قراءة في رواية رقصة القبور

1٬383

 

للكاتب: مصطفى خليفة

قراءة: أحمد محمد العربي

إصدار دار الأداب

ط1 ورقيه 2016

مصطفى خليفة كاتب سوري وهذه روايته الثانيه بعد روايته المعروفه القوقعه التي كانت أقرب لسيرة ذاتية تتحدث عن تجربة الاعتقال في سجن تدمر الاسوأ في سوريا.

 

رقصة القبور رواية تعتمد آلية السرد المتسلسل عبر الزمان مغطية لنصف قرن من الزمان تقريباً من الخمسينات منتهية في عصر الاسد الاب في سوريا دون ذكر اسمه بالمباشر.

تبدأ الرواية باعتقال السارد الأساسي في الروايه وبصفته ناشطاً بحزب يتبين من الرواية أنه الحزب الشيوعي، وأنه معتقل ضمن حمله تستهدف الحزب، وأنه المسؤول عن جريدتهم الحزبية السرية.

وسيلتقي في المعتقل بعبد السلام آل الشيخ العضو الاخر بالحزب والمسؤول عن منظمة الشباب في الحزب سيكون مريضاً جداً سيلتقي به ويعرفه بنفسه لأنهما كانا قد التقيا ضمن مناشط الحزب وسينقلان مع آخرين إلى سجن المزة العسكري كما نستنتج، وسيوضع معه في نفس الزنزانة للعناية به.

فقد لاحظ أن إدارة السجن حريصة على حياته… وبعد أكثر من أربعة أشهر سيحضر رئيس البلاد ويهدد المعتقلين بالعقوبة الشديدة إن كرروا أعمالهم ويطلق سراحهم.

كان ذلك في الخمسينات، سيخرج السارد وعبد السلام من السجن بعد أن توطدت بينهما العلاقه كثيراً، وبعدما تعرفا على بعضهما بعمق كافي، فالسارد يعيش وحيداً بعد أن اختلف مع أهله وطرده والده من البيت، يعمل بالصحافة وينشط بالحزب ويصدر نشرته السرية مع رفيقته لميس.

التي سرعان ما أحبها وأحبته ويعيشان حياة جسديه مفتوحه، ولكن الاعتقال سيفرقهم عن بعضهم، وهو يفكر الآن أن يعود إليها ويطرح عليها الزواج. رغم رفضها للفكرة سابقاً.

فهي تؤمن بحق جسدها أن يلبي رغبته الجنسية مع من تريد وفي أي وقت، وهي لا تستطيع الالتزام بالزواج وخصوصيته الاجتماعية والجنسية، أما عبد السلام فهو ابن لعائلة من رجال الدين ثريه ولها اتباع ومستغرب أن يكون ابنها يحمل الأفكار الشيوعية ومنضوياً في حزب شيوعي.

عبد السلام سيأخذنا إلى عالمه فهو من سلالة خالد بن الوليد التي تعرضت للفناء مرتين عبر مئات السنين ونجا في المرتين وأحداً أعاد إحياءها…

المرة الاولى أفناهم أحد الخلفاء الأمويين، خوفاًعلى حكمه، وفي المرة الثانية أفناهم حكم علوي في حلب يستنتج أنه حكم سيف الدولة الحمداني أو من أسلافه، وسنعرف ان هناك نظام صنع للعائلة دقيق هناك ابوه شيخ يقود العائله.(الخوالد) وانهم يعيشون في ضيعتهم منعزلين (الخالديه). وأنهم أثرياء فلديهم كنوز ذهبيه، يحتفظون بها من جيل لجيل عبر سراديب أرضيه لا يعلمها ويعلم مداخلها ومخارجها إلا خاصتهم.

وإن عبد السلام الابن الاكبر وهو خليفة والده بقيادة العائله، وإن لهم نظام تراتبي متماسك ونظام علاقات محكم ودقيق، وأن قرارهم بتوزيع أولادهم في بلاد العالم مزودين بمال يستطيعون به صناعة حياتهم، لكي لا يتم استئصالهم مرة اخرى، وأنهم يجتمعون مرتين كل سنة في الخالديه لكي تعاد عليهم سيرة الخوالد وتزرع فيهم خصوصيتهم. لربطهم ببعضهم ومعرفة ما حل بهم من مذابح، سيتعرف عبد السلام بالصدفة على الاسكافي الأرمني مهران الذي سيجذب عبد السلام له ولافكاره، ليصبح شيوعياً ومن ثم سيتعرف على ابنته مارال التي سيحبها، سنتعمق كثيراً في حياة عبد السلام وعائلته، والده الذي يعتكف في صومعته لسنة كاملة ولمرات عده، وامتلاكه لطاقات خارقه، ولنتعرف على نظام الفصل القاسي بين الاناث والذكور في العائله، ولوجود عبيد تحولوا لاتباع يعيشون في خدمة اسيادهم آل الشيخ مدى الحياة…

سيخوض عبد السلام تجربة الجنس مع ابنة عمه البوسنيه القادمه مع والدها إلى الخالديه، سيحبها وسيتعرف على الجنس ويعيشه معها في ظروف خفية وتقية وإباحية مطلقه لمدة شهر.

ثم ستغادره وتترك في نفسه غصة، ستتطور علاقته بمارال وسيعيشون علاقة جسديه مفتوحه، سيبحث السارد عن حبيبته لميس وسيعرف إنها سافرت إلى روسيا لحمايتها من الاعتقال، بعد اعتقالهم… سيتدرج عبد السلام في حزبهم كقيادي شاب صاعد سيصطدم بعقلية الكهول، وسيقود فريق الشباب للتغيير بالحزب.. وعلى مستوى البلاد ستحصل عدة انقلابات سيكون اخرها الجنرال(الاسد الاب). وسيحكم البلد بعد ان كان متهما من زملائه بأنه ضعيف وجبان… لكنه سرعان ما سيصبح الحاكم الأوحد للبلاد… وسيتعاون مع الأجنبي ذلك الألماني من بقايا المخابرات الذي استوطن سوريا وباع خدماته للجنرال… وكان دليله في كل ما فعل في سوريا.

سيواجه الجنرال حركة الاسلاميين (الاخوان المسلمين) بعنف ومذابح وستستقيم له البلاد… ستتطور الخلافات داخل حزب عبد السلام، فالبعض سيهادن الجنرال، وسيفكر عبد السلام بواجهة النظام، وسيصل الحزب ليكون حزبين وليصبح عبد السلام زعيما للحزب الجديد ومعه مارال التي ستصبح زوجته بعد أن عانت هي وهو من الرفض الاجتماعي. حيث رفض زواجهم من أهلها وطائفتها الأرمنيه. كمسيحية وأرمنية.

وكذلك ماطل والده كثيراً، فزوجته يجب أن تكون مخزوميه من قبيلة الخوالد ويعتدي عليه وعلى مارال أقربائها الرافضين لزواجهم.

وكاد يموت.. ومع ذلك يتزوج مارال بشرط أن يربى أولادهم في الخالدية في حضن والده الشيخ الكبير وهكذا حصل وعلى مستوى الحزب الجديد سيعلنوا موقفاً معادياً للنظام وضرورة مواجهته بالعنف المسلح، وسيكون عبد السلام المتحمس الاكبر وستكون مارال معه، ويبدؤون التجهيز في الجبال لخلق بنية لقتال النظام..

 

سيتراجع عبد السلام عن فكرة العمل المسلح، بعد دراستها وادراك عجزهم عن مواجهة النظام، ونصيحة والده بأن السياسة دوما استأصلتهم ونصحه بمغادرتها، وسيعاني من رفض مارال لرأيه، وانتصارها مع الحزب لفكرة العمل المسلح ضد النظام المتمثل بالجنرال، وسينسحب عبد السلام ويعتزل في الخالديه بسريه كامله لانه سيتحول للمطلوب رقم واحد عند النظام… الجنرال الذي كان قد اصبح مهيمنا على الدولة عبر طائفته العلويه.

وكان يتابع الحزب وتخطيطه ضده وخوفه من دور عبد السلام الديني كخالدي ضد العلويين والثارات بينهم، وكذلك كونهم شيوعيين ويعملون لمصلحة الشعب الفقير والمضطهد سيخطط الجنرال أن يستأصل الحزب بكل كوادره.

ويتركهم ليذهبوا الى الجبل ويحاصرهم على مدى سنتين بقيادة مارال، دون قدره على الفعل وتركهم يجذبون إليهم الأنصار ليصفيهم جميعاً وهذا ما حصل بعد مضي عامين تقريباً.

حيث حوصروا وقبض عليهم جميعاً وحكموا بمدد سجن مختلفه،  وحكم على مارال بعشرين سنة مارال التي اختلفت مع عبد السلام حول فكرة العمل المسلح وتركهم.

واعتكف في الخالديه بسرية مطلقة، أصبحت مارال القائد البديل عنه عبد السلام للتنظيم المتواجد بالجبال والمحاصر بعد ذلك ستعيش خيبتها من خسارة زوجها وحبيبها عبد السلام.

وستعوض عن غيابه بعلاقات جنسيه مفتوحه مع شباب الحزب المقاتلين وسيعرف ذلك وسيصمونها بكونها عاهرة وسيئة، لكنها ستعتبر هذه السلوكيات آخر ماتبقى لها، بعد أن خسرت أولادها وزوجها وحصار الحزب في الجبل، بعد ذلك سيحاصروا في الحبال ويلقى القبض عليهم.

في سجنها ستستفيد من كونها طبيبة وبمعالجتها للمرضى وعبر مرور الوقت، ستجد نفسها وحيدة في حياة السجن وستعود مرة أخرى للبحث عن اللذة كحاجة جسديه فتمارس العلاقة الجنسية المثلية (سحاق) مع سجينة أخرى وتعيش حياتها على هذا المنوال… أما عبد السلام فسييعيش خمس سنوات في الخالدية بالسر… ويقرر أن يخرج. بعد موت والديه.

وبعد أن نقل أولاده وثروة الخوالد إلى تركيا… وعندما سيخرج للعلن وسط الخوالد في يومهم السنوي المعتاد، سيجد الأمن متخفياً بينهم وسيقتلوه في إعدام جماعي سيكون أخاه السارد متابعاً لعبد السلام منذ خروجهم من سجنهم الأول.

وسيصبح اخاه بالدم وسيوضع تحت رعايته وسيشتري له بيتا ويؤمن له مورداً مالياً دائماً للمعيشة، سيستمر معه في الحزب ويكون معه في حزبهم الجديد، لكنه سيختلف معهم في موضوع العمل المسلح وسيغادرهم، ويبقى على علاقة مع عبد السلام ومارال،  ستعود لميس من روسيا وسيطلبها للزواج.

وترفض وتعيش معه كزوجين دون عقد زواج. سيراقب هو ولميس تحولات عبد السلام ومارال، التحول للعمل المسلح والصعود للجبال و الاعتقال للحزب و اختفاء عبد السلام وخروجه ومقتله.. وسيعاصر عودة أولاد عبد السلام ليستمرا في قيادة الخوالد، وخروج مارال من السجن محملة بتجربتها ومذكراتها عن السجن، ومحاولتها أن ترى أولادها سيشاهدوها ويرفضوها… لكن ابنا لها في جنوب افريقيا سيقبلها. ستذهب اليه محملة بعمر مليئ بالخيبات والمرارة

هنا تنتهي الرواية وفيها كثير من الأحداث والتقاطعات التي لم نمر عليها..

.في قراءة الرواية نقول…

نحن أمام نموذج مبتدع فالرواية لاتعيد قراءة تاريخ ماضي ليستثمر ضمن نص يعطي رسالة ما.

هنا الرواية تصنع تاريخاً بديلاً، خالد ابن الوليد وأولاده واحفاده وامبراطوريتهم المبتدعه، ولكن لايخرج هذا الخلق للتاريخ البديل عن مآلات التاريخ نفسه. صراع الحكام في كل زمان، وصراع الطوائف والمذاهب والاضطهاد العرقي، كما حصل مع الأرمن والعلويين في زمان مضى،  كان الأجدر أن يعاد التاريخ ليضيئ الواقع كما فعل أمين معلوف ويوسف زيدان وبنسالم حميش وغيرهم كثير..

وأيضا الرواية محملة بمواقف إيديولوجية مترسخه بلا شعور الراوي إلى درجة تم تغييب قراءة الواقع حين التحدث عن الحزب (الشيوعي) الذي عمل لخمسين عاماً واعتقل كله،  دون ان نقرأ واقعه والواقع الذي يتحرك به وهذا ظلم للحزب، وعدم وضوح للدولة التي هيمن عليها الجنرال وبتوصية الأجنبي، وهي مؤشر لفكرة الدعم الخارجي للنظام،  وأنه يعجز بذاته عن تحصيل ماحصل من نجاحات طبعا عبر استعباد الشعب والاضطهاد السياسي لولا توجيه الاجنبي ودعمه…

وأيضا سينجد أن هناك شحنة حرمان جنسي سيعبر عنها بتصوير الجنس كمخرج حياتي ومتابعته كممارسه وتحوله لهوس ليظهر أنه الحقيقة الانسانية الوحيدة عند البشر، طبعا الجنس المنتمي لنفسه فقط كغريزة دون أي ضابط من أي نوع كان ولا نستبعد ثقل سنوات السجن على الكاتب نفسه ليكتب ماكتب في موضوع الجنس.

وكذلك المواقف المطلقة الرافضه للزواج، أو التصنيف الاجتماعي المغلق لموضوع الزواجات المختلطة، بين الأديان والطوائف، وأنها تنتهي بكوارث دائما رغم أن في الواقع البعض الناجح والبعض الذي فشل والقليل الذي انتهى بشكل كارثي.

التاريخ ليس تاريخ والسياسة ليست سياسة، والحياة ليست هكذا، الوحيد المؤكد هو الجنرال الأسد الذي بنى دولته المستبدة مستغلاً الطائفهة العلويه، مستعبداً المجتمع لاغياً للسياسة، جاعلاً الناس ضحية لقمة العيش.

ومحولاً السياسيين لمستحاثات في طبقات الواقع الاجتماعي بين قتيل ومعتقل وهارب ومنزوي.

لقد فرغت له البلاد وبنى جمهورية القهر العظيم…

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.