قراءة في كتاب الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر

الكاتب. د عبد الاله بلقزيز.
.الناشر. مركز دراسات الوحدة العربية.
.ط1. في 2002.
.ط 4 في 2015. ورقية.

خاص بالأيام - أحمد العربي
  • عبد الإله بلقزيز مفكّر مغربي كتب في أغلب الموضوعات السياسية العربية المعاصرة، و في الفكر والفلسفة والإسلام والتاريخ، قرأنا أغلب إنتاجه، وكتبنا عن بعضه. هو كاتب مُجدّ، إنتاجه ثري، ومواكب للعصر، ويقدّم عصارة فكرية سياسية، مهمة المثقفين والمتابعين للشأن العربي في أغلب المجالات.
  • كتاب الدولة في الفكر الإسلامي المعاصر، كتاب مهم جداً  ومعاصرٌ، فهو يتحدث عن موضوع الدولة كمفهوم ومطلب طرحه التيار الإسلامي عبر أكثر من قرن.
  • يبدأ الكتاب في تناول لحظة الصدمة الحضارية، بين العرب والمسلمين مع الغرب، حيث اكتشف كثير من مفكرينا، الهوة الكبيرة بين ما نعيش في أجواء الدولة المتخلفة السلطانية المستبدة في أغلب بلادنا، سواء الخلافة العثمانية أو بعض الولايات المنفصلة عنها حديثاً مثل؛ مصر محمد علي، وتونس… الخ، و اكتشفوا التقدم العلمي، والقانون والدستور ونمط الحكم الليبرالي الغربي، المنعكس حياتيا على الغرب بتقدمهم وحياتهم الفضلى.
  • كان أغلب من تلقّى هذه الصدمة هم من المبتعثين من قبل الحكام في بلادنا للغرب، من مرافقي البعثات التي ذهبت إلى التعلم من الغرب، وتعود لتنقل معارفها ومهاراتها لبلدانها، رفاعة الطهطاوي من مصر، وخير الدين التونسي من تونس، ذهبوا محمّلين بالمنظومة الإسلامية، وعندما اطلعوا على منظومة الغرب الليبرالية: الحرية والقانون والدستور ..الخ، عادوا ليتساءلوا  عمّ ينقصنا لكي نكون كالغرب أفضل ومتقدمين، وما علاقة ذلك بإسلامنا، وكان أغلبهم قد أخذ يزاوج بين الإسلام وبين ما يطرحه الغرب الليبرالي ليؤسس للتجديد الديني، ويسلّط الضوء على الشورى كمرادف حكم الشعب والديمقراطية .. الخ.
  • وكان بالمقابل أيضاً طبقة من رجال الدين الذين وجدوا في أساليب الحكم المستبدة المتخلّفة، وفي الفهم الديني التابع للحاكم وغير المجدد، وفي تخلّف عموم المسلمين ما يستوجب المواجهة والدعوة للتجديد الديني، يقوّم الخطأ ويصحح المسار ويبني الحياة الفضلى، وكان على رأسهم جمال الدين الأفغاني الذي واجه رجال الحكم في الخلافة العثمانية وغيرها، وقدّم رؤيته التجديدية التي تتحدث عن الأخذ بوسائل الحكم الرشيد على طريقة الغرب وتجدد في أمر الدين، لتعيد دوره الإيجابي الفاعل في الحياة، وتابع على طريقه الإمام محمد عبده، الذي اجتهد في خلق مشتركات بين الإسلام ومظاهر تقدم الغرب وأسبابه، وكان لبّ دعوتهم أن علينا أن نجدد في إسلامنا ونستوعب تقدّم الغرب وأطروحاته الفكرية والسياسية، وأن نبني حياتنا مستفيدين من تجربتهم، لنبني مستقبلنا الأفضل .
  • وكان هناك أيضا من دخل عميقا في نقد البنية الاستبدادية لحكم العثمانيين وجميع حكام بلادنا، وأنّ هذه البنية وما تستند إليه من أفكار وما تنتج من ممارسات، تخلق مجتمعا من العبيد، يحكمه سلطان جائر، يقود البلاد والعباد لأسوأ من حياة القطيع، وكان رمزهم عبد الرحمن الكواكبي في كتابه طبائع الاستبداد.
  • كان كل هذا ما قبل القرن العشرين وفي أوائله، واستمر إلى أن سقطت الخلافة العثمانية،  بعد الحرب العالمية الأولى التي وضعتنا أمام حقيقتين: الأولى سقوط الخلافة الإسلامية، والثانية حضور الغرب المستعمر إلى بلادنا. وهذا شكّل ردة فعل لإعادة إحياء فكرة العودة للخلافة الضائعة، التي تطورت بعد ذلك للدعوة لدولة إسلامية، كذلك إعادة رفض ما قدمه الغرب من أفكار في الحكم الديمقراطي والدستور وسلطة القانون، وإن في ديننا ما يكفي، وأنّ حل مشاكلنا ينبع من عودتنا لديننا الإسلامي.
  • كان المجددون قد ثبّتوا حق الناس في الحكم ومواجهة الحاكم،  وأنّه مطلوب منه المشورة، وإن عليه أن يحكم وفق دستور يتوافق عليه الناس، وكان ذلك في الفكر السني الإسلامي محمد عبده والأفغاني، وفي الفكر الشيعي ممثلاً في الخميني ومطبقا له من محمد مصدق في مواجهة الشاه في إيران.
  • لكن هذا الطور المتقدم الذي يجدد بالدين ليعيد الحكم للناس وتسيير أمورهم لهم ورؤيتهم لحياتهم وفق مصالحهم، قد تم التمرد عليه عبر انقلاب الشاه على مصدق في إيران وتثبيت حكمه مع حلفاء من رجال الدين، يعملون لخلق دولة إسلامية دينية منفصلة عن الناس، وتنفذ ما تراه حسب فهمها للإسلام بأنه إرادة الله، التي ستصبح دولة الولي الفقيه على يد الخميني وحتى الآن في إيران، وتم احتجاز الأفغاني عند الخليفة العثماني حتى مات في إسطنبول، وغاب صوت محمد عبده في خليفته رشيد رضا الذي عاد للترويج للعودة لدولة إسلامية، التي يجب بناؤها مجددا.
  • في ذات الوقت أعلن تلميذ رشيد رضا حسن البنا عن تشكيله لحركة الإخوان المسلمين، والدعوة لبناء جماعة سياسية في مصر والتي ستصبح عالمية، تدعو لإعادة بناء الدولة الإسلامية، وسندخل مجددا في أسئلة العصر، من يحدد مشروعية هذه الدولة.؟، وكيف نثبت إسلاميتها.؟، وإلى أي درجة هي دين؟، وإلى أي درجة هي من صنع البشر؟، ورغم براغماتية (نظرته المصلحية) لحسن البنا فإنه لم يستطع أن يحدد ماهية دولة الإسلام المطلوبة، ووقع ضحية بنيتها المختلطة بين علنية دعوية، وسرية عسكرية، وكان هو أول ضحاياها، حيث قتله أعوان الملك المصري فاروق، ردّاً على قتل القاضي الخازندار من قبل الجهاز الخاص المسلّح لجماعة الإخوان المسلمين في أربعينيات القرن الماضي.
  • كانت أجوبة تيار التجديد الديني هي من خلال الدعوة لتمثيل التقدم الغربي وأدواته، مع مراعاة أن يكون منسجماً مع الإسلام، وأن يؤدي إلى بناء التقدم والحياة الفضلى، وانقطعت تلك اللحظة التاريخية ببروز الإخوان وغياب البنا المبكر، وصعود تيار سيد قطب، المتأثر بالفكر الإسلامي القادم من الهند والباكستان، عبر أبو الأعلى المودودي وأبو الحسن الندوي وفكرتهما المركزية: الدولة الإسلامية في مواجهة الدولة الجاهلية، وحاكمية الله في مواجهة حاكمية البشر، وإعادة تفسير كل ما نعيشه بكوننا نعيش حياة الجاهلية ولا نحكم بما أمر الله وأنّ حكم الله عندنا وفي الأرض هو المطلوب، لقد أعاد تيار الإحياء القطبي الأمور إلى مستواها العقائدي، وأعاد أسباب كل ما نعيشه لأننا لسنا مسلمين كما يجب ولا نحكم بما أنزل الله… !!.
  • وهنا بدأت هذه الأطروحة تتحول إلى حركات ومجموعات تعمل في بلادها في صدام مطلق مع دولها وأنظمتها الحاكمة، وخلقت أزمة سياسية أعطت بمستوى ما مبررا للدول أن تستبد وتقمع أكثر في مواجهة هكذا فكر، وهكذا تحركات تجد بممارسة العنف وسيلتها، فاصطدم هؤلاء مع أغلب السلطات التي وجدوا في كنفها، وكانت نتائج أعمالهم مع ردود الأنظمة المستبدة القمعية كارثية على المجتمع.
  • لكن الأهم هو أن أطروحة الدولة الإسلامية، وكذلك حاكمية الله جل وعلا، اصطدمت بسؤال بديهي من شقين: هل في الإسلام دولة دينية بمعنى تنفذ السياسة كهنوتيا كدين.؟، الجواب جاء في الفقه الشيعي على يد الخميني أن نعم هناك دولة دينية من الله للأنبياء، ثم للأئمة الملهمين من الله، ثم في فترة غيبة الإمام الثاني عشر للدعاة المحققين الشرائط: العدل والمعرفة، وهم طبقة تحكم وحكمها هو إرادة الله، لا تُساءل ولا تُراجع، وحاصل حكمها الدولة الإسلامية في إيران، التي تمارس سلطة مستبدة تقمع شعبها وتخوض حرباً على المسلمين لتنشر إمبراطورتيها الفارسية تحت دعوى بناء دولتها الإسلامية، وفي الفكر السني الإسلامي تطور طرح سيد قطب، الذي اعتبر أن الدولة والمجتمع جاهليين وأنّ أسلمة الدولة والمجتمع تتطلب حكم من ينفذ أمر الله، متجاوزا المسافة بين الديني والدنيوي ومحولا كل سلوك سياسي إلى دين، وكل مخالف لما يراه هؤلاء يعتبر خلاف مع الله، يؤدي لهدر الدم والحرب على المجتمع.نعم استند الجيل الذي جاء بعد قطب على ذلك، وأوغل في قراءته الإقصائية للغير، والمتمثلة في ذاتها الدولة الإسلامية كدولة دينية تمثل الله في الأرض. وهذه داعش النموذج العملي التي استباحت الدماء والأعراض والبلاد، وتحولت لطاعون يدمر حياتنا باسم الإسلام
  •  أما السؤال الآخر فهو ما معيار أن نقرّ بأن هذه الدولة هي إسلامية حقا…؟.
    لم تعد حياة البشر تعني التيار الإسلامي الجهادي المعاصر، ولا مقاصد الشريعة، ولا بناء الحياة الفضلى، ولا الحرية بصفتها هوية الإنسان، ولا العدالة بصفتها أساس الحياة السوية للبشر، ولا الشورى أو الديمقراطية بصفتهما آليات التفاعل الاجتماعي والحكم وبناء الحياة الاجتماعية السوية.لقد أصبحت دولة الإسلام عندهم دولة حرب على عباد الله واستباحة لهم، وحرب على العالم، والهدف الشهادة ولا نصر في الأفق، والأسوأ في ذلك ادعاؤهم أنهم صوت الله في الأرض، يتبعون أهواءهم واجتهادات متهافتة مبتسرة للإسلام، لا تقف أمام النقد والتمحيص، لكنهم يحملون السلاح ويقتلون العباد و يهدرون حياتهم باسم الله والإسلام.
  •  يتتبع المفكر بدأب وشمولية إعادة دخول التيار الإسلامي الإحيائي(الداعشي الخميني) في متاهة الأفكار المتخلفة غير الناضجة، ومجاهيل الواقع الذي يزداد سوء ويزدادون فيه غيا، ويرصد أصواتا ترفض هذا الغياب للعقل والفهم المقاصدي للإسلام، فهذا راشد الغنوشي وتيار واسع معه، يتصالح مع العصر والعلم ويعلن اصطفافه إلى جانب الإنسان والمجتمع بصفتهم المرجع في الحكم والحياة، وهم صانعو مستقبلهم وبإرادتهم، وهذا  محمد مهدي شمس الدين وغيره يرفض ولاية الفقيه، ويعتبرها مصادرة لحق الأمة بالولاية على نفسها، والادعاء بتمثيل الله، وتسيير أمورهم مدعين أنّهم صوت الله في الأرض، مع كل ما قد ينجم عنه من أخطاء وضرر.
  • مع ذلك نحن أحوج ما نكون اليوم أن نحدد مجال الدين وتخومه، ومجال السياسة وتخومها، وأن نعلن مصالحتنا المطلقة مع العلم والعصر، وأن نعتبر الجماعة الوطنية مصدر شرعية ما نريده وما نعمل له، هي الشرعية ومصدر المشروعية منها ومعها، وعبر الدستور والقانون وتعميم الحرية وخلق فرص العيش الكريم وصناعة مجتمع العدالة الإنسانية، والكل تحت القانون والمساءلة، والسلطة للشعب يعطيها لنوابه، عبر تواتر زمني، وعبر آليات تضمن المصداقية، وعدم عودة الاستبداد وتبعاته من قهر وهدر وتبعية وتخلف.
  • أخيراً؛ مطلوب تنوير ديني علمي لا يُداري ولا يُجامل، إن مساحة الحق الإنساني في الاعتقاد الديني وممارسته حق وجودي مصان، أما ما يتعلق بالسياسة وممارستها، إنّ الدين (أي دين) ليس إلا خلفية قيميّة وإنسانية يعيشها الإنسان المسيس منضبطة بقواعد العمل السياسي، في مجتمعه حسب توافقاته وإرادته، في بلاد متنوعة دينياً، وطائفياً، وعرقياً، وعريقة في اعتقاداتها، وعميقة في تاريخها. مطلوب أن تعود للمساواة الإنسانية وتعيش المواطنة فكراً وممارسة، وتمارس العمل لبناء الحياة الفضلى في مملكة الأرض، الحياة التي تحقق الحرية والعدل الاجتماعي والكرامة الإنسانية والديمقراطية.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.