراءة وحوار ورأي في كتاب السلطة والاستخبارات في سورية .1.

الأيام؛ أحمد العربي

تأليف: رضوان زيادة

نشر: رياض الريس للكتب والنشر. ط1. ورقية 2013.

– الفصل الأول.

(بنية النظام الاستبدادي السوري الحقيقية وعلى كل المستويات تحت المجهر، نظام يحكمه فرد من خلال عصبة تتغلغل في بنية الدولة والمجتمع).

رضوان زيادة ناشط وباحث سوري يتابع الشأن السياسي والمجتمعي السوري. والكتاب يكاد يكون مرجع شامل لبنية الدولة والسلطة في سوريا من الاستقلال حتى الآن، ومركزاً على فترة حكم بشار الأسد وامتداداتها الإقليمية والدولية.

أولاً. ولادة الجمهورية الثالثة وبناء التسلطية السورية.

يعتمد الكاتب في قراءة التاريخ السوري منذ الاستقلال على تقسيم طريقة الحكم إلى ثلاثة جمهوريات.

أولها الجمهورية الأولى.

التي ورثت مرحلة الاستعمار الفرنسي حيث هناك ثلاث سلطات منفصلة: التشريعية والرئاسية والقضائية، ولها حضورها في قيادة الدولة والمجتمع، والتي أنتجت دستوراً متقدماً في عام 1950، هذه المرحلة التي امتدت من الاستقلال إلى فترة الوحدة المصرية السورية 1958، حيث ورث السلطة وجوه الحكم أيام المستعمر، مما كان له حضور وفاعلية في أجهزة الدولة وقتها، كبار ضباط الجيش، وكذلك كبار أجهزة السلطة التشريعية والتنفيذية، كان هناك حد أدنى من السلطة الديمقراطية، لكن الدولة كانت محكومة بمشاكل الكيان حديث التشكيل، وكذلك ولادة (إسرائيل) في فلسطين؛ ككيان معتدي وغير شرعي ويشكل تهديداً وجودياً لسورية، وجود تدخلات خارجية في السياسة السورية سواء عبر الطرق الدبلوماسية أو العمل الاستخباري.

كان جرح فلسطين ومأساتها حاضراً بقوة، وكذلك إرادة الدول العظمى في عصر الاستقطاب الدولي في عصر الحرب الباردة، حيث يراد لسورية أن تكون جزء من أحلاف الغرب في مواجهة الاتحاد السوفييتي، وكان هناك استثمار اندفاعة الضباط لامتلاك السلطة في البلاد كمحاولة لإيجاد حلول لمشاكلها المستعصية على كل المستويات، فكانت مرحلة انقلابات عسكرية عدة افتتحتها حسني الزعيم بانقلابه الأول، وسرعان ما توالت الانقلابات مستغلة طموحات الضباط وضعف أجهزة الدولة ووجود الدعم الخارجي من هذه الدولة أو تلك.

تميزت هذه المرحلة بعجز الطبقة السياسية وكذلك الانقلابات من أن تضع سورية على طريق الاستقرار والنجاح السياسي، في جيش ضعيف وطبقة سياسية مترهلة قديمة وطبقة سياسية حزبية جديدة صاعدة تمتلك الأحلام ولا تمتلك الرؤى السياسية، وأحلاف دولية تحاصر سورية وتريدها جزء من خطتها وأجنداتها؛ سورية على خاصرة فلسطين، وصراع مصر عبد الناصر والغرب، ومعركة قناة السويس وتأميمها وتطويب عبد الناصر زعيماً عربياً، كله كان حاضراً في الوجدان الشعبي السوري، وعند طبقة الحكم والسياسة والجيش السوريين، فكان آخر الحلول وأسهلها عند الكل أن يلتقوا بعبد الناصر، ويصنعوا دولة الوحدة مع مصر.

(سوريا ترث أدوات حكم المستعمر الفرنسي ورجال الحكم حينها، وترث مشكلة فلسطين والاحتياجات المجتمعية لمجتمع مستقل حديثاً، وسط استقطاب دولي حاد، فشل الجميع بإدارة السياسة السورية حينها مما سرع التحاقها بالوحدة مع مصر).

ثانيها. الجمهورية الثانية.

جمهورية الوحدة المصرية السورية، التي ثبتت حكماً جديداً كلياً، في دولة الوحدة اندماجية وسوريا دولة اسمها الإقليم الشمالي، الأحزاب حلت، والجيش توحد وأصبح حضور أغلب الضباط السوريين هامشياً، وبعضهم أبعد لمصر تحسباً من أي عمل يؤثر في الوحدة، وكل مؤسسات الدولة مشتركة، والتبعية شبه مطلقة للدولة المركزية وعلى رأسها عبد الناصر، لم تستطع دولة الوحدة الصمود؛ سواء لاحتجاج الطبقة السياسية السورية التي وجد أغلبها أنه مقصى عن دائرة القرار الحقيقي للدولة، وإحساس الضباط بأنهم أبعدوا عن مركز القرار، وعدم قدرتهم عن تحقيق طموحاتهم السلطوية، وخاصة البعثيين منهم الذين شكلوا اللجنة العسكرية السورية أيام الوحدة في مصر، والتي سيكون لها دورها في مستقبل سوريا القادم، ويضاف إلى ذلك رفض غربي ومن (إسرائيل) للوحدة بما تعنيه من احتمالات مستقبلية لولادة قوة عربية جديدة تضر بمصالحهم في المنطقة، وكذلك أغلب الدول العربية التابعة موضوعياً للغرب ومصالحه، والتي تخاف على حكمها من نموذج الوحدة المقبول شعبياً والطموح في طريقة الحكم وفي مسيرة العدالة الاجتماعية؛ سواء في الملكية أو الإصلاح الزراعي.

اتفق الكل على إسقاط الوحدة وأسقطت في 1961، وانتهت بذلك الجمهورية الثانية في سوريا، أما مرحلة الانفصال فلم تكن أكثر من مرحلة انتقالية، ومحاولة العودة إلى مرحلة ما قبل الوحدة، وهذا لم يعد ممكناً، وكانت فترة سنتين –تقريباً- فترة تخمر وانضاج للظروف لتنتج حركة آذار 1963 التي حضرت البعث للسلطة.
(الوحدة المصرية السورية مطلب شعبي وتاريخي، فشل وعجز القوى السياسية والمجتمعية عن أن تكون بحجم هذا المطلب، ولخدمتهم لمصالحهم الخاصة والفئوية على حسابها، وتكالب القوى الدولية والإقليمية ضدها، لذلك سقطت الوحدة).

ثالثها. الجمهورية الثالثة.

هي الجمهورية التسلطية التي يهيمن عليها حزب البعث -ولو شكلياً-حتى الآن.

لم تكن فترة الوحدة مع مصر ترضي طموحات الأحزاب السياسية وخاصة البعث والضباط الذين يحملون توجهه الفكري والسياسي، فعملوا منذ الوحدة عبر لجنتها العسكرية السرية على خلق تنظيم سري عسكري بعثي في أوساط الجيش وجهزوا أنفسهم لاستلام السلطة، وكانت فترة الانفصال فترة نموذجية لهم، حيث تحالفوا مع طبقة الضباط الناصريين الكثر – الذين ارتبطوا بعبد الناصر وجدانياً وليس تنظيمياً– وهم غير منظمين وغير ناضجين سياسياً وكان هدفهم المركزي إعادة الوحدة مع مصر عبد الناصر، وهذا ما استثمره الضباط البعثيين حيث قاموا معهم بالانقلاب على الانفصال، وسرعان ما أقصاهم عن مراكز القرار، وعندما حاول بعضهم الانقلاب على البعث أعدم من أعدم وهرب البعض وحصلت حملة تسريح كبيرة لهم ستقصي الناصريين عن الجيش بشكل مبكر ونهائي.

لم تكن طريق البعث في الحكم سهلة فهناك مراكز قوى متصارعة، القيادة التاريخية ممثلة بـ”عفلق والبيطار”، وما سمي القيادة القومية للبعث، وكذلك أكرم الحوراني وفريقه، وهناك اللجنة العسكرية التي ظهر على رأسها بشكل أساسي محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وكلهم من الطائفة العلوية؛ ولهذا دلالته التي ستطبع الحكم في سوريا إلى الآن.

يستمر الصراع حتى 1970، حيث سيقصى أولاً القيادة التاريخية القومية عفلق وفريقه 1966، ومن ثم ستتم تصفيات ضمن اللجنة العسكرية حيث سيبعد محمد عمران ويستقر في لبنان -ليغتال هناك بعد سيطرة حافظ الأسد على السلطة-، وبعد ذلك سيقصى صلاح جديد ومجموعته بعد انقلاب 1970 وسيودع السجن حتى وفاته، وسيصبح الأسد القائد الأوحد لسورية منذ ذلك الوقت حتى وفاته في 2000.

مرحلة حافظ الأسد وبناء سلطته المطلقة على سورية وشعبها لم تكن سهلة، بل تطلبت منه أن يشق طريقه الخاص ليثبت قانونياً ودستورياً، وعبر حزب البعث الذي أصبح قائداً للدولة والمجتمع بنص الدستور، وأصبح أي عمل حزبي سياسي سوري مجرد ديكور متمم للسلطة المطلقة للأسد، أو ضحية قمع واعتقال واغتيال المعارضين جميعاً، وبقسوة تختلف حسب قناعة السلطة بخطورتها. وكذلك الهيمنة عبر السلطة التنفيذية، ومن خلال الجيش والأمن كون سلطته المطلقة بشكل حقيقي وعبر فترة حكمه كاملة. فعلى مستوى الحزب أعاد ترتيبه بحيث تحول إلى واجهة شعبية والسلطة للأسد نفسه، وأصبح البعث بالتوسع التنظيمي الذي وصل للملايين من المنتسبين مربوط تنظيمياً بالأسد وعصبته عبر نظام تعيين من الأعلى للأسفل، قائم على واقع الولاء، دعمه جيش من الشباب المدجنين بدأ من الطلائع، لشبيبة الثورة، لاتحاد الطلبة، وتحول البعث ليكون الحزب الوحيد المخول للنشاط في أوساط الطلبة والجيش (الذي أصبح عقائدياً)، وأصبح الدخول في أجهزة الدولة أو التوظيف أو أي منشط يرتبط بالتحزب أو الموافقات الأمنية.

وهنا نأتي للجيش والأمن بصفتهم أدوات القوة والتحكم بالدولة السورية عند الأسد، في الجيش مسيطر عليه عبر شبكة من الضباط أغلبهم من العائلة والعصبة و(الطائفة العلوية)، وكذلك عبر شبكة أجهزة أمنية تتابع كل صغيرة وكبيرة في كل مناحي المجتمع، في كل مناشط الحياة محكومة بالمتابعة الأمنية، وكل المعاملات مع الدولة محكومة بالموافقات الأمنية أيضاً، مما شكل تربة صالحة للمحسوبية، وطبقة الفساد والمصالح المتبادلة بين أجهزة الدولة على تنوعها وبين المجتمع، بحيث أصبحت سوريا مزرعة الأسد وعائلته وعصابته بامتياز، وأصبحت الدولة والشعب أدوات هذه المصلحة وضحيتها في ذات الوقت.

بهذا الشكل وعبر جهاز تشريعي – مجلس الشعب – منتخب شكلياً معيّن واقعياً، ودوره يقتصر على تثبيت وتأكيد سياسة الأسد في كل قضايا الدولة والمجتمع، وعبر سلطة تنفيذية محكومة بالسلطة ومصالحها عبر شبكة زبائنية محكومة بكل صغيرة وكبيرة، وكذلك الجيش المهيمن عليه من الأسد وعصابته، والمهيمن على كل شيء في الدولة.

الأمن الذي شكل الجهاز العصبي العارف بكل تفاصيل الحياة والمجتمع والمتحكم فيها أيضاً، هذه آلية سيطرة الأسد على الدولة والمجتمع في سوريا عبر عقود، هرم ثلاثي الأوجه السلطة التنفيذية، والحزب، والجيش والأمن، يتربع على رأسه شخص واحد: حافظ الأسد.  
(في مرحلة حافظ الأسد أصبحت الدولة السورية جمهورية الأسد بامتياز، عبر هيمنتها على كل مفاصل الدولة المجتمعية والأمنية والسياسية وكل شيء، وعملت فعلاً عبر شرعنة العنف على الشعب وممارسته لتصنع دولة الأسد الأبدية).

عبر هذا الجزء من الكتاب عرفنا كيف صنع حافظ الأسد دولته وثبتها داخلياً، وسنعرف من خلال أجزاء الكتاب الأخرى كيفية إدارة الأسد لحكمه إقليمياً ودولياً وكيف صنع لنفسه دوراً محدداً، وكيف جهز سوريا لتكون دولة وراثية سيأتي ابنه بشار الأسد رئيساً لها بعد وفاته.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.