قراءة في مذكرات: حليب اسود

الكاتبه: اليف شافاق
الترجمه:احمد العلي
النشر مسكيلياني-تونس
ط1. ورقيه. 2016

اليف شافاق روائية تركيه متميزة قرأنا لها قواعد العشق الاربعين ولقيطة اسطنبول. تمس القضايا الانسانيه والوجوديه عموما، وترتبط مع عمقها التركي
في هذه المذكرات نحن امام كتابه من نوع مختلف، فهي ليست رواية. وليست مذكرات بالمعنى التسجيلي لوقائع الحياة عند الكاتبه، هي اقرب للمعايشه الوجدانيه لتجربه شخصيه وعامه ايضا. انها الانوثه والامومه والحمل والانجاب.. هي جولة في حالة المرأه عموما وفي حالة اليف شافاق نفسها.. هي شهادة شفافه جدا وشامله حول المرأه وما لها وما عليها.
تبدأ اليف من قراءة نفسها والحياة المحيطه بها وخياراتها بالحياة. فهي ابنة عاشت وحيدة عند امها وجدتها لامها .. تربت في جو ديني متزمت مليئ بالوصايا والزواجر. تلمست من طفولتها طريقة محاربة الوحده بالتكلم لنفسها حكايات مخترعة دوما.. اعطتها امها بعض ما تقرأ وايضا دفاتر لتكتب.. لعلها تعالجها من خوف ان لابنتها مشكلة نفسية ما.. اليف تجد ذاتها بالقراءة والكتابة ايضا . تبحرت بالقراءة كثيرا وكانت الروايات محطتها الاحب. وعبرت عالم التصوف وتشبعت به عبر جلال الدين الرومي والتبريزي. بدأت متدينه متزمته ثم لا ادريه (من لا ادري) ثم صوفيه بالمعنى الانساني الرسالي العام كخير وعدل وقيم انسانيه. عاشت شغفها الروائي وكتبت قواعد العشق الاربعين واصبحت من خلالها من اهم الروائيات التركيات. اعتبرت اليف انها قد وجدت نفسها عبر القراءة والكتابه فهي قارئه نهمه جدا  تكاد تكون موسوعيه. وذلك يتبين من كثافة الشواهد التي تبثها عبر مذكراتها هذه. وترى انها مندورة لهذا العمل عمرها كله. في تصرفها بعض الرساليه. والبحث عن الدور في الحياة ومحاولة الخلود عبر الانتاج الروائي الخالد بعد زوال صاحبه.
اليف تتخبط امام نفسها حول موضوع المرأه ودورها في الحياة. بحثت كثيرا . فاختارت اسمها اولا واعلنته. ورفضت بداية دورها النسوي كزواج وانجاب.. واعتقدت انها عصيه على الحب واحتمال الارتباط والانجاب. واستندت لتجارب كثيره. ورؤى لكثير من الروائيات اللواتي وجدن ان دوهم النسوي كامهات وربات منزل يلغي دورهم الابداعي ككاتبات. تمر اليف في رحلة بحثها على عدد كبير من الروائيات وعبر العالم وتدرس مواقفهم من انوثتهم ونسويتهم ودورهم بالحياة. وذلك عبر تفاعل موضوع المرأه بكونها تتعرف على ذاتها وتطالب بحقوقها عبر قرن من الزمان.. في داخل اليف اصوات نسويه متعدده تتصارع فهذه الاديبه وتلك المتصوفه والعمليه والثائرة والام والانثى الباحثه عن المتعه وكلهم داخل اليف يتنازعونها. وهي تسكت هذا الصوت وتدعم ذاك.

وفي كل الاحوال تجد نفسها تتطور اول باول… سينتصر الحب عليها فتلتقي بحبها ايوب وتتعايش معه ثم تتزوج منه. وتنتصر فيها الامومه فيكون حملها الاول.. سنعيش معها رحلة الحمل ومتاعبه كاملة. وكذلك رحلة الانجاب ومتاعبه النفسيه والجسديه. سيتصارع داخلها واقع الامومه مع هاجس الروائيه والدور الذي رسمته لحياتها. لكنها في كل مرة تخرج منتصرة لانسانيتها.. فهاهي تحب وتتزوج و تنجب شهرزاد وامير اولادها . وهاهي تنجب ايضا كتاباتها التي جعلتها في قمة العطاء الفكري. الذي احست عبره بدورها واسس لخلودها مستقبلا.
في المذكرات ايقاعات مختلفة للسرد فالبعض تتحدث به عن نفسها لتكتمل صورتها امام قارئها. والبعض ابحار في عالم روائيات وروائيين كثر. لننهل معها من تجاربهم الروائيه ومواقفهم الحياتيه عموما. وفي ما يتعلق بالمرأة والامومة تحديدا .. ستتصالح اخيرا مع ذاتها عبر مصالحتها مع اصواتها الداخليه كانثى وام ومثقفه وصوفيه وثائرة وصاحبة رساله وروائيه مبدعه.
انها ترسم صورة الانسان كما يجب ان يكون وهي نموذج لذلك.
ما احوجنا كلنا ان نكون تلاميذ في مدرسة اليف شافاق.

احمد العربي

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.