قراءةٌ في التجاوزاتِ المسلكيّة لدى فصائلِ الثورة السورية

بقلم:د. محمد عادل شوك 

محمد-عادل-شوك3

ردود أفعال النظام، لا بل ما تزال تسيرُ في فلكه؛ فانتظامُ أفرادها في مدرسته على مدى خمسين عامًا، جعلها لا تتباينُ عنه كثيرًا.

أضفْ إلى ذلك أنّ جُلَّ المنضوين في فصائلها، سواءٌ منها ذات المشروع المحليّ، أو العابر للحدود، لم يَعُوا مرامي الثورة، و لم يتبيّنوا أهدافها على النحو المطلوب، و لم ينظروا إليها على أنّها منظومة قيميَّة ذات انعكاسات سلوكيّة، على مستوى الفرد و المجتمع.

و لذلك يُجهِدُ المراقبون أنفسَهم كي يتلمّسوا الفوارق بين المعسكرَين، ما عدا بعض المظاهر الشكلية، التي اقتضتْها دواعي الانتظام في صفوف الفصائل الإسلامية، ولاسيّما ذات التوجه السلفيّ منها، و على وجه الخصوص ذات المشروع العالميّ.

و بهذا فإنّ التغيّر المظهريّ الذي طرأ على مُحازبي تلك الفصائل، لم يُجلِّ الصورة لديهم، و لم يصقلها ، أو يُزلِ الران الذي غطاها، طيلة الفترة التي طبعَهُم بها النظام، على مدى نصف قرن من الزمان.
الأمرُ الذي جعلَ الأمور تتماهى كثيرًا بين الفريقين، لدرجة أنّ جُلّ المراقبين كانوا يُجهِدون أنفسهم في أول عهد عسكرة الثورة، في التمييز بينهما؛ فاللباسُ هو نفسه أيام الضباط الأحرار، و من بعدُ الجيش الحر، و المظهر الخارجيّ ذاتُه، و التجاوزات المسلكيّة هي عينُها.

و هذا ما جعلَ الأمر مُبهمًا كثيرٍ من المتابعين من غير السوريين، فلقد كتبَ أحدُهم تغريدة تعبّر عن هذا الواقع خير تعبير: ( مَنْ يرى مقاطع اليوتيوب التي يتقابل فيها جنودُ الأسد مع عناصر الجيش الحر؛ يحارُ في التمييز بينهما، و لقد فعلَ الثوارُ خيرًا عندما تمايزوا عنه برفع عَلَمٍ آخر ).

لقد استنسخ عناصرُ من تلك الفصائل، التي أغواها حملُ السلاح ـ على اختلاف في نِسبهم ـ تجربةَ النظام في التعامل معهم، فلم يتحرّجوا في التعدّي على الأملاك الخاصة، فضلاً على العامة، و استمرؤوا انتهاك الحُرُمات و الحريات الخاصة، و جعلوا من مراكز الاعتقال لديهم، امتدادًا لما كان يُرتكب من تجاوزات على كرامة المواطن المعتقل في عهد النظام ، و استهانوا بما يصدرُ عن القضاء إلى درجة لافتة للنظر.

و لم تردعهم تعاليم الدين الحنيف، أو المواثيق و المعاهدات الدولية، عن الانتهاكات المتكررة بحق الأسرى لديهم، فرأينا من يقتل الأسير بطريقة سادية، فكان منهم لَوْكُ القلوب، و النحرُ، و الإجهازُ على الجريح، و بالطبع ليسَ الأمر نحو مُحازبي النظام فحسب، لا بلْ نحو المنضوين في الفصائل الثورية الأخرى، التي كثيرًا ما تتقاطع مصالحُها، فيكون البأس بينَهم شديدًا، و هو الأمر الذي تجلّى بأوضح صوره في الصراع الذي كان بين الفصائل الجهادية و فصائل الجيش الحر ابتداءً، ثم بين فصائل الجهادية العالمية، و نظيرتها المحلية، و كانت آخر تلك الصور ما كان قبل يومين من نحر مقاتل أسير لدى عناصر من حركة نور الدين الزنكي، و ليلة البارحة من الإجهاز على جريح من أحرار الشام بعد خطفه من مستشفى باب الهوى على يد عناصر من جند الأقصى.

لقد جعلّتْ جملةُ هذه التجاوزات المسلكيّة، الحاضنةَ الشعبية في حالة قلقة تجاه تلك الفصائل، و لاسيّما و هي ترى أصحاب هذه التجاوزات في مأمنْ من العقاب، فكلّ فصيل ضنينٌ بعناصره في تسليمها إلى جهات محايدة؛ كي تتقصى الحقائق و تقف على حقيقة الأمر، و بالتالي تقتصّ منها، أو تبرؤها.

و قد عزّز من ذلك غياب الجهات القضائية النافذة، التي يخضع لسلطان أحكامها كلّ تلك الفصائل، فكلّ فصيل معتدٌّ بمحاكمه، و لا يرى إحقاقَ الحقوق عند غيرها.

صحيح أنّ هذه التجاوزات ليستْ بذات الزخم، الذي كانت عليه في أول عهد الثورة، و ذلك بسبب عوامل الردع التي امتلكتها نسبةٌ كبيرة من السورين، في المناطق الخارجة عن سيطرة النظام؛ الأمرُ الذي جعل كثيرًا من المتجاوزين يحسب للأمر حسابَه، و يخاف من طلقة متربِّصة في ساعة من الليل تودي بحياته.

و لكن الذي يُشيرُ إليه المراقبون، أنّ هذه التجاوزات لا تسقطُ بالتقادم، و هي ذاتُ شقين في التبعات القانونية و المسؤولية، سواءٌ في المحاكم المحليّة أو الدوليّة:

ـ شقٍ معنويّ، تُجاه الفصيل، أو الجهة التي لاذَ بحماها أولئك المتجاوزون.
ـ شقٍ ماديّ، تُجاه مِنْ باشرَ الفعلَ بنفسه، تاركًا المجنيَّ عليه في كمدٍ و حزنٍ عميقين، في انتظار لحظة الظفر به، أو على أمل أن يُنصَف من جهة قضائية في يوم من الأيام، و إلاَّ فإنّه سيكلُ أمره إلى الله، في يوم لا ينفعُ فيه فصيلٌ أو سلاح.

إنّ الثورةَ التي قامت في سورية، هي ثورةُ أخلاق و قِيَمٍ عُليا، جاءت لتحرير الإنسان و الأرض، و إنّ على عاتق فصائلها، ولاسيّما التي تظهر الالتزام بالقيم الإسلامية، يقع عبءٌ مضاعفٌ من المسؤولية، الآن و غدًا، و عليها أن تتمسك بمبادئ حقوق الإنسان، في عملياتها العسكرية، و عملها الأمنيّ، و مشروعها السياسي، و في بناء المؤسسات المدنية المختلفة.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.