قراءة في نتائج جولات جنيف 3 التمهيدية

هل بإمكان هيئة المفاوضات كسب المزيد من التأييد لدى الحواضن الشعبية؟

خاص للأيام | د. محمد عادل شوك 

يرى جلُّ المتابعين لجولات جنيف 3 التمهيدية، أن المكاسب التي كانت لقوى الثورة، تفوق ما كان للنظام، على الرغم من الدعم الروسي الميداني له، و قد تمثَّلت تلك المكاسب في جوانب عدّة، من أهمّها:
لقد استطاع وفدها المفاوض أن يفرض نفسه رقمًا صعبًا في سير أعمال المؤتمر، على الرغم من الضغوط الكبيرة التي تعرض لها من قبل، و من بعد الذهاب إلى جنيف، و لعلَّ أشدها تأثيرًا حالةُ الخُذلان التي بدت واضحةً من كثير من ( أصدقاء الشعب السوري )، سواء بإكراهه على الذهاب من غير ضمانات جديّة، أو بتقليص الدعم العسكري المقدّم للفصائل المقاتلة؛ للحدّ من اندفاعة المعسكر الآخر في بعض المناطق، كمصيف سلمى، و الشيخ مسكين، و نبل و الزهراء؛ عسى أن يجعله ذلك يُليِّن من تصلُّبه في هذه الجولة من المفاوضات.
لقد أفشلت الهيئة التفاوضية مساعي دي ميستورا، و روسيا لإحداث تغيير في تركيبة الوفد الممثل لها، أو إحداث خلل فيه؛ عبر إدخال شخصيات أقرب للنظام منها للثورة، مثل رندة قسيس، و هيثم مناع، وقدري جميل، و أثبتت لهم جميعًا أنها الجهة الوحيدة المخولة بمفاوضة النظام عبر وفدها التفاوضي الذي اختارته هي بنفسها دونما إملاءات خارجية، لا بلْ أرغمتهم على القبول بوجود ممثلين عن أهم الفصائل العسكرية كـجيش الإسلام؛ فلم تترك لديمستورا أكثر من أن جعل هؤلاء مستشارين له.
لقد كان لصلابة موقف رجالات الهيئة، و الوفد التفاوضي؛ فضلاً على لباقتهم، و عِفَّة لسانهم، دورٌ كبيرٌ في إلزام وفد النظام و المجتمع الدولي على حدّ سواء، بالنظر إلى المطالب الإنسانية للسوريين، على أنها فوق التفاوض، فهي حقٌّ مشروع لهم، و قد فعلوا خيرًا عندما أصرّوا على أنّه لا تفاوض قبل وقف القصف على المدنيين، وإدخال المساعدات للمناطق المحاصرة، وإطلاق سراح المعتقلين.
لقد نجحوا بالتلويح بالانسحاب من أعمال المؤتمر، في أيّة لحظة يظهر فيها عدمُ الجدية في التعاطي مع مطالبهم، أو التراخي في الإيفاء بالتعهدات المعطاة لهم من الأمانة العامة للأمم المتحدة، و مبعوثها ديمستورا، و الدول الراعية و في مقدمتها الولايات المتحدة؛ لإدراكهم حاجة هؤلاء كلّهم إلى وجودهم في جنيف لإنجاح المساعي في حلّ للقضية السورية، أو لإدارة ملفها إلى حين نضوج مراحل الحلّ عند الممسكين به ( الأمريكان، و الروس )، إذْ لا يمكن لأيّة جهة أن تجلس في مواجهة النظام في حال انسحابهم.
لقد لقيت الهيئة التفاوضية تأييدًا شعبيًا كبيرًا، يذكرنا بالآمال التي انعقدت على المجلس الوطني في حينها، فكسرت بذلك الحاجز أو الجدار الصلب ما بين العسكري و السياسي الذي كانت عليه الحال طيلة السنوات الفائتة.
و هذا ما جعلها في موقف قوي، تستطيع من خلاله مواجهة الضغوط الدولية و الإقليمية مستقبلاً، للدفع بها للمشاركة بالمفاوضات دونما إنجازات تذكر، و هو ما تجسّد بوضوح في المؤتمر الصحفي لرئيسها رياض حجاب ( لا عودة إلى جنيف مالم نرى تطبيقًا جديًّا للفقرتين 12، و 13 ، من القرار 2254 قبل البدء بأيّة جولة تفاوضية ).
لقد استطاعوا أن يعرّوا موقف النظام، و يظهروه على حقيقته أمام الرأي العام الدولي برفضه الشروع بأيّة إجراءات لبناء الثقة، وتفضيله الخيار العسكري على غيره، مستقويًا بحلفائه من ( روسيا و إيران )؛ فبان للعالم أجمع محاولاته في المماطلة و إضاعة الوقت، للتغطية على الجرائم التي ارتكبوها، من خلال العمليات العسكرية المتصاعدة بالتزامن مع انعقاد المؤتمر في ريف حلب الشمالي على سبيل المثال.
و نتيجة لذلك ما كان من المبعوث الأممي، و الوزيرين كيري، و فابيوس، إلاَّ أن يُحمِّلوا تبعات فشل جنيف 3 قبل أن يبدأ، له و لروسيا؛ فلو كانا يريدان المشاركة فيه بنية صادقة لما تسببا في نسف جهود السلام المنتظرة منها.
و إلى أن يحين يوم 25 من الشهر الحالي، لا بُدَّ لهيئة المفاوضات من كسب المزيد من التأييد لدى الحواضن الشعبية، مستفيدة من تلك المكاسب السياسية التي تحققَّت لها، و متكئة على المواقف الإيجابية لحلفائها في ( السعودية، و تركيا، قطر )؛ تمهيدًا لمواجهة المخاطر المحدقة بالثورة، بعد نجاح الروس و الإيرانيين على قلب موازين القوى لصالح الأسد.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.