قراءة في رواية_”لمار”_ للكاتبة : ابتسام التريسي

1٬426

خاص للأيام | قراءة : أحمد العربي

.ابتسام التريسي روائيه سوريه نستطيع تسمتها راوية الثورة السوريه واحدى اهم اصوات الحريه في المجال الادبي في سوريا . ما قبل الثورة وفيها ايضا.. كتبت في صميم الثورة مدن اليمام . وها هي روايتها الثانيه لمار.. تضع بصمتها باقتدار مؤرخة -روائيا – للعائلة الحاكمه. كاشفة المستور وفاضحة اهل الحكم الاستبدادي القاتل في سوريا .. انصافا للانسان السوري عموما ومنتصرة للثورة ايضا..

.تبدأ الرواية متتبعة سليمان -في ثلاثينيات القرن العشرين- الهارب بعائلته.. زوجته وابنته من ثأر يلاحقه كقاتل مأجور في تركيا . واصلا الى جبال اللاذقيه ملتجئا لاحدى بيوت الحسنة فيها يعيش على هامشها. في القرية ينظر للغريب بارتياب ويتم التعامل معه بحذر.

يعيش في ارض تابعة لعائلة اقطاعي مات الاب والابن الاصغر وبقيت الام وحيدة مع خادمتها والابن الاكبر هاجر تاركا الام للحسرة.
.سليمان رجل قاس كتوم لا يشارك احدا ما في نفسه. خطف زوجته من اهلها وتزوجها. دمه ودمها مطلوب من عائلتها. يعامل زوجته بازدراء وقسوة. انجبت له ابنته الاولى لمار.. وهي حامل من جديد. هددها ان لم تأتي بالولد الذكر له سيقتلها..

سليمان بدأ يدخل في تلافيف القرية والحياة ويتقرب من صاحبة البيت الكبير سليلة الاقطاع(اسما). ومحاولا صناعة زعامة ما. دعمها استقباله للفرنسيين المحتلين وخلق جو من الراحة لهم عبر السكر واستدعاء النوريات (القرباط) للترفيه والدعارة ايضا..

سليمان كان احد الوجوة التي وقعت على طلب تشكيل دولة العلويين في الساحل السوري ايام الاستعمار الفرنسي. التي بقيت لفترة زمنيه ولم تنجح.. لمار ابنة سليمان وريثة جدتها الفارسيه تكبر وتتزوج مرتين ولاتنجب. تطلق.. تعود لبيت والدها لترعى اخاها الصغير علي.. علي الذي كان امل والده بصناعة مجد ما له.. علي الذي تتبناه المرأة الاقطاعية (اسما) وتعلمه وتعوض به عن فقدانها لابنها ..

علي ترعاه لمار ايضا .. ويكبر علي ويتزوج وينجب ويكون له اولاد عده واهمهم صخر الذي كان تحت رعاية عمته لمار.. صخر سيحب شفق حفيدة اسما العائدة مع والدها من غربتهم. ولكنها ستزدريه وسيعامل سليمان واولاده بصفتهم خدمهم ..

ستوجه لمار نظر صخر الى ضرورة البحث عن السلطه والقوة وهي التي ستولد الغنى.. ويكون الطريق عبر الالتحاق بالجيش في سوريا المتحررة حديثا من الاستعمار الفرنسي. سيلتحق صخر بالجيش ويكون منتسبا لحزب سري يعمل للوصول للسلطه (البعث) .. سيتزوج من ابنة قريته الموسرة (اسينه) التي تخلى عنها حبيبها بعد علاقة جنسيه يخاف اهلها ان تفتضح.. وسيأخذها للمدينه ويعيشا سوية. هو في الجيش طيار عسكري طموح.. لمار تلقنه الاصرار على الهدف وزوجته تتقبل حياته وانها ستكون زوجة رجل مهم في يوم ما.. لكن صخر يسرح من الجيش في ظروف سوريا التي مرت في الوحدة السوريه المصريه. ونقله لمصر مع عسكريين آخرين.

وسقوط الوحدة وعودته موظفا عاديا ايام الانفصال.. هنا يعود الحبيب السابق لاسينه (غيث) الضابط في الجيش للظهور في حياتها ودورة في اعادة زوجها للجيش بعد استلام البعث للحكم . كما عادت علاقة اسينه بغيث مفتوحه وحتى جسديا.. بعودة صخر للجيش وبالتوافق مع غيث يبدأ بالتغلغل في الجيش والهيمنه عليه.. ويصل صخر لمنصب وزير الدفاع.. سيتعرف صخر على (امين ثابت) البعثي الثري. ويتم الاتفاق بينهم على ايصال صخر للسلطه شرط ضمان مصلحة (اسرائيل) .. فأمين ثابت جاسوس اسرائيلي. سيكتشف بعد فترة ويقتل سريعا قبل كشف حقيقة صخر ومن حوله.. ستأتي حرب 1967 . وسيقدم صخر كوزير دفاع اول دفعات الولاء ل(اسرائيل) عبر الانسحاب من الجولان وتسليمها لهم.. ستمر الهزيمه ولا محاسبة. وسيختلف صخر مع مغيث في تسيير امور الحكم خاصة بعد التدخل السوري في الاردن ايام ضرب الثورة الفلسطينيه هناك في 1970. وسيعتقل مغيث مع الرئيس الاتاسي واغلب القاده السياسيين وسيودعون في سجن المزة حتى الموت. لصخر اسبابه في الانتقام من مغيث الذي سيعرف بعلاقته بزوحته وخيانتها له وشكه بنسبة ولده الثالث الذي سيكون رئيس البلاد القادم.. في 1970 سيسطر صخر على السلطه بالمطلق. وسيكون مساعده بذلك رجله وتابعه الجنرال.

سيعطي لاخاه صلاحيات بناء قوة عسكريه خاصة .. سيواجه صخر كل المتغيرات ويواجه كل العواصف المحيطه به.. في الثمانينات ومحاولة اخوة أخذ السلطه منه ايام مرضه. وقدرته على عزل اخيه واخراجه من سوريا. سينجب ابنته البكر شبيهة عمتها لمار . وابنه مجيب الذي سيجهزة ليكون وريثه في الحكم. سيشركه في كل شيئ ويسلمه كل ملفات البلد. ويرسل ابنه الثالث لدراسة الطب في بريطانيا. الابن الذي يعي انه منبوذ من والده ولا يعلم لماذا.. سيموت ابنه مجيب في حادث سيارة يعتقد انه مفتعل.. وسيجهز الابن الثالث زياد ليكون الرئيس القادم لسوريا.. في سنوات محدوده سيعلم كل فنون السياسه والحكم ويقدم لكل حلفاء صخر .. سيأتي يوم يموت فيه صخر القائد الذي اعتقد انه سيعيش الى الابد. الذي هدر انسانيته اولا ثم هدر انسانية شعب كامل.. واستلم الحكم بعده ابنه (زياد ابن ابيه) . الذي سيؤسس لدولة رعب نعيش اليوم حصادة من خلال دماء الشعب المهدورة ودمار البلاد..
.للرواية مسار آخر.. انه المعتقل في 2013. بعد سنتين من الثورة .

حيث يلتقي يونس والاستاذ ..يونس الكاتب الذي تورط وكتب رواية تؤرخ للاسرة الحاكمة. يونس الشاب ابن المعتقل السياسي من الثمانينات والذي مات في السجن. يونس الذي كان رفيق امه لزيارات والده التي تركت في عقله وقلبه الغصه. سيتلقفه الجنرال ويطلب منه كتابة سيرة القائد. وستنسب لكاتب اجنبي مغمور يتحدث عن عظمة القائد.. يونس في المعتقل يعرف انه اعتقل ليقتل.. طلب من الاستاذ ان يسمع منه بين وجبة تحقيق واخرى جزء من روايته. وأمنه ان يكتبها عن لسانه وينشرها لعل روحه ترتاح من ظلم وقهر وموت فظيع سيصيبه.. سنرى كل انواع التعذيب الوحشي بالشبح والدولاب وبساط الريح والقتل بالمثقب وكل ما لا يخطر على بال بشر. سيكمل يونس سرد روايته وسيقتل بالمثقب في رأسه وقلبه. .. وسيخرج الاستاذ من السجن لينشر الروايه.

وليعود الى جبل الزاويه ويلتقي بالثوار طلابه وابناء قريته. سيكتشف اميتهم السياسيه والعسكريه. ويكتشف انهم بحاجه لعقلنة الثورة وتنويرها ووضع الانسان المناسب في المكان المناسب . وان جزء من مشكلة الثورة في داعميها. سيكون واحدا من الثوار ومعهم ويعمل لتصحيح المسار والعمل للانتصار..

هنا تنتهي الرواية..

.اما عن قراءتها.. فالرواية تحتاج لسبر عميق. فهي تأريخ لعائلة الحكم بطريقة ادبيه. تغيير الاسماء لا يغطي الحقائق. فصخر والجنرال ومغيث ومجيب وزياد معروفون كلهم ومن هم كاشخاص حقيقيين. تكشف المعتقدات العميقه لهم كعائله وطائفه من خلال رواتها النساء اللواتي يتحكمن بالمسار وبعلمهن للتاريخ السري للعائله الحاكمه. الرواية لا تلقي الضوء المطلوب على دور الحاكم بادماج الطائفه العلويه في السلطه وخاصة الجيش والامن وكل مفاصل الدوله. وجعلهم كلهم ادوات سلطته والمنتفعين منها ايضا.

وهذا ما يفسر الارتباط المصيري بين العائلة والنظام والعائله .. الرواية تفضح النظام وهو اصبح مفضوحا باعماله التي قتلت مئات الالاف وشردت الملايين ودمرت اغلب البلاد. واستحضرت كل احتلالات الدنيا. واعادت سوريا الى الخلف عقودا كثيرة. وما زالت سوريا في عين العاصفه ولا بوادر بحلول قريبه..

.الثورة مستمره. واسبابها المشروعة ما زالت قائمه: مظلومية طالت كل شيئ في حياة الناس. اضيف اليها مئات الاف الشهداء والاحتلالات ودعوات التقسيم و ما زال الشعب السوري. يناضل لتحقيق الحرية والكرامة الانسانيه والعدل الاجتماعي وبناء الدولة الديمقراطيه والحياة الافضل.. كل ذلك بعد اسقاط النظام ومحاسبته..

.الكاتبه :ابتسام التريسي…
.اصدار: مكتبة الدار العربيه للكتاب…
.ط1. ورقيه .2015…
25.10.2015…

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.