قراءة وحوار ورأي في كتاب…السلطة والاستخبارات في سورية “2”

(سورية في عهد حافظ الأسد جمهورية استبدادية شمولية يحكمها فرد بشكل مطلق، يهيمن على كل شيء، عمل ونجح في توريث الحكم لابنه، وأصبحت سورية جمهورية ملكية بامتياز).

الأيام؛ أحمد العربي

تأليف: رضوان زيادة و نشر: رياض الريس للكتب والنشر. ط1. ورقية 2013.

الفصل الثاني.

وراثة سورية من الأب (حافظ الأسد) إلى الابن بشار الأسد.

أولاً. اعتمد حافظ الأسد ومنذ ما قبل انقلابه عام 1970 وهيمنته المطلقة على السلطة في سورية على مجموعة مختارة من الضباط العسكريين ليكونوا أذرعه وأدواته في السلطة، ومنذ أيام اللجنة العسكرية، التي بقيت فعالة طول الوقت، وتحولت لتكون قيادات الجيش والأجهزة الأمنية، وإن حصل فيها تغيير أو أبعاد لبعض الوجوه عبر مسيرة السلطة السورية وحاكمها المطلق حافظ الأسد.

ثانياً. حافظت هذه البنية السلطوية المتواجدة في قيادات الجيش والأمن وأجهزة الدولة التنفيذية وقيادة حزب البعث، حافظت على استمرارية السلطة ودوام هيمنتها، وتشكيل ذاكرة فاعلة متراكمة لكل الشؤون السورية وعلى كل المستويات، واعتمد حافظ الأسد من خلال شبكته على تعميم الفساد وتقنينه وجعله مكسباً ذاتياً لكل من حوله، وبنفس الوقت اعتبره الغنيمة (الخطيئة) التي يحاسب عليها كل من يخرج عن الولاء المطلق للأسد ويتجاوز خطوطه الحمر، فيحاسب قتلاً (انتحاراً) (رئيس الوزراء محمود الزعبي). أو سجناً ومن ثم قتلاً (موتاً) (رئيس الاستخبارات النجار). أو إبعاد شقيقه رفعت الأسد. إلخ… وفي كل الأحوال سقوط أي فرد من السلطة لا يؤثر عليها وعلى تحريكها قدرة مطلقة لحافظ الأسد.

(هيمن حافظ الأسد على السلطة والدولة والمجتمع عبر شبكة عسكرية وأمنية وحزبية ترتبط به شخصياً وتكسب من ولائها المطلق له مادياً ومعنوياً، وتسقط وقد تقتل إن خانته أو لم تلزم بالمطلوب منها).

ثالثاً. اعتمد حافظ الأسد على ربط كل خيوط السلطة به شخصياً، عبر شبكة حزب البعث الذي ينتهي به أميناً عاماً قطرياً وقومياً، والجيش الذي هو قائده الأعلى، والأجهزة الأمنية المرتبطة به شخصياً على تعددها وتنوعها، وقد قنن ذلك عبر دستور 1973 وما جرى عليه من تعديلات لاحقة جعلته حاكماً مطلقاً لسورية، وعبر مجلس شعب تشريعي مهمته الوحيدة التطبيل للأسد والتصديق على ما يقترحه من قوانين وتشريعات، وعبر الجبهة الوطنية التقدمية التي اعتمدها ضمن مقولة الديمقراطية الشعبية، أحزاب كرتونية رمزية نكرة وجدت لتكمل الصورة ولتحقق –شكلاً- فكرة القرار الوطني المتفق عليه، وتصادق على كل توجهات الأسد الداخلية والخارجية، صادقت على الحرب على الإخوان المسلمين السوريين، وعلى بقية القوى السياسية الوطنية في أواخر سبعينات القرن الماضي، وعلى الدخول إلى لبنان وشبه احتلاله وضرب الثورة الفلسطينية 1976، وعلى المشاركة في حرب تحرير الكويت 1990…إلخ.

(هرم السلطة الثلاثي الجيش والأمن وحزب البعث والسلطة التنفيذية والتشريعية، يتربع عليها الأسد قائداً واحداً مطلق الحكم والصلاحية).

رابعاً. إن اعتماد حافظ الأسد على خلق الولاء المطلق عند رجاله له شخصياً. وإغراقهم بالمكتسبات. ومحاسبتهم عند الخطأ. ودوام فعلهم ومصالحهم وفاعليتهم طالما هم على ولائهم. جعلهم يعيشون في مواقعهم على شاكلة الأسد، من خلق شبكة طاعة وولاء ومصالح ومغانم تصل لكل منتسبيها. لذلك جعلهم يشعرون أن الأسد ولي نعمتهم. الذي يجب أن يحافظوا على الطاعة والولاء والعمل الدؤوب المثمر معه. وجعل الكل يشعر أن أمانه الحقيقي هو مع الأسد فقط، وأي ولاء فرعي قد يودي بصاحبه لدرجة القتل أو الموت أو الإقصاء أو النفي كما ذكرنا سابقاً. وهذا جعل الكل يراقب الكل ويحاسبه ينافسه خدمة للسيد الأول حافظ الأسد.

خامساً. طبعاً ومع مرور الزمن وهيمنة الأسد على السلطة والشعب السوري وقدرته في تسيير الحكم وخلق شبكة زبائنية له وبدوره إقليمياً ودولياً، أصبح يفكر أن يخلق بديلاً سلطوياً بعده، كان باسل ابنه الأكبر خياره الأول وبعد موته، انتقل الخيار لبشار ابنه الثاني، الذي أُحضِر على عجل من بريطانيا حيث كان يكمل دراسة طب العيون، وأُدخل في الجيش وبدأ يأخذ دورات مكثفة في الشؤون العسكرية والسياسية، وبدأ يظهر في الصورة السياسية السورية كخليفة لحافظ الأسد، رغم إنكار حافظ الأسد لذلك، وادعائه الدائم اعتماده الطرق الدستورية والبرلمانية والحزبية والشعبية في الحكم، تغطية على كون كل أوراق السلطة السورية في يده شخصياً.

سادساً. بدأ الأسد يدرب ابنه بشار في الشؤون السياسية عملياً فقد سلمه أعقد الملفات السياسية والأمنية (الملف اللبناني)، كما أنه صدره ليكون رسوله إلى أغلب العواصم الدولية والعربية الفاعلة، رسالة ضمنية عن تعارف وتفاهم وإشعار بحاكم سوريا المقبل، كما أنه أدخله في بنية السلطة العسكرية، حيث وصل لرتبة عقيد في الحرس الجمهوري ( أقوى الفرق العسكرية السورية) وأصبح قائدها الفعلي، وربط القيادات الأمنية ببشار وجعله الوسيط بينه وبينهم في أغلب الأحيان، ليرسخ عملياً موقع بشار كقائد بعد أبيه عليهم، كما أنه اعتمد على إقصاء أغلب قيادات الطبقة العسكرية والأمنية التي من الممكن أن تزاحم بشار يوماً ما، (علي دوبا رئيس الاستخبارات، علي حيدر رئيس الوحدات الخاصة، حكمت الشهابي رئيس الأركان)، وأغلب قادة الفرق العسكرية والفروع الأمنية، ووضع بدائل عنهم ممن تكونت بينهم وبين بشار علاقة تفاعل ولاء وتبعية وثقة متبادلة، بحيث تحقق مع بشار وفريقه الجديد الذي عمل معه بوجود حافظ الأسد عبر السنوات الأخيرة من حكمه الولاء والطاعة والتبعية المطلقة، ولم يكن يحتاج الأمر إلى موت الأسد الأب ليظهر الحاكم الفعلي الجديد الأسد الابن بشار.

(خيار حافظ الأسد لابنه باسل ثم بشار خليفة له، أمر خطط له بدراية، ونفذ بحنكة، ونجح بالتطبيق عبر سنين).

سابعاً. لذلك لم يحصل عند وفاة حافظ الأسد ما لم يكن متوقعاً، بل نفذت الخطة بحذافيرها، ولكل من أدوات حافظ الأسد السلطوية دوره الذي سيكمل مع ابنه بشار، يعلن عن وفاة حافظ الأسد، وسيعين بشار الأسد من القيادة القطرية أميناً عاماً قومياً وقطرياً للحزب والجبهة التقدمية، وسيعلن عنه قائداً للجيش والقوات المسلحة، وسيعقد اجتماع يتيم لمجلس الشعب يقر تعديل الدستور بتغيير الحد الأدنى لعمر الرئيس من أربعين سنة إلى أربع وثلاثين سنة، لتصبح مطابقة لعمر بشار الأسد، وترشح القيادة القطرية بشار الأسد رئيساً للجمهورية، ويقر مجلس الشعب ذلك بالإجماع، وليحصل استفتاء شعبي ينال به بشار الأسد نسبة تزيد على 96 بالمائة.

لا شيء تغير بسورية إلا اسم الرئيس وشخصه من حافظ الأسد لابنه بشار الأسد، كل ذلك عبر طرق شرعية بالشكل، وعبر آلية الهيمنة والولاء والإلزام والقمع والاستبداد والشمولية في واقع حال سورية والسوريين.

(كان مجيء بشار الأسد للحكم خلفاً لأبيه تعبيراً عن استمرارية الحكم بأجهزته وأدواته ذاتها وبذات العقلية وبتغيير بشخص الرئيس فقط؛ من حافظ لبشارالأسد).

ثامناً. عندما استلم بشار الأسد الحكم بعد أبيه حافظ الأسد، لم يكن أمامه أي عبء لتغيير الوجوه العسكرية والأمنية السورية، فهذا فريقه الذي عمل معه طوال سنوات تحت رعاية أباه، ولا يخلو من بعض الاستثناءات عن انتهاء أدوار بعض الوجوه السياسية للطبقة الحاكمة التي انتهى دورها مع حافظ الأسد، ولم تكن ذات قدرة خاصة وفاعلية إلا بصفتها أداة بيد الأسد الأب سابقاً، ينطبق هذا على وزير الدفاع مصطفى طلاس، ونائب رئيس الجمهورية عبد الحليم خدام، وزير الخارجية فاروق الشرع الذي أعطي منصب نائب رئيس الجمهورية شكلاً ووضع على الرف واقعياً، غير ذلك لا تغيير حقيقي في بنية السلطة وآلية عملها في عهد بشار الأسد عن عهد والده حافظ الأسد، لذلك تهكم الكثيرين بما حصل وقالوا: أن حافظ الأسد ما زال يحكم من قبره، تأكيداً على الآلية المختبرة والناجحة التي اعتمدها حافظ الأسد حكم سوريا واستعبادها عملياً.

(لم يكن أمام بشار الأسد أي مشكلة في ترسيخ حكمه أبداً).

أخيراً. سنتابع في قراءة الكتاب واقع المجتمع السوري وقواه السياسية المعارضة في عهد الأسد الأب تمهيد، وعصر بشار الأسد بشكل مركز، كما سنطلع على سياسة حافظ الأسد وابنه بشار الخارجية، وواقع الإسلام السياسي في سوريا، وحركة الإخوان المسلمين في عهد الأسد الأب والابن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.