قراءة وحوار ورأي في كتاب: السلطة والاستخبارات في سورية (6)

(الكتاب شامل لموضوعه الذي بحث به، ويعتبر مرجعاً عن السلطة والمجتمع السوري عبر عقود، وتفاعلات هذه السلطة محلياً وإقليمياً ودولياً).

الأيام السورية؛ أحمد العربي

تأليف: رضوان زيادة… نشر: رياض الريس للكتب والنشر.ط1. ورقية 2013.

رأي نقدي بالكتاب ونظرة على الربيع السوري والثورة السورية.

أولاً. يعتبر الكتاب من أهم الكتب المرجعية التي تحدثت عن السلطة السياسية في سورية في السنوات الأخيرة، وخاصة أنه يغطي موضوعه إلى عام 2010 قبل الربيع السوري بسنة، كتاب يكاد يكون محيطاً بكل تفاصيل ممارسة السلطة السياسية السورية منذ تأسيس الدولة السورية حتى 2010، عابراً -بتركيز وشمول وتفصيل أحياناً- على مرحلة حافظ الأسد ومرحلة بشار الأسد الاستمرار والتطور، وآليات التعامل المحلي والإقليمي والدولي، ومرتكزاتها الاستراتيجية، وكيفية تحول النظام السوري في مرحلة حافظ الأسد وابنه بشار إلى لاعب إقليمي، يصنع مواقفه ويستثمرها إقليمياً ودولياً، ويسوق النظام ضمن لعبة المصالح المتبادلة، واحترام الخطوط الحمر، والقيام بأدوار زبائنية لصالح هذه الدول، وتحقيق مصلحة النظام وعصابته وعلى رأسها الأسد الأب والابن.

الكاتب رضوان زيادة وهو أحد الناشطين السياسيين السوريين مرتبط عضوياً بالواقع والموضوع الذي كتب عنه، وله كتابات أخرى عن سورية من أهمها كتابه “السلام الداني” عن المفاوضات السورية (الإسرائيلية) بتفصيل مهم.

ثانياً. إن أهم جانب تم المرور عليه بشكل عابر في الكتاب وهو “البنية الطائفية” للنظام في مرحلة حافظ الأسد وبعده ابنه بشار الأسد.

للتحديد أكثر وحتى لا ندخل في لعبة الاستسهال وإطلاق الأحكام دون تدقيق، لأننا أصبحنا مطلعين على كثير من الوثائق والشهادات لكثير من البعثيين الذين كتبوا عن الموضوع قديماً وحديثاً، مستندين أيضا ًعلى نتائج السياسات في واقع حياتنا، التي ستعطينا حقائق السياسات الممارسة مهما كانت سرية أو غير معلنة.

ثالثاً. منذ السنوات الأولى لتأسيس حزب البعث كانت قياداته تحض شبابها على الالتحاق بالجيش لتحسن موقعها السياسي بحد أدنى، والتفكير بالوصول للسلطة بحده الأعلى، وهناك دعوات مباشرة من المؤسس ميشيل عفلق من أجل ذلك، وكذلك من أكرم الحوراني الذي أسس حزبه الاشتراكي العربي الذي سيندمج مع حزب البعث مكونا حزب البعث العربي الاشتراكي، ويلفت النظر أن أغلب المنتسبين للجيش في سلك الضباط وصف الضباط والجنود، هم من العلويين والدروز والإسماعيليين، بنسبة عالية قياساً بالسنة إذا أخذنا النسبة قياساً بعدد السكان لكل طائفة وطنياً، ويظهر هذا لاحقاً في أيام الوحدة المصرية السورية حيث سيبعد عبد الناصر بعض هؤلاء الضباط من الجيش، والبعض الآخر ينقله إلى مصر ليمنع تأثيرهم في الجيش أو الدولة، ومن المؤشرات الأكثر وضوحاً هو تأسيس اللجنة العسكرية السرية لحزب البعث أيام الوحدة وعلى رأسها محمد عمران وصلاح جديد وحافظ الأسد وهم علويون ومعهم أحمد المير إسماعيلي والبعض يضيف أسماء أخرى لاحقاً سليم حاطوم الدرزي، وهذه اللجنة سيكون لها الدور المركزي مع ضباط ناصريين لإسقاط الانفصال، وسيكون لها دور أساسي في تصفيتهم من الجيش بعد نجاح حركة آذار 1967، وليس صدفة أن أكثرهم من الضباط السنة، وعند حصول الصراع بين أجنحة حزب البعث في الحكم، حيث يستبعد الجناح المدني “ميشيل عفلق وصلاح البيطار” عام 1966. وستصبح الهيمنة للجناح العسكري وعلى رأسه حافظ الأسد وصلاح جديد العلويين، ولن يغير من واقع الحال وجود بعض القادة السياسيين في الواجهة من غير العلويين، ولا وجود بعض الضباط أيضاً مثل “مصطفى طلاس” السني، وواقع الحال أن وجودهم رمزي وغير فاعل في بنية السلطة، وستكون الفترة بين 1966 و1970 فترة صراع بين أجنحة اللجنة العسكرية نفسها، وأحد أوجهها طائفي حيث يهمش الوجود الإسماعيلي بالجيش، ويستبعد سليم حاطوم الدرزي الذي يحاكم ويعدم أيضاً، وسينتقل تمييز العلويين في الدولة والسلطة السورية في عصر حافظ الأسد إلى مرحلة أعمق وأشمل في كل مستويات الدولة.

اللجنة العسكرية السرية لحزب البعث هي أول تشكيل مبكر يظهر طائفية في بنية الحزب وتكتل للعلويين فيه.

رابعاً. إن سيطرة حافظ الأسد على السلطة في سوريا منذ 1970 عنت أنه أصبح الحاكم المطلق لسوريا على مستوى حزب البعث الذي أصبح مجرد جهاز تجييش وتعبئة، وعلى مستوى الجيش والأمن وأجهزة السلطة التنفيذية كاملة، ولتحقيق هذه الهيمنة والولاء والتبعية للنظام و لحافظ الأسد شخصياً، كان لابد أن تكون المجموعة الحاكمة من عائلة الأسد وأقربائها ومن الطائفة العلوية تحديداً، في أغلب القيادات الأمنية والعسكرية الفاعلة هم من العلويين، ومرة أخرى وجود بعض المناصب السياسية والتنفيذية بيد غير العلويين هو جزء من عملية استثمار هذه الطاقات؛ ولأجل إخفاء حقيقة البعد الطائفي الحقيقي للنظام. صحيح أن عملية التطوع في الجيش خاصة في صف الأفراد وصف الضباط كانت الملاذ الآمن حياتياً لأغلب أبناء الطوائف؛ حيث حياة الريف وتهميشها وتخلفها الاقتصادي؛ والتطوع الذي بدأ منذ الاستقلال حتى الآن، لكن هذه الظاهرة توسعت في عصر حافظ الأسد وابنه بشار ضمن العلويين. وإذا انتقلنا إلى فئة الضباط ودخولهم للجيش فيجب أن يمروا بدراسة أمنية، ولن يدخل إلا من كان بعثياً وولاءه مطلق للنظام، وأغلب الضباط المنتسبين حديثاً في كل القطاعات هم من الطائفة العلوية، وذلك عبر عشرات السنين حيث يحصل التطوع سنوياً.

خامساً. كان لذلك منعكس حياتي على العلويين الموجودين في الجيش أنفسهم، حيث ينتقلون للعيش قريبين من قطعاتها العسكرية أو مراكزها الامنية، وهذا أنتج عدة ظواهر مجتمعية فعلى مستوى صف الضباط والجنود ستظهر العشوائيات المجاورة للمدن والمناطق بمستوى حياة متدني وذلك يشمل سوريا كلها، وكثير من هذه العشوائيات يقطنها علويون يعيشون حياة قاسية، ينزرعون في البيئة الجديدة وأغلبهم سيكون لهم عدد كبير من الأولاد، ويدخلون في لعبة الفساد واستثمار السلطة بكونهم علويين والسلطة لهم، وهذا الجانب المسكوت عنه مجتمعياً ولكنه معاش “بالفطرة” المجتمعية والخنوع والخوف. وأما فئة الضباط فقد أعطت امتيازات أبناء السلطة حيث الاستفادة من موارد الجيش، وكل حسب موقعه وضمن غياب آليات متابعة ومحاسبة ووجود فساد مستشري، في أغلب الضباط لديهم مركبات خاصة من الجيش، والبعض لهم مركبات للبيت وكلها وقودها من الدولة، واغلب الضباط يسكنون في مجمعات خاصة منعزلة عن المدن والمناطق، وهي مساكن مملوكة للدولة بأجر رمزي جداً وخدمات شبه مجانية، ولن نكرر التأكيد أن أغلب المساكن وقاطنيها من العلويين؛ أدى هذا بشكل عملي لخلق مجتمعات خاصة بالضباط تفصلهم عن المجتمع وتعلن تميزهم وامتيازها، وأغلب هذه المساكن مسورة ومغلقة والدخول والخروج إليها ومنها يحصل عبر حاجز عسكري، كان ذلك سابقاً وأصبح أكثر حذراً وحدة الآن بعد ظروف الثورة.

سادساً. يتغلغل العلويون في بنية الدولة والسلطة أكثر مع تزايد تواجدهم في المدن والمناطق السورية قاطبة عبر عشرات السنين من سلطة حافظ الأسد وبعده ابنه بشار. فعلى مستوى وزارة التعليم الأولوية لهم في تعيينات الوزارة المحدودة أصلاً، وكذلك في الابتعاث وفي وظائف الدولة عموماً وفي كل الوزارات، ويؤكد دقة تحليلنا أن كل ذلك يمر عبر فلتر الموافقات الأمنية التي طالت أغلب مناشط الحياة التعيينات والتوظيف.

إن حافظ الاسد تصرف بالدولة السورية بصفتها ملكية خاصة له، ووزعها حسب المناصب والمكتسبات المحيطين حوله من العائلة والعصبة والطائفة، وجعل الدولة مركزاً استثمارياً وفساداً للكل، وكل حسب موقعه ودرجة مسؤوليته يكبر فساده وتصغر، وتكبر حصتها من كعكة السلطة أو تصغر.

اعتمد حافظ الأسد وبعده ابنه بشار على عصبته العائلية والطائفية للعلويين في قيادات الجيش والأمن ومراكز الدولة الفاعلة.

سابعاً. منذ استيلاء حافظ الأسد على السلطة 1970 وحتى وصولها لابنه بشار، تكونت طبقة من المنتفعين وأصحاب رؤوس الاموال من أركان السلطة نفسها، بقيت مغطاة في مرحلة حافظ الأسد بحضوره، لكن عند استلام بشار الفعلي للسلطة في حياة والده، بدأت مرحلة انتقال اقتصادي إلى اقتصاد السوق بعد أن تم تجفيف وتمويت القطاع العام عبر الفساد والنهب والتفشيل، وبدأت عائلة الأسد وقراباتهم آل مخلوف وشاليش وكثير من الضباط الكبار في الجيش والأمن من العلويين وطبقة من الشركاء المدنيين والمدنيين يتحولون لكبار التجار والملاكين وأصحاب الملايين بين عشية وضحاها، وليكونوا هم بأشخاصهم وشركاتهم الخاصة مالكي أغلب الشركات وأكبرها والوكالات الأجنبية المتكاثرة في سوريا، وكذلك البنوك التي يشارك بها بشار الأسد وعائلته وعصابته، سواء بالمال أو النفوذ، الذي لا يتم في سورية دونه، لذلك لكل تاجر أو ممول أو مستثمر في سورية، له شريك و”ظهر” يحميه بدأ من بشار اﻷسد وعائلته وعصابته حسب درجة الأهمية وكبر المصلحة، فبعضها حكر على آل الأسد كالبترول والاتصالات.

(في مرحلة بشار الأسد تتحول الطبقة الأمنية والعسكرية للأسد وعائلته وضباطه العلويين إلى طبقة تجارية تملك سوريا اقتصادياً كما ملكتها أمنياً وعسكرياً).

ثامناً. في مرحلة بشار الأسد ظهر حجم الأموال المنهوبة من الشعب السوري التي حولها بشار وعائلته وعصابته إلى شركات وبنوك وعقارات وأراضي بمساحات كبيرة لم يكن متصوراً حصولها، والتي عدلت من القوة الاقتصادية لبعض صغار المالكين الذين باعوا أرضهم للإقطاع الأسدي الجديد وانتقلوا إلى البحبوحة مؤقتاً ثم دخلوا في دوامة لقمة عيش صعبة المنال، هذا الملك الواسع الذي استخدم ضمن علاقات بيع كبيرة الحجم إلى متمولين وحكام خليجيين في الخارطة السورية كاملة، كل ذلك طبعاً إلى ما قبل الثورة السورية 2011.

تاسعاً. أردنا عبر هذه الاستفاضة في قراءة البعد الطائفي العلوي للنظام السوري بقيادة حافظ الأسد وبعده ابنه بشار، أردنا أن نؤكد على بعد لم يعطى حقه في قراءة السلطة في سورية عبر عقود، وأن هذا الاستخدام للطائفة العلوية من قبل نظام الأسد الأب والابن لم يكن بإرادة من الطائفة كحالة اعتبارية، لأنه لا وجود لأي تعبير مجتمعي حقيقي في دولة الأسد الأب والابن، ولكن هم أداة استخدموا والبعض ابتلع طعم المكسب الصغير أو الكبير، والبعض أصبح من بنية النظام وجوداً وعدماً، وجزء من بنيته القمعية التي دخلت مع النظام في لعبة الحفاظ على السلطة، ولو عبر تدمير أغلب سوريا وقتل أكثر من مليون إنسان حتى الآن، وجرح وإصابة وتشويه عدد مماثل، وتشريد أكثر من نصف الشعب السوري، وانتقالهم لحياة ينعدم فيها أقل الشروط الإنسانية: من عيش كريم وعمل ومسكن وتعليم ورعاية صحية، كل ذلك وأغلب أدوات النظام وقادة جيشه وأمنه هم من العلويين، وكذلك أغلب قتلاه منهم، لقد صدّق أغلب العلويين أن نظام الأسد يحميهم، فهموه هم وقتل أولادهم في معاركه.

(من تبعات الثورة السورية أن أغلب العلويين صدقوا مقولة: أن نظام الأسد يحميهم، لذلك ارتضوا أن يموتوا دفاعاً عن نظامه وضد الشعب السوري الذين ينتمون إليه).

أخيراً. إن الحساب الختامي في سوريا: هو أن العلويين جزء من البنية المجتمعية السورية، وانعكس عليهم ما انعكس على كل الشعب السوري، كنواتج للاستبداد والفساد والقمع والمحسوبية وهدر الإنسان والجماعة الوطنية، وأن بعضهم استخدم في لعبة النظام ضد الشعب السوري، ولا يغير من ذلك حصول بعضهم على مكتسبات صغرت أو كبرت، ولكنها تعتبر كجزء من بنية النظام الاستبدادي القمعي القاتل في سورية، والذي تعمل ثورة الشعب السوري على إسقاطه ومحاسبته وبناء الدولة الوطنية الديمقراطية؛ دولة المواطنة المتساوية، دولة الحق والقانون، محققين: الحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحياة الأفضل.


مراجع:
كتاب التجربة المرة. منيف الرزاز.

كتاب البعث. جلال السيد.

كتاب البعث. سامي الجندي.

البنية الطائفية العلوية في السلطة السورية. حنا بطاطو.

حزب البعث العربي الاشتراكي. مصطفى كركوتلي.
الأسد والصراع على الشرق الاوسط. باتريك سيل.

ندوة عن العلويين السوريين. منتدى حوارات ديمقراطية سورية. يوتيوب.

مجموعة لقاءات وندوة مع الأخ فراس طلاس عن الصندوق الأسود للنظام السوري. منتدى حوارات ديمقراطية سورية يوتيوب.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.