قراءة في “نفسية الهزيمة” منذ “حرب 67” حتى “الربيع العربي”

قد لا يعني تغيير التسمية الكثير بالنسبة لنفسية ومشاعر الناس، لكنها تعني الكثير بالنسبة لقيادة بدت “هزيلة”، و”جيوش متفككة” انتهى بها المطاف أن انتقمت لشرفها العسكري المهزوم بالانتقام من “الشعوب”؛ وأعطت انطباعاً أكيداً عن حالة الانفصال بين رغبات “القاعدة الجماهيرية”، ورأس السطلة في “أعلى الهرم”.

الأيام السورية؛ فرات الشامي

يبدو أن المصطلحات وتغييرها كمرحلة لخداع الشارع بدأت تؤرخ لحياة سياسية داخلية جديدة في الوطن العربي، ترسخ فيه “الانعزال” بين الحقيقة والواقع، فتحولت معه “الهزيمة” إلى “نكسة” بالمصطلح، فيما ظل اليقين يقول بأن “العرب هزموا” على يد “عصابة”.

الكثير من جيل الشباب اليوم لم يعش تفاصيل “حرب الأيام الستة”، لكن بات من الواضح أنه عايش “نتائج” و”انعكاسات” تلك الحرب، على كافة الأصعدة “السياسية والاقتصادية والاجتماعية”، بل وحتى “النفسية”، حيث يمكن تلخيص المفردات التي سادت فترة طويلة من الزمن وورثها “جيلٌ بأكمله” تقول بأن: “العين لا تقاوم المخرز”، واستسلمنا لنومٍ عميق، غاب فيه الوعي عما يحاك من “خطر” لابتلاع البلاد داخلياً من قبل “الطغمة الحاكمة” في الوطن العربي دون استثناء.

سادة “نفسية المهزوم” حتى باتت غالبة على يوميات حياتنا الاجتماعية والإبداعية، ولعل الذاكرة تؤكد أننا في “دولة البعث” على سبيل المثال كنا نؤدي شبه طقوسٍ احتفالية بتلك “الهزيمة”، وندّعي زوراً أننا نلتقي في المحافل والصالات لنكررها ونؤكد أنها “حالة طارئة زائلة”، وبعد أن كانت -الاحتفاليات- مجرد “امتصاص لغضب الشارع”، تحولت إلى “طقوسٍ مكروهةٍ عرفاً”، لا تعيد إلى الذاكرة إلا “المرارة”، بل إنها شكلت مع مرور الوقت حاجزاً مهمته بعث الرسائل “للنفس السورية المهزومة” بالذات؛ أنّ مقاومة “الصهاينة” خديعة، وفي أحسن الحالات باتت حكراً على “حزبٍ طائفي” أيدناه وبكينا لانتصاراته وهللنا لـ”سيده”.

“نفسية المهزوم” تلك، لم تزل ترافق الكثير، لا سيما “النخبة المثقفة” التي حضرت ووعت تلك “الأيام”، والمشكلة أنها “اعتكفت تبكي الأطلال”، والبعض منها “انكفأ على نفسه” ومازال يتجرع “كأس الهوان”. وإن كان البعض منهم حلل الواقع وكشف المستور عن “خلفيات تلك الهزيمة”، لكنها -التحليلات-بقيت مجرد “تحليلات بلا غاية”، أو بلا هدفٍ علاجيٍّ محرك يؤجج المشاعر ويحرضها على نصرٍ جديد.

نستحضر مرور خمسين سنة على “هزيمة حزيران 1967″، في زمنٍ يكاد يكون استمراراً لتلك “الهزيمة”، وامتداداً طبيعياً لها، فمن “هزيمة الجيوش” إلى “هزيمة الشعوب”، وطغيان “عقلية العسكر” التي استأثرت وانفردت بالسطلة، وشرعت لهزيمة جديدة مُنيَ بها “السياسيون المحبطون”.

لماذا نستدعي التاريخ؟

سؤالٌ محرج؛ لكن من المعيب ونحن “شباب الثورة” أن نستمر في “اجترار ألم الهزيمة”، بدلاً من الوقوف على “العبرة التاريخية”، وتقديم رؤية للخروج من “هزائمنا النفسية” والتقوقع بداخلها إلى ما لا نهاية، متعلقين بأوهام أننا ننتظر “صلاح الدين” يجدد انتصارنا، دون أن نسأل أنفسنا ولو مرة: “من صنع صلاح الدين”؟ ولماذا لا نصنعه، بدل انتظاره؟

كجزء من هذا التحرك باتجاه إنهاء “أزمة الهزيمة” التاريخية التي نعيشها، تجد الحراك الثوري العربي عموماً في حالة “جمود”، فما بين واقعٍ مرير في “سورية” التي تشرف ثورتها على “هزيمة جديدة” -للأسف-وما بين “ثوراتٍ مضادة التهمت ربيع تلك البلاد”، كما هي الحالة “المصرية”، أو حالة “تطويق انتصار الثورة اليمينة بالتقسيم والرداء الطائفي المأجور”. ولعل صاحب المصلحة الأكبر في ترسيخ “عقيدة المهزوم” هي ذاتها النظم العربية التي اعتادت ألا تتحدث بشفافية وتكشف عن الاعتبارات التي أوصلت لطريق “الهزيمة”، لأنها تعلم أنّ أي حراك من شأنه تقديم معلومات دقيقة عن مسار تلك الحرب سوف تكون محصلته “تفتيت شرعية هذه الأنظمة”، وبالتالي شرعنة قيام الثورات ضد الطغمة الحاكمة.

عموماً، فإن مراجعة “الأرشيفات العربية” التي تتحدث عن “أحداث 1967” بالكاد يجد فيها الباحث ما يشفي “بحثه”؛ ويشبع عطش الناس لمعرفة مزيد من تفاصيل وخفايا “هزائمنا”، وإن وجد ما يفيد فلن تخرج عن كونها معلوماتٍ “مهملة” يعني إخراجها “اعتقال الباحث”.

استدعاء التاريخ -“تاريخ الهزيمة”- ليس فقط باعتبار أن “سورية” كانت إحدى الدول التي “سقطت” في “امتحان المواجهة” مع “الصهاينة”، وليس فقط لأن “مصر” كانت شريكاً لها في “السقوط المدوي”، بل لأنّ ما يجري اليوم على أرض هاتين الدولتين يدعم ضرورة تشريح “الهزيمة” على “كرسي العلاج النفسي”؛ للتفكير وليس للتذكير، واجترار الماضي أو جلد الذات، للخروج بالعبرة من ذاك الجزء المظلم من “الهزيمة”، والعبور من زمن “النكسات والنكبات” إلى “زمن المجد والانتصارات”، نتحرك من “عمق الهزيمة”، التي ارتبطت بعقلية “اعتقلت وصادرت حريتنا” حتى في تسمية المصطلح باسمه الحقيقي، فقدمت نفسها كـ”نظامٍ معاق أو سرطان” يصعب الشفاء منه، أدى بالضرورة إلى إعاقة جميع عمليات النهوض والتغيير.

“نفسية الإنسان المهزوم” موجودة وجزء من حراكنا “الثوري اليوم”، وما نزال نرفل من “هزائم” المرات السابقة، أو “نهوّن منها”، فوقعنا بين “عقلية الهزيمة” و”عقلية الإنكار”، أو حتى “عقلية الاستنكار”، فالأول استسلم، وأما الثاني فقدم انتصاراتٍ زائفة، وبقي الأخير يؤنب الطرفين، لتكون النتيجة أنّ “هزيمة العرب” ليست “عسكرية” فحسب، بل تمثلت في استمرار العقلية ذاتها التي أنتجت “الهزيمة”، والعسكر يشكل ركن أساسي فيها، ومن ينظر اليوم لإدارة العسكر وأمراء الحرب يجد حالة “تدوير الهزيمة” مجدداً.

بينما يقفل الباب أمام شراكة لا تستقيم الأمور دونها في المعركة الثورية؛ جناحيها هما “السياسيون والعسكر”، بكل تفاصيلها وصولاً إلى حالة التفاوض الانتقالي بين الجانبين عندما تستدعي الحاجة أن يقود طرفٌ منهما “المعادلة” ليتركها فيما بعد للطرف الآخر حتى يستكمل الخروج من “عقدة الهزيمة”.

اختيار الحديث عن “العسكر” باعتبارهم الأقوى على الأرض في معادلة الحرب الدائرة في سورية، ومعظم دول الربيع العربي، وباعتبار أن قيادتهم لمرحلة تاريخية مهمة من حياة “الوطن العربي” أدت إلى “هزيمة” وحولت “الإنسان العربي” من حالة “العطاء” إلى “الانكسار أو الانتكاس”، أصبح ضرورة في مرحلة حرجة تمر بها “ثورة الشعب السوري” بوجهٍ مخصوص، وفيما يتلاعب الغرب بورقة المفاوضات وعبر دهاليز السياسة، تجد “جمود التفكير العسكري” الذي لا يعرف خياراً إلا “الحرب”، ولعل البقاء ضمن هذه الدائرة سوف يكون من نتائجه “ترسيخ الهزيمة” في “ضمير الشعب السوري” و”العربي”.

كان من جملة أخطاء حرب 67″ بحسب الدكتور “سيف الدين عبدالفتاح” في بحثٍ قدمه في مؤتمر “الجيش والسياسة” الذي نظمه المركز العربي للدراسات والأبحاث في سبتمبر/ أكتوبر الماضي في الدوحة، وجود صراع داخل الجناح العسكري، ويأتي في المقام الثاني التلاعب بالألفاظ وتقديم “الهزيمة” على أنها “مجرد نكسة”، حيث يقول: ((عقلية العسكر سارت ضمن اتجاهٍ يؤكد على وجود العسكر دولةً فوق الدولة، أو بتعبير آخر جمهورية الضباط)). في تشابهٍ واضح مع أحداث المشهد العسكري السوري اليوم.

إن الخروج من حالة “الهزيمة” والعبور إلى محطة “الانتصار” تستلزم محطات تأملية في منهجية عملنا “الثوري” الذي لا يشك أحد أنه “متوقف” أو “مشلول” حتى ضمن “ظروف الهدنة” التي يفترض أننا نعيشها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.