قراءة في رواية: عسكري بلا جبهة

رواية تقريرية توثيقية لا حصّة للخيال فيها

الكاتب: مرعي أبو أحمد.

قراءة: أحمد العربي

الناشر: اي – كتب لندن/ طبعة إلكترونية – ٢٠١٦م

عسكري بلا جبهة؛ رواية أقرب للمذكرات وللشهادة الذاتية الشخصية عن تجربة الخدمة العسكرية الإلزامية التي يخوضها كل شاب سوري بعد سن الثامنة عشر من عمره.

تعتمد الرواية لغة السرد الذاتي بلغة المتكلم، مرعي يتحدث بها عن نفسه وعن تجربته الشخصية. يتحدث دون استفاضة عن كون سوريا دولة مواجهة مع العدو (إسرائيل)، وكونه يحتل أراضٍ سوريّة هي الجولان، وإنّ النظام السوري اعتمد الخدمة الإلزاميّة لكل شاب سوري، ذلك أنّها دولة مواجهة مع العدو، ويجب أن تكون دائما على أهبة الاستعداد للمواجهة والحرب. زمن الرواية في ٢٠٠٣م، أيام الاحتلال الأمريكي للعراق، لم يمرّ الكاتب على حقيقة الحروب العربية والسوريّة السابقة مع العدو الصهيوني، وإنّا هزمنا في حرب ١٩٤٨م و ١٩٦٧م و في ١٩٧٣م، رغم ادعاء النظام السوري أنّه انتصر في الحرب الأخيرة، نعم استعاد القنيطرة وبعض ما احتلته (إسرائيل) في تلك الحرب، والتزم منذ ١٩٧٤م باتفاقه مع كيسنجر وزير خارجية أمريكا على معاهدة عدم الاعتداء المتبادل التي جعلت جبهة الجولان ساكنة مدة خمسة عقود حتى الآن، واليوم ٢٦/٣/٢٠١٩ يقرر ترامب رئيس أمريكا؛ إنّ الجولان جزء من (إسرائيل) وضُمت لها.

يمرّ مرعي على كون الطفل السوري يتجهّز نفسياً وجسدياً لأن يكون جنديا في المستقبل، فأولها اعتباره جزء من طلائع البعث في المرحلة الابتدائية، وبعد ذلك وجود مادة التدريب العسكري التي تبدأ من الصف العاشر إلى البكالوريا، أساسها تدريب على الطاعة والسلاح وتبجيل السلطة، تحمّل الكثير من الإذلال وزراعة الخنوع في نفسية الشاب السوري في بدايات نشأته وتفكيره بمستقبله.

كما يذكر مرعي أنّ التدريب الجامعي سواء بدروس دورية وتدريبات أو بالمعسكر الصيفي أنّه إجباري ولا مفر منه. يتحدث مرعي بلسان حال كل الشباب السوري، أنّ الجيش من خلال فترته الممتدة لثلاث سنوات ثم لسنتين ونصف بعد ذلك، هي فترة ميتة من حياة الشاب السوري، فلا حرب مع العدو تبرر هذا الجيش الإلزامي، وهي فترة ضياع للوقت والجهد والتكاليف على الدولة والشباب السوري.

كان أمام مرعي وغيره من الشباب الالتحاق بالجيش مباشرة بعد وصوله للسن المناسبة إن لم يكن طالبا يتابع دراسته الجامعية، أو يؤجل ليحصل على فرصة سفر لسنوات يكوّن بها نفسه، ويعود بعد ذلك ليخدم الجيش، وقد ضمن مستقبله وحياته نسبيا.

مرعي تخرّج من المعهد الفندقي، مازال أمامه عدة أشهر ليذهب إلى الجيش، قدّم طلب استعجال على مبدأ؛ شرٌّ لا بد منه، لينتهي منه بسرعة. مرعي من مدينة تدمر المحمّلة بتاريخها العريق بحكاية زنوبيا والآثار الحضارية وسجنها العريق بكل فظاعاته وعاره في عهد النظام السوري الحالي الأب والابن.

عسكري بلا جبهة؛ رواية أقرب للمذكرات وللشهادة الذاتية الشخصية عن تجربة الخدمة العسكرية الإلزامية التي يخوضها كل شاب سوري بعد سن الثامنة عشر من عمره.

والد مرعي معلم لغة عربية عريق. يلتحق مرعي بتجمّع الجنود القادمين من كل أنحاء سوريا في مدينة النبك السورية، حيث يؤخذ من هذا المركز من يختاره الحرس الجمهوري والوحدات الخاصة، وهما أهم القوى العسكرية التي يقع على عاتقها حفظ النظام الحاكم والسلطة السورية.

كان نصيب مرعي أن يفرز إلى المدرسة الطبية، رغم اختلاف اختصاصه عن الطب، يتحدث مرعي مسهبا عن المعاملة العسكرية في دورة الأغرار الممتدة أشهر، الدورة التي تعني تعلّم العسكري على الطاعة والجلد والصبر والتحمل، لكنها في واقع الحال، هي مرحلة إذلال وترويض على كسر النفس وزرع كل شروط الخنوع والطاعة. يقوم بالتدريب صف ضباط أو ضباط متطوعون، مسكونون في عقد تفوق أو نقص، يحولون العسكري إلى مجرد دمية يتلهون بها، العسكري ليس أمامه إلا الطاعة والامتثال.

استغرق مرعي وقتا ليثبت فرزه، فهو تارة في المدرسة الطبية في حرستا، وتارة في مدرسة المحاسبة في مصياف أو منتقلا إلى كلية المحاسبة في حلب، وفي كل المراحل هو وزملاؤه ضحية معاملة قاسية وإذلال، لا فائدة حقيقية من هذه المعاملة، يأخذ بعض دروس الاختصاص بما فرز له كمحاسبة. بعد مضي ستة أشهر وانتهاء دورة الأغرار في المحاسبة، يفرز إلى نادي الضباط في حلب.

كان هذا الفرز نتيجة واسطة والد صديقه، طبعا الوساطات تعني تدخل رجل سلطة أو عبر دفع المال. الجيش هو عبارة عن مصدر مال لكل متنفّذ به، وكلٌّ حسب مركزه وقدرته وخدماته التي يقدّمها للعسكر وذويهم. لم يكن مرعي سعيدا بالفرز إلى نادي الضباط، كان العقيد المسؤول غولاً يأكل كل شيء ومعاملته سيئة، سرعان ما سيعامل مرعي بهذا الشكل، لأنه لم يستطع أن يحصل منه على أي مكتسبات.

مرعي يخبر والده أن يساعده، والأب يحاول أن يؤمن لابنه المال أو الواسطة، لكنّه لا يفلح، وعندما يعلم الأب بسجن ولده لمدة عشرين يوماً، هذا عدا عن العقوبات المتتالية لخدمة مضافة عالية في الجيش تصل لأشهر طويلة، أصيب الوالد بالجلطة التي تفاقمت بعد ذلك وأدّت لوفاته. يتحدث مرعي عن معاناته حين علم بمصاب والده وكيف أعطي إجازة قصيرة لزيارته، ومن ثم وفاة والده والوقت القليل الذي شارك به العزاء إلى جانب عائلته. وزادت نكبته بعد مدة بإصابة والدته بالشلل النصفي حزنا على زوجها. حمل مرعي همّ أهله ووالدته وأخوته الصغار خاصة بعد وفاة الوالد، لكنه مكبّلٌ بالجيش لا يستطيع فعل شيء.

يتابع مرعي الحديث عن وضعه بالجيش؛ حيث أبعده الضابط المسؤول عن نادي ضباط حلب لكونه لم ينتفع منه، يفرز إلى الفرقة الخامسة في درعا. يرسل إلى هناك وفيها يعمل تحت إمرة ضابط يعرف كيف تؤكل الكتف، لقد استفاد من مرعي واختصاصه كمحاسبة، مرعي سيعرف تفاصيل وضع العساكر والضباط في الفرقة، الكل يعمل ليحصل على المال والمكتسبات، والمصدر دوما الجندي ومخصصات الجيش وما يعطى للعساكر من مأكولات ومشروبات ومستلزمات. العسكري يخدم بالسخرة في حال فقره، أو يعطى الإجازات ويعود محمّلا بالهدايا أو المال النقدي للضباط، بعض العسكر يخدمون في بيوتهم، الضباط يأخذون معاش الجنود، ويحضر الجنود مبالغ إضافية يتفق عليها. إّن هذه الآلية تسير بشكل اعتيادي في كل قطعات الجيش وبين ضباطه وجنوده.

في الرواية نقطة ضعف؛ وهي عدم تناولها لدور الجيش السوري بعد ثورة الشعب منذ ٢٠١١م، وأنّه تحول لجيش قاتل لشعبه

الجنود هم البقرة الحلوب، والضباط يثرون على حساب هؤلاء الجنود ونهبهم لهم. ينتقل مرعي من قيادة الفرقة إلى لواء في الفرقة، ثم ينتظر التسريح، ويأتي تسريحه، ويعود حرّا بعد خدمة أدمت عقله وروحه، التحاقه بالجيش لم يعفه من الغربة ليبني مستقبله، إنه الآن مغترب في السعودية.

في تحليل الرواية نقول:

نحن أمام رواية تقريرية توثيقية تتحدث عن وقائع حصلت، لا حصّة للخيال فيها، هي أقرب لليوميات. ورغم ذلك ورغم قصرها ١٢٦ ص، وكونها شخصيّة جدا ومباشرة، لكننا نقرأ ما خلف السطور؛ ماذا عن جيش المواجهة مع العدو، أي مواجهة وأي عدو، خمسون عاما والجبهات مغلقة، والعساكر تُسرق منهم أعمارهم وأموالهم. نمط الاستغلال في الجيش هو صورة عن الاستغلال والاستبداد والإذلال في واقع الحياة اليومية للشعب السوري كله.

في الرواية نقطة ضعف؛ وهي عدم تناولها لدور الجيش السوري بعد ثورة الشعب منذ ٢٠١١م، وأنّه تحول لجيش قاتل لشعبه، الجيش الذي وضحت بنيته الطائفية، أغلب ضباطه المتنفذين والمسيطرين والمتكسبين من الطائفة العلوية، هذا الجيش استعاض عن العدو الصهيوني بالشعب، جيش سرعان ما انشق عنه أغلب جنوده وصف ضباطه، والكثير من الضباط الشرفاء المدركين أنّ هذا الجيش بهذه التركيبة هو جيش فئة وعائلة وبعض طائفة، ليس جيش الشعب بل السلاح الموجّه عليه لقتله، وهذا ما حصل بالفعل.

عذر الرواية والراوي؛ أنّها تجربته الكتابية الأولى، وقوتها أنّها أشبه بتقرير معلوماتي موثّق عن حالة جيش يدّعي أنّه يحمي الشعب لكنّه يسرقه ويقتله.

الرواية تتحدث مع غيرها عن أوجه معاناة الشعب السوري الذي قام بثورته المنصورة بعون الله.


مرعي أبو أحمد: روائي سوري، هذه الرواية الأولى التي نقرأها له.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.