قراءة في رواية السراب _للكاتب ابراهيم غرايبة

رؤية بقلم: أحمد العربي

.بداية . الكاتب اردني ونمط الكتابه هنا .اقرب ما يكون للمذكرات والتأريخ والتجربه الشخصيه وقراءة العالم والدين. والغوص عميقا في متابعه ونقد وتقويم للعمل الاسلامي السياسي العربي عموما. والاخوان المسلمين تحديدا و في الاردن خاصة وعبر عقود طويله..
. يبدأ الكاتب روايته بالتحدث عن وائل الشاب الاردني المتشبع باجواء نهر الاردن وتاريخه الممتد من الاراميين ليصل الى الاسلام للعصر الحديث. نهر الاردن الذي يمتد من جبل الشيخ في سلسلة جبال الحرمون. المطل على سوريا ولبنان والاردن وفلسطين. والعامر دوما بالثلج في قمته المرتفعه. والمعطي للمياه القادمه الى طبريه والى نهر الاردن . الذي يمتلئ بتاريخ الانبياء والبشر والحياة المتدفقه عبر آلاف السنين. .
.وائل. ابن جيل الاربعينات ومن بيئه متدينه يجد نفسه مع المجموعه الاولى التي عملت لبناء حركة الاخوان المسلمين في الاردن. والتي لقيت الرعاية والاحتضان من الملك عبد الله الاول ومن بعده ابنه الملك حسين. في الوقت الذي كانت اغلب الدول تلاحق الاخوان وتسجنهم وتطهدهم..
.وجد وائل بالاخوان محاولة لاعادة صنع مجتمع مثالي. والتحق بهم تحت سيطرة والحاح فكرة العداله الاجتماعيه التي رسخت في ذلك التاريخ وخاصة كتابات مصطفى السباعي وسيد قطب في مرحلته الاولى قبل السجن… تابع وائل نشاطه مع الاخوان ودراسته للطب التي تابعها في الجامعه الامريكيه. وتعرف بها على ابنة استاذه الامريكي. الطالبه بالجامعه ليكون تعارفا مقدمة لحب وتفاهم يؤدي للزواج والذهاب مع زوجته بعد ذلك لامريكا لتتمة الاختصاص. ..
.سيكتشف وائل انه امام مدارس عده في الاخوان. فبعضهم ينطلق من الخلفيه الدعويه والتعبديه والقيميه الاخلاقيه والسلوكيه الاجتماعيه الفاضله والمتكافله للخير ومساعدة المحتاج والفقير. وبعضهم يراها مشروعا سياسيا يعمل للحكم وبناء الدولة الاسلاميه. وبعضها يتطرف وينطلق من تكفير الدول على انها غير اسلاميه وضرورة محاربتها واستبدالها بالدولة الاسلاميه ولو بالقوة والعنف. والبعض وصل لتكفير المجتمع الساكت عن الحاكم الغير مسلم .. وتطور هذا الموقف لهدر دم الناس لانهم ساكتين عن الحق.
.ينتمي وائل للفريق الذي ينطلق من خلفية العدل والقيم والخير للاسلام. ويختلف مع الاخرين وينفصل عنهم نفسيا. ويضاف لذلك غربته لامريكا وتعلمه هناك وزواجه من امريكيه وانجابه منها اولاده سالم وابراهيم(كاتب الروايه) ويارا.. اولاده الذين ستختلط اقدارهم مع اقدار اهلهم واعمالهم وتاريخهم . فوائل سيتعرف على اوديت اليهوديه في امريكا وسيتفاعل معها.. وسيتزوج ابنه سالم من ابنتها في امريكا بعد سنوات طويله.. وسيعودون لنهر الاردن بشكل متقطع ليحاولوا ان يبنوا انسجاما انسانيا ما.. فالكل اردنيين واسرائيليين هم الان اصحاب الجنسيه الامريكيه..
.الرواية تتبحر في كثير من الموضوعات وعلى طريقة الدراسة التأريخيه النقديه الفكريه ايضا. وخاصة للاخوان المسلمين وتحولاتهم الغكريه والسياسيه وامتدادهم في الارض. ويكون وائل وبعده ابنه ابراهيم المولود في امريكا والدارس الطب كوالده. والمرافق له في اغلب اسفاره.
.فالاخوان لم يبقوا واحدا من بعد اغتيال المؤسس حسن البنا. والخلاف مع عبد الناصر وزج الاخوان في السجن. وتطور فكر سيد قطب ليصل لفكرة تكفير الدولة والمجتمع لانهم لا يحكموا بالاسلام. وليعدم بعد ذلك ويتحول لرمز ويتوالد الاتباع .الاخوان سيستمروا في مصر كحركة سياسيه تتكيف مع الحكم وتحاول ان تلتزم بمضمون .كتاب مرشدها الثاني حسن الهضيبي :دعاة لاقضاة. في مواجهة كتاب :معالم في الطريق. لسيد قطب. هذا الذي افرز جماعة الجهاد بقيادة ايمن الظواهري. والجماعة الاسلاميه. التي قامت باعمال عنف واغتيال كان ذروتها اغتيال السادات نفسه. وحملات الاعتقال والسجن .ومن ثم الخروج والالتحاق بالجهاد الافغاني. وسيكون وائل كطبيب معالج وابنه ابراهيم شهود على ذلك . وسيكون للاخوان الاردنيين حضورا كبيرا هناك وعلى رأسهم عبدالله عزام.. سنرصد مع الكاتب تطور الفكر الاسلامي وتنوعه لدرجة التناقض بين الدعويه والحاكميه في الاردن .وبعدها في باكستان وافغانستان ايام الحرب على الروس وبعدها في دولة طالبان. سنرصد الصراع الحاصل بين الحكومات العربيه واسلامييها. وتحولهم للحرب في افغانستان. واستخدامهم بالعلن من قبل امريكا ومخابرات العالم كله.في الصراع مع الروس وتحولهم لاداة ووقود لصراع عالمي واقليمي وكانت دماؤهم واقدارهم الضحيه. سنرصد بذور التحولات التنظيميه والفكريه التي انتجت القاعده على يد اسامه بن لادن وايمن الظواهري المصري المنظر والقائد الفعلي للقاعده كما يقول الكاتب. وتحولها لتنظيم يكفر العالم ويحارب في كل مكان وضرب امريكا في عمقها.
.سنرصد تحولات العالم ايضا وسقوط الاتحاد السوفييتي وتحول الاسلام والارهاب الاسلامي لعدو بديل عند الغرب وعلى رأسه امريكا وخاصة انها استهدفت في هجمات 11 ايلول 2001. وسنرصد استخدام ماحصل لتحتل افغانستان و بعدها العراق.. ولتتوالد الاسباب الموضوعية للصراع والارهاب. ولتتوالى الاحداث دامية في الشرق الاسلامي ويستثمرها الغرب بكل تفاعلاتها…
.سنطلع على القراءات المتعدده للاسلام بأكثر مما تطيق روايه. قراءات متناقضه ايضا. وتدعي اكثر مما تستطيع. وهي ضحية شعور العظمه دون مردود. والمظلوميه بما يؤدي لعقد نفسيه وسلوكيات انتقاميه تزيد المشكله ولاتحلها .. سنتابع دأب عمل وتفكير وائل وابراهيم وهم يحاولون ان يصنعوا معنا وقيمة لما يعيشوا ويفشلوا ويصابوا بالخيبه ويرصدوا تحول الاسلام لسلاح يقتل احيانا او يستثمر سياسيا او اقتصاديا. والكل يتلفح ويتدرع ويدعي بالاسلام حمال الاوجه والقادر على استيعاب الجميع.
.في الرواية منبر لاوديث اليهوديه صديقة وائل في امريكا اليائسه من دولة اسرائيل التي انحرفت عن افكار مؤسسها بن غوريون والتي بعدوانيتها التي ترسخت بعد حرب 1967. اصبحت على تناقض مطلق مع محيطها.. اسرائيل التي قتلت اسحاق رابين ونصبت بيغن وشارون قادة للحرب والصراع الابدي مع الفلسطينيين والعرب.. اوديت ترى ان اليهود ابناء المنطقه ومحتضنين بها منذ الاف السنين وان فلسطين يجب ان تكون دولة ثنائية القوميه للعرب واليهود. وتكتشف اوديت ان حلمها ضاع تحت ضربات اليهود المتطرفين الذين لا يرون بالعرب والفلسطينيين الا مادة للقتل.. لذلك تهاجر لامريكا..
.سيتابع الكاتب تطور الحركه الاسلاميه الفلسطينيه وتحولها لحماس وقرارها بالمشاركه السياسيه. وتطورها المصلحي واستعداها ان تقبل بدولة فلسطينيه بجوار اسرائيل. وتطور النظره الامريكيه لحماس وللصعود الاسلامي عموما في فلسطين وتركيا و الاردن والجزائر.. وتصور الكاتب ان هناك مصالحات قادمه مع التيار الاسلامي الديمقراطي.. لا يصدق مع واقع حال الربيع العربي القادم الذي لا تصل الرواية له زمنيا..
.سيتابع الروائي عبر زوجته الامريكيه التي رافقت والدها المدرس في الجامعه الامريكيه في لبنان و قراءة لبنان والعرب والاسلام وفلسطين.. وان كل ذلك عند الامريكان ينطلق من مصلحتهم الاقتصاديه نفط وغيره والسياسيه وجود اسرائيل وحمايتها. وتحالفاتها وصراعاتها الدوليه.
.سنتابع في الرواية قراءة الجيل الجديد عبر رؤية يارا الابنه الصغرى لوائل. التي ترى ان العرب والمسلمين يحاولون تلمس مستقبلهم وانهم لم يفلحوا للان وان الاسلام طاقة ممكن ان تكون بناءة ويمكن ان تكون هدامه. وهذا حسب الخلفية التي تتعاطى معه ومع الواقع ايضا. وان المستقبل مفتوح ليستحضر الاسلام نصيرا للعدل والحرية والخير وحياة الانسان الافضل.. وان اسوأ ما يحصل ان يتحول الاسلام ليكون عنواما للتطرف والتكفير والارهاب ووبالا على شعوبه ومجتمعاته.. وهكذا كان للاسف.
.تنتهي الرواية والحاله الاسلاميه والعالم مفتوح على كل الاحتمالات المستقبليه. فالربيع العربي جاء. الرواية كتبت 2009. والربيع العربي جاء في 2011. وكان الاسلام الشعبي رافعة له الاسلام القيمي نصير الحريه والكرامه والعداله. ولم يتقبل الغرب والحكام واسرائيل هذا النهوض الذي يعني استعادة الحقوق للشعوب العربيه ضحية الاستبداد والاحتلال.. وعملت هذه القوى على اسقاط الثورات العربيه. وتدرعت بانها تواجه الارهاب الاسلامي. فاسقطت ثورة مصر وحرفت ثورة ليبيا واجهضت ثورة اليمن وحولت ثورة سوريا والعراق لحرب تدمير مجتمعي كامل. ولارض صراعات دوليه واقليميه ضحيتها الشعب السوري والعراقي.. واستخدمت فيه بحرفيه عاليه حكاية الارهاب الاسلامي وتحوله للتوحش وضرورة حربه.. وبكل الاحوال نحن الشعوب ضحيه.. وكان الاسلاميون من قاعده وداعش وقودها وادواتها ايضا والمبرر لها ايضا.
.لن تنتهي الحروب والمشاكل في اقليمتا العربي الا برفع المظلوميه والتعامل معنا وفق حقوقنا كامم لها حق الحريه والعداله والكرامة الانسانية والعيش في دول ديمقراطيه. وانصافنا في ثرواتنا وحقوقنا وحل مشكلة فلسطين تاريخيا.
.غير ذلك الصراع مستمر ونحن ضحاياه ونرجو ان يكون نتاجه الحقوق كامله والمستقبل الافضل..
.نتمنى ونعمل..

.النشر: ثقافه للنشر والتوزيع..
.ورقيه. 2009. .ط1..

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا
تعليق 1
  1. احمد العربي.. يقول

    مشكورة الايام على النشر.. للحريه والتنوير ونصرة ثورتنا نعمل ..

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.