قراءة في نتائج الغزو الأمريكي على العراق

تحت ذريعة امتلاكها أسلحة دمار شامل، أسقط الغزو الأمريكي-البريطاني نظام صدام حسين، بالمقابل ماذا جنى العراقيون والعالم غير الخسائر البشرية والمشردين؟

788
الأيام السورية؛ فرات الشامي

كاد السيد الرئيس صدام حسين أن يوزع البترول والكثير من الثروات على فقراء العراق؛ لكن الحرب الأمريكية منعته، بتلك الكلمات يهمس العميد ركن “أبو رائد”، كما عرّف عن نفسه، بوصفه أيضاً موظف في الديوان الرئاسي فترة التسعينات.

العراق سقط بسقوط سيادة الرئيس صدام حسين، يجيب أحد مرافقيه، يومها كنا في ريف دمشق، على كرسيّ الحلاق.

ثمة دلالاتٌ كثيرة، يمكن استنتاجها من خلال تتبع سرد الحديث السابق، الذي أتى بعد تهجير العراقيين من بلدهم ببضعة شهور، ودخولهم الأراضي السورية. لا سيما بعد مرور 15 عاماً على ذكرى الغزو الأمريكي واحتلال العراق.

قد لا يمثِّل الكلام السابق أو يعبّر عن آراء الكثير من العراقيين، فالظلم والبطش الذي مارسه نظام “صدام حسين” على المدنيين، وعلى مدار عقود من حكمه، إضافةً للمرحلة القريبة التي سبقت الغزو الأمريكي، والتوقعات في توريث نجله كرسيّ الرئاسة، تبرر احتقان الناس، إذا ما عدنا بالذاكرة لقضية حلبجة وسياساته ضد الأكراد. لكن يبقى في إطار استشعار الشارع الخطر الأمريكي على المنطقة أو حتى الشبح المقبل قريباً.

الربط بين الديكتاتورية والدولة حالة عربية لها امتدادها الذي تأصل في ذهنية المواطن العربي، بدت واضحة من خلال المقدمة التي بدأناها.

لا يختلف مواطن عربي وآخر في كون القيادات العربية جرّت الدمار، واستقدمت الاحتلال نتيجةً لطغيانها وبسط نفوذها على الشارع بالترهيب، والممارسات الديكتاتورية، وحين جعلت من نفسها ذريعةً وممراً للأطماع، بالتوازي مع فقدها ثقة الشارع، الذي بدا بحاجةٍ إلى مخلِّص في أحسن أحواله، أو بعيداً كلياً عن المشهد. بالتالي، فإن الربط بين قيادة البعثي صدام حسين والعروبة يبقى ضرباً من المستحيل.

الغزو الأمريكي على العراق والإطاحة بنظام صدام حسين كان منعطفاً تاريخياً خطيراً في المنطقة، لمِا تمثِّله جغرافيتها من مكانة استراتيجية بالنسبة للغرب، كذلك كونها البوابة الشرقية بالنسبة للدول العربية تحديداً. ويمكِن اعتبار تلك المرحلة أيضاً، توطئة لتحولات جذرية في السياسة الأمريكية وإن كان سبقها مقدمات ومؤشرات أخرى من بينها احتلال “أفغانستان” إثر هجمات القاعدة في 11 سبتمبر 2001.

لم يكن شخص صدام حسين المستهدف من الغزو، أو المسوِّغ الوحيد لذلك، كما أنّ امتلاك العراق أسلحة دمار شامل، لم تكن إلا الذريعة التي قدمها الأمريكان للعالم لتبرير حربهم تلك.

سقوط الكثير من الأقنعة تجلى عشية التاسع عشر من آذار/مارس 2003م:

  1. الغزو الأمريكي-البريطاني كان خطوةً أولية ترمي للسيطرة على مقدرات المنطقة، ونهب خيراتها، لاسيما بعد أن باتت الولايات المتحدة القطب الأوحد في العالم إبان سقوط الاتحاد السوفييتي السابق.
  2. وإن كان تواجد تنظيم القاعدة في أفغانستان خطراً يهدد السلم العالمي-المفقود أصلاً-فإنّ العراق كان تحت سيطرة دولة علمانية بعثية، بعقلية ديكتاتورية، بالتالي سقطت شماعة الحرب على الإرهاب الذي يمثله تنظيم القاعدة، الذي روّجت له الإدارة الأمريكية بزعامة بوش الابن يومها.
  3. كما أظهر الغزو الأمريكي-البريطاني على العراق، ترهل الأمة العربية، سياسياً وعسكرياً، وكانت بطبيعة الحال مقدمة أخرى لسقوط “جامعة الدول العربية” التي لم تستطع حماية أحد طواغيتها، لأسباب كثيرة في جملتها، المصلحة في انهيار حكم “صدام حسين”؛ لا سيما من طرف جيرانه دول الخليج.
  4. الأخطر تجلى في تغلغل النفوذ الإيراني داخل العراق بحجة مقاومة “الشيطان الأمريكي”؛ تبع ذلك انزلاق العراق في وحل العنف الطائفي الذي بلغ ذروته خلال العامين 2006-2007.

المكاسب الشعبية أو الوطنية التي أنتجها الغزو الأمريكي على العراق:

بعيداً عن إحصاء عدد من سقطوا وأصيبوا، وبعيداً عن الخسائر المادية للطرفين التي قدِّرت بتريليونات الدولارات، فإنّ الأهم هو بروز مشاكل تراكمية خلفتها الحرب، واللعبة الأمريكية القذرة، التي واجهت صمت الحكومات العربية أو حتى تأييدها تبدو متجليةً بالتالي:

  1. ارتداء الدولة العراقية المعطف الطائفي في سياساتها، وارتهان سياسييها للمشروع الإيراني مذعنين.
  2. الدماء العراقية لم تجف منذ العام 2003 حتى اليوم، والتاريخ يسجل حركة الصراع الطائفي الغير مسبوقة، مع تمزق هوية البلاد، وتدمير اقتصادها، إضافةً لدمار بينتها التحتية.
  3. الغزو الأمريكي شكّل بيئةً حاضنة لظهور تنظيم الدولة “داعش”، الذي تمكّن خلال فترة قليلة من بسط نفوذه وسيطرته على مساحة واسعة من الأرض العراقية، وتمكنه أيضاً من الاستيلاء على أسلحة ومعدات الجيش دون مقاومة. ومهما تم الحديث عن الانتصار عليه يبقى ذلك في إطار الكلام النظري أو العسكري الذي أضعف تواجده من غير أن يلغي أو يحارب فكره.

صحيح أنّ الحرب الأمريكية على العراق أنهت حقبة ديكتاتور عربي، لكنها ظلت في إطار خلق الفوضى في المنطقة، وشجعت على فتح باب الفتنة الطائفية وإشعال الصراع في المنطقة، كتبرير أمريكي للبقاء فيها.

ثمة من ينادي اليوم بمحاكمة جورج بوش الابن، متناسياً ضرورة إلحاق الزعامات العربية به، باعتبارهم شهود الزور، وشركاء متواطئون في جريمة تفتيت البينة الاجتماعية العربية.

سقوط فلسطين، والعراق، واليوم سورية، حالة تراكمية لا يمكن فصلها عن إطارها التاريخي، كما لا يمكن غض الطرف عن دور القادة العرب في مآلات المستقبل.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.