قراءة في رواية: كما ينبغي لنهر..

بقلم : أحمد العربي

قراءة في رواية: كما ينبغي لنهر..
.الكاتبه منهل السراج..

.الرواية عن سوريا واحدى محنها في القرن العشرين. سوريا ومدينة حماه وما حصل بها في احداث الثمانينات..من قتل وتدمير فعله النظام بمواجهة كل الناس على انهم اخوان مسلمين .
.الرواية لا تصرح مطلقا وهنا ميزتها وامتيازها. لكنها في كل جملة تعيد كتابة تاريخ الوجع ورفض الظلم وانتظار استرداد الحقوق..
.تبدأ الرواية من فطمة بطلة الرواية ومرتكزها. فطمه المرأه الساكنة في مدينه يقسمها النهر الى قسمين.(حماه والعاصي). تسكن في البيت الكبير للعائله وحيده تستمر بممارسة حياتها مستحضرة اهل البيت .الجد والجده والاعمام والوالد والاخوة .الكل اطفالا ونساء ..تتذكر يوم الجمعة الذي لن تنساه حيث حضر رجال ابو شامه (النظام) . وهاجموا المدينة واخذوا رجالها البعض قتلوا مباشرة. والبعض اخذوهم معتقلين. ومنهم الاطفال واحدهم اخاها الصغير احمد الذي بال على ملابسه من الخوف لكنهم اخذوة..
.فطمه تعيش بالبيت تعيد احياءة بكل طاقتها. الاشجار والاحواض والغرف وتمارس حياتها على ان الغائبين سيعودوا يوما . تعيش حياتها متذكرة طفولتها الشقيه. واول نضجها وتحجبها وصلاتها. متذكرة جدتها التي تخطط لكل اهل البيت وترعاهم وتخطوا معهم الى ايامهم القادمه. تختزن حكمة الدهر وتعلم الممارسة الافضل وتصنع اللحمة الرابطة بين افراد العائلة جميعا.. من كبر ووجب تزويجه من الذكور والاناث. ومن وجب تشغيله وتعليمه. انها سماء اخرى تظل الجميع بحبها وحنانها ودرايتها.. تتذكر الاعمام عمها نذير. (كرمز عن الاخوان المسلمين ومجلتهم النذير). الذي كان متميزا ومدللا عند الجده وبداية خلافه مع ابو شامه (النظام). وبقية الاعمام ووالدها ومحله في سوق المدينه.. تتذكر كيف اختلف نذير وابو شامه . وكيف كان اهلها واهل ابو شامه متعايشين .لكن هناك احتقان مضمر بينهم. تحدى نذير ابو شامه وحاربه. وكان رد ابو شامه قتل اغلب الرجال واعتقال من تبقى.. وتدمير اغلب المدينه. كضفتها الاخرى التي دمرت وزرع مكانها بناء للخلية الذكية (مركز اتصالات). تتعايش فطمه مع تبعيات الصراع بين نذير وابو شامه . نذير الذي هرب وترك المدينة واهلها لقدرهم الاسود . وابو شامه الذي حول نفسه لإله يعبد في المدينة والبلاد كلها. المدينة التي استكانت ومارست نفاقا مرا. وتركت ما بالقلب في القلب..
.فطمه تتذكر طفولتها في حضن البيت الكبير وذهابها للمدرسه ورعاية جدتها وبيأتها الملتزمه دينيا. وبداية صلاتها ونضجها وتحولها لفتاة تبحث عمن تحب خجلا. ومن ثم حبها لاحدهم من جماعة ابو شامه ولقاءهما خلسة على الدرج بين الضفتين. اول لمسه واول قبله خلسه.. حب يعمر القلب والروح.. تتذكر انه قتل امامها على الدرج اثناء الصراع بين نذير ورجال ابو شامه. تعيش عزاءها الخاص ولكنها لا بد ان تتزوج. رغم ان حبيبها لم يذهب من خيالها. تزوجت بتدبير جدتها لكنها لم تنسجم مع الزوج وعائلته. وحملت وولدت طفلا للموت .. وعندها تطلقت وعادت للبيت الكبير واعتبرت نفسها امرأة دون رجل..
.فطمه تعيش على ذكرى من قتلوا ومن اعتقلوا وامل عودتهم ومثلها كثير من اهل المدينه. ما زال حولها بعض من بقايا من سلم ايام احداث الجمعة السوداء تلك. تتذكر كيف دخلوا البيت وقتلوا واعتقلوا وكيف عاد أعمامها بمعجزة. وكيف اصيبت جدتها بالخرس وتحملت فجيعتها سنة وماتت . وعن اختها التي تزوجت . وابنتها لميس التي ربتها بيديها. والتي نشأت نبتة انسانية لم تعش اوجاع المدينة .وكانت خالتها تسربها لها اول باول . ولميس تصنع نفسها ترى ان مستقبلها بالهجره.. لفطمه اخوة يزورونها بشكل دوري. ويرونها الثابت الوحيد من ماضيهم الذي يحاولون ان ينسوة. تعتني بالبيت والاشجار. الداليه والنخله و الورود. تتعايش مع الجرذ الذي دخل لحياتها عنوة كابو شامه. تلتقي بابو محمد آخر المثقفين من المرحلة الماضيه . ويستأمنها على كتبه وانتاجه ويموت دون ان تراه . وفارس الرسام الذي تحول لنحات لشواهد قبور او واجهات الابنيه. بعد ان طعنت رسومه بحراب رجال ابو شامه. وليؤمن لقمة عيشه وعيش اولاده. وغيرهم.. كلهم ذاكرة المدينة التي تؤفض ان تنقرض..
.فطمة تستمر بحياتها اليوميه. ترعى لميا المجنونه التي لم تكن مجنونه. والتي حملت مخدتها بدل ابنها في الجمعة السوداء. وعبرت النهر وابنتها بجوارها. وعندما ادركت انها تركت ابنها وحملت مخدتها القت بابنتها في الماء بدل المخده وغرقت الطفله وجنت لميا. وصارت من ذاكرة المدينة شاهد على الذي حدث .فطمه ترعى مؤذن الجامع.. فطمه تواجه كل من تراه وتسأله . لماذا سكتم عن من اخذوهم . والكل يتهرب خوفا من الاسوأ . فطمه تراقب تقبل الناس لذلهم وقبولهم لتعويضات رمزيه عن بيوتهم التي هدمت او ممتلكاتهم التي ضاعت او نهبت في الجمعة السوداء. ويصمتون عن قتلاهم ومعتقليهم. فطمه ترقب دائما عودة اخيها احمد والمختطفين ولا تيأس.. فطمة في يقظتها تفكر بما حصل دوما. وفي نومها ترى ما حصل ككوابيس.. كيف قتل الناس وكيف جمعت الجثث وكيف طمرت بالجرافات.. والنهر شاهد … ويعود احمد بعد سنين طويله شاكرا ربه على نعمة حياة مستحيلة حصلها.. راويا لنفسه فقط ما عاش من ذل وتعذيب وموت يومي ان لم يكن بجسده فبجسد من كان معه في المعتقل.. عاد مستلب الانسانيه وتزوج وغادر البيت وتحول لحكاية منسيه..
.فطمه تكتشف انها مريضه. تذهب للطبيب يؤكد لها انها مصابة بالمرض الخبيث.. تتعايش معه تتخيله كالجرذ يتمدد على حياتها .كابو شامه يتمدد في المدينة والبلد كلها.. تطلب من فارس ان ينحت لها شاهدة قبرها .فارس الذي احبها بصمت واعتبرها رمز المدينة التي لاتنسى. والحب الذي لايموت. سيحتل المرض جسدها اول باول . وستتنازل عن اولوياتها اليوميه .فنجان قهوتها والعناية بحديقة البيت الكبير. ورعاية لميا والمؤذن . وتنتظار القصاص العادل.. .وسترفض ان يرعاها احد او تذهب الى بيت احد من اهلها. وتنتظر الموت ينهي حياتها. وتحسه مرضا خبيثا ينهيها كما انها ابو شامه حياة المدينة و البلد..
.فطمه وهي على فراش الموت تتأمل يوما تروى فيه الحكاية كاملة. وتستعاد الاجساد والوجوه والبشر المغيبين هتاك بجانب النهر. ينتظرون ان تسترد لهم حياتهم من خلال العدل الذي يرد الحقوق ويعاقب المجرم القاتل.
.هنا تنتهي الروايه..
.لكنها لاتنتهي كقراءة..
.هذه الرواية الاولى التي اقرأها تتحدث عن جريمة اصابت سوربا كلها وخاصة مدينة حماه بذاكرة الانسان الذي عاش المأساة واستمر العيش بعدها يلوك يوميا الحدث كالعلقم. وينتظر لحظة القصاص.. رواية فيها التاريخ المتجسد باستمراريه البشر في المدينة وفي العائلة والبيت الكبير وحق العيش وحق استرداد الحقوق ورد المظالم.. رواية تدين ابو شامه (النظام). وتدين نذير ( الاخوان المسلمين). لكنها تضع وصمة عارها على النظام المستبد الدموي .وتعتبره اساس كل ماحصل في مدينتها والبلد كله..
.الرواية تؤكد ان جمر الظلم يختبئ تحت رماد الخنوع. ليعطي ثورة ستحصل عربيا وسوريا بعد اصدار الرواية باربع سنوات.. انها رواية النبوأة التي كانت تنتظرها الرواية بعد مئة عام..
.لن يستسلم شعب مظلوم للابد كما ان لا ظلم للابد .حضرت الثورة للحق والحرية والعدل والحياة الافضل…

.نشر الدارالعربيه للعلوم ناشرون.
.مكتبة مدبولي..
.منشورات الاختلاف.
.ط1.عام 2007.. ورقيه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.