قراءة في رواية: مصائر

(كونشرتو الهولوكوست والنكبة)

856
قراءة: أحمد العربي

الكاتب. ربعي المدهون.

مصائر؛ رواية ربعي المدهون. فازت بالمرتبة الأولى للرواية العربية، البوكر، عن عام 2016، وهي تستحق.

الرواية تتحدث عن شبكة من الشخصيات والعلاقات، تجمعهم فلسطين المكان، وفلسطين الحياة المشتركة عبر عشرات السنين، منذ ما قبل نكبة احتلال فلسطين 1948، وإنشاء الكيان الصهيوني (إسرائيل) فيها.

تبدأ الرواية من عودة وليد دهمان وزوجته جولي من بريطانيا إلى فلسطين (إسرائيل)، من أجل تنفيذ وصية إيفانا أم جولي بوضع جزء من رماد جسدها المحروق، في بيت أهلها في عكا الذي هربوا منه وتركوه في عام 1948، عام النكبة، أو في القدس.

إيفانا الفلسطينية الأرمنية، أحبت ضابطاً إنجليزياً أيام احتلالهم لفلسطين، وتزوجت منه دون موافقة الأهل، ورفض جماعي من بيئتها الاجتماعية، غادرت معه إلى معسكر الإنكليز، ثم غادرت فلسطين إلى  بريطانيا، بعد خروج المحتل منها، أما والديها فقد هربا إلى لبنان واستقرا بها، وأصرا على قطيعتهم مع ابنتهم الوحيدة حتى مماتهم. إيفانا جمعت ابنتها وزوجها وليد الفلسطيني اللاجئ إلى غزة الذي تقاذفته ظروف الحياة ليصل إلى بريطانيا، ويتعرف على جولي ابنة إيفانا، يتحابان ويتزوجان، تجمعهما وتوصيهما بأن تحرق بعد موتها وينثر جزء من رماد جسدها في مدينتها لندن، والجزء الآخر يعودون به لفلسطين لبيتهم في عكا إن أمكن، فهي وبعد ستة عقود مازالت تحن لفلسطين، لمدينتها، لبيتها، لأهلها، لطفولتها، لكل شيء، وتريد أن تعيد بعض هذا الجسد ولو رماداً ليسكن وطناً ضاع منها إلى غير رجعة.

وليد دهمان من بلدة المجدل عسقلان في فلسطين 1948، البلدة التي هرب منها أهلها بعد أن صاروا ضحايا الخوف من مجازر الصهاينة، وكانت مجزرة دير ياسين نموذجاً. هربوا إلى غزة، والآخرين توزعوا في كل بلاد العرب المجاورة.

وليد وجولي سيلتقيان بأصدقائهم من الفلسطينيين الذين لم يخرجوا وقتها واستمروا مواطنين (إسرائيليين) في وطنهم الذي صار دولة اليهود، سيلتقي بجنين دهمان التي تكتب رواية تحكي بها عن والدها محمود الملقب (باقي هناك)، والتي تتحدث عن والدها الذي خرج مع أهله من بلده وتزوج بقريبته في غزة، لكنه لم يحتمل وعاد إلى بلده عكا، وترك زوجته وابنته هناك، وتزوج مجدداً وأنجب ابنة فلسطين وابنته جنين، واستمر يناضل كفلسطيني (إسرائيلي)، محاولاً أن يسترد بعض الحقوق بكونه صاحب الأرض الأصلي، كعربي يعامل كمواطن درجة ثانية؛ في دولة اليهود العنصرية. سيشكل مع نخبة من الفلسطينيين امتداداً قسرياً للوجود العربي في قلب الكيان الصهيوني، كإميل حبيبي، وسميح القاسم، ومحمود درويش-قبل أن يغادر-وغيرهم كثير.

سنتابع حياة العرب المتبقين والعنصرية المفروضة عليهم، والصعوبات والعقبات التي توضع أمامهم، وستروي حياة اليهود المجمعين من بلاد الدنيا ليأخذوا فلسطين ويحولوها إلى وطن لهم.

Steve Job

سنتعرف على جارتهم اليهودية الألمانية التي نجت من المحرقة النازية وجاءت لفلسطين تعوض عن اضطهادهم باضطهاد الفلسطينيين وتشريدهم وقتلهم، ستسرد جنين مواظبة والدها على أعمال يرى من خلالها إمكانية استرداد حقوق ذهبت دون رجعة؛ الوطن فلسطين، والدولة، والمواطنة، والحقوق الإنسانية كاملة، المحرومون منها.

جنين تعيش مع زوجها باسم الفلسطيني اللاجئ التي الذي استقرت حياته في أمريكا، وكيف أحبا بعضهما عبر وسائل التواصل الاجتماعي في النت، وكيف عاد لفلسطين كمواطن أمريكي وليتزوجا، وليحصل على إقامة بصعوبة، ويحرم من حق العمل، وتتحول حياته شبه جحيم. جنين لا تغادر عكا إلا إلى القبر، وهو مضطر للعمل، واليهود لا يعطونه إذن العمل في (إسرائيل)، لذلك يغادر للقدس للعمل؛ لكونها أرض قد تكون من دولة فلسطين مستقبلاً، ويلتقيان كعاشقين وليسا كزوجين بالتناوب تارة في القدس وأخرى في عكا. وفي روايتها التي تكتبها، يعود باسم لأمريكا بعد أن يأس من إمكانية العمل والعيش، حيث دولة الصهاينة لا تريد للفلسطيني أن يعود وينغرس في وطنه مجدداً، حتى لو جاء بجنسية أمريكية.

وليد وجولي برفقة أصدقائهم جنين وجميل وسليمان وغيرهم كثر، سيعودون، تحاوروا وجدانياً مع الوطن المفقود، سيذهب وليد وجولي إلى مجدل عسقلان ويرون تحولها إلى أطلال، وسيطرة اليهود عليها، أخذوا الأرض وبعض الذاكرة، وبقي حرقة الوجدان. سيذهبون إلى عكا ويافا وغيرها من المدن الفلسطينية، سيكتشف أن البعد عن الوطن يحوله لجمرة دائمة الاتقاد في النفس والوجدان، ويخلق الحرقة والحنين الذي يتحول لهاجس يسكننا كما كنا نسكن الوطن.

يزورون القدس وأسواقها وأسوارها، وقبة الصخرة وبيت لحم وكنيسة القيامة، سيجدون أن التاريخ حاضر وأن مرور عشرات السنين على الاحتلال، وتكاثر المستوطنات، وطمس معالم التاريخ والتهويد؛ لن يستطيع أن يلغي حقيقة الوجود الواقعي: فلسطين، الأرض والشعب والتاريخ، ولا حتى الوجود النفسي للانتماء والحنين للعودة، ولا الوجود الفلسطيني نفسه، داخل فلسطين وخارجها. سيتحدث عن العودة والعمل لذلك، كل بقدر إمكانياته.

ستصطدم جولي بمغتصبي بيت أهلها اليهود، ويطردونها بعد أن يرفضوا الاحتفاظ برماد والدتها بالبيت، ويحطموا الإناء الذي يحويه، ناثرين رماد أمها في سماء عكا، وستجد وزوجها بعض أصدقائهما المقدسيين الذين يرحبون برماد الوالدة والتحفة الفنية الموضوعة فيه، ويضعونه في صدر بيتهم، في رسالة رمزية أن الوطن وناسه ما زالوا امتدادنا في البلاد كفلسطينيين، مهما تبعثرنا في العالم ومهما تقادم الزمن. ستتجول الرواية في الذاكرة الفردية والجماعية لفلسطينيّ اللجوء وتشردهم وتبعثرهم في أقطاب الأرض، وتكيفهم وقدرتهم على العيش مجدداً، وتحول أنظارهم إلى فلسطين كقبلة الصلاة، وهاجس العودة كقدر لا بد منه.

تنتهي الرواية حيث وليد وجولي يغادران إلى بريطانيا مجدداً، ولكن مسكونين بهاجس العودة للسكن في قلب القلب لفلسطين، عكا، يفكران بذلك ويقرران أنهما سيناقشان ذلك ويقرران المناسب. نهاية مفتوحة بين حنين لوطن، وإمكانية العودة الواقعية له.

الرواية تعيد تخليد القضية الفلسطينية بصفتها أرضاً وشعباً، حقوقاً يجب أن تستعاد، وبلسان حال كل فلسطيني، وباعتبارها قضيته الشخصية أينما كان، وأن الزمن لا يميت المشاعر والحقوق، بل يحولها إلى قضية وهاجس وهوية أيضاً.

ولا بد أن نذكر أن الحكاية الفلسطينية أصبحت نموذجاً لحكاية العربي المشرد واللاجئ، وفي محنة اغتيال الإنسان العربي، مع اغتيال حقه في الحرية والكرامة والعدالة والدولة الديمقراطية في سوريا والعراق وليبيا ومصر واليمن…الخ. لقد أصبحنا أمة مشردة، وأصبح الوطن الحر والمواطن الحر حلماً نعيشه، وعملاً ننجزه دوماً، وأن الفلسطيني حاضر في وجدان كل عربي كقدر لا بد منه.

 

نشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر.ط2.ورقية. 2015.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.