قانون قيصر والوطنية السورية (2/2)

بقلم: كمال شاهين

في هذا المقال يحاول الصحفي كمان شاهين، مقاربة تفكك الوطنية السورية، بناء على عوامل بنيوية أصيلة وبفعل ممارسات النظام القائم وما تفرضه الحروب والتدخلات الإقليمية والدولية من نتائج.... لنقرأ معاً

منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وحتى اندلاع الحراك في سوريا العام 2011، ساهمت العقوبات الأميركية في تحقيق شكل من أشكال “الوطنية” والتضامن بين السوريين، روّجت لها السلطة على أنها “مقارعة للمؤامرات والمخططات المشبوهة على اﻷمة العربية وليس على سوريا فقط، وتجسيد لصحة النهج الوطني”، بغض النظر اﻵن عن كون هذا التضامن مفروضٌ على الناس ومنسوج على نول السلطة بشكل قمعي يحتكر كل أنواع الاجتماع.

في سياق تلك العقوبات، يأتي قانون قيصر الذي بدأ سريانه منتصف حزيران الحالي. إلا أنه يأتي هذه المرة في ظروف مختلفة كلياً على البلاد، سواء بداخلها أو في محيطها اﻹقليمي والدولي. يعني ذلك أن عدواناً جديداً كهذا سيكون له مفاعيل مختلفة، أبرزها انتقال الصراع السوري – السوري الى عتبات جديدة قد تؤدي إلى تقسيمٍ (ناعم) للبلاد في ظل غياب أي مشروع وطني جامعٍ للسوريين.

قصف البلاد ومعاركها

ظهر الخلاف بشكل حاد في كثير من الأحداث، بدءً من أسماء الأسابيع (الثورية) وصولاً إلى الضربات اﻷمريكية واﻹسرائيلية والروسية في البلاد.

على سبيل المثال، وإثر تناقل تقارير عن تجدد استخدام الأسلحة الكيميائية في غوطة دمشق (7 نيسان/ابريل 2018) من قبل قوات الحكومة، تعرّضت البلاد إلى عدة ضربات جوية ـ أمريكية – بريطانية – فرنسية، بموافقة روسية، وهو ما خلق استقطاباً حادّاً بين السوريين داخل وخارج البلاد، وحتى داخل الصف الواحد، موالاةً ومعارضةً، بين مؤيّد للضربات ورافض لها، ولكل منهم أسبابه المُفزعة بالنظر إلى كونهم جميعاً سوريين! وتُظْهر هذه اﻵراء الشرخ الكبير لنسيج الاجتماع السوري، وتحلّل مفاهيم الانتماء والشرعية والسيادة الخ.

بقدر ما يبدو أنّ قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين ـ اسمه الرسمي ـ موجّهٌ ضد دمشق، إلا أنه موجّه بالوقت نفسه ضد روسيا وإيران، ويصب في مصلحة إسرائيل التي تشارك بفاعلية في صياغة التوازنات المحيطة بدمشق وأطراف الصراع السوري اﻷخرى.

في السياق نفسه، تشير المعارك المستمرة في مناطق إدلب وريفها إلى معضلة وطنية أخرى أشدّ التباساً. فهناك جيشٌ وطني كما يُفترض (تدعمه روسيا بحدود معينة) يقاتل القوات التركية التي تعضدها قواتٌ سوريةٌ معارضة (إسلامية الطابع). وهناك اليوم من يستميت بالدفاع عن الوجود التركي في مناطق إدلب وريف حلب، ولا يعتبره احتلالاً مثلما يعتبر الروسي واﻹيراني واﻷميركي. وهناك من يرى أن الوجود الروسي منع انهيار الدولة السورية، دون أن يعتبره احتلالاً، وكل هذا يشير إلى حجم تجاذبات وصراعات “الوطنية السورية” واصطفافاتها في قلب الصراعات اﻹقليمية والدولية.

نموذج آخر تختلط فيه “الوطنية” مع الوضع اﻹقليمي والدولي، يظهر مع الضربات الجوية اﻹسرائيلية على مواقع القوات اﻹيرانية في البلاد، وآخرها ما حدث في السويداء ودير الزور. ولكثير من السوريين (بمن فيهم موالو النظام)، فإن الوجود اﻹيراني في البلاد أصبح عبئاً، ليس بسبب الضربات اﻹسرائيلية فقط، بل وبسبب ما فعلته القوات اﻹيرانية في سياق الحرب السورية من إشعال للنيران الطائفية (ومثلها فعلت قوات المعارضة).

وإذا كان بعضهم (موالاة ومعارضة) يفهم الوجود الروسي ويتقبله (مؤقّتاً على الاقل) كبوابة للحل السياسي، فإنه من غير المقبول مثلاً أن تتدخل إيران في صياغة المناهج التعليمية السورية و”تحديثها”! وتصبح علاقة التبعية بين دمشق وطهران مرفوضة من قبل سوريين يرون في علمانية ومدنية مستقبل بلدهم شرطاً أساسياً للدخول في حل سياسي. ويتوافق في هذا اﻷمر بقايا التيارات العلمانية والقومية وحتى اﻹسلامية.

إلى جانب ما سبق، هناك قضايا لا تقل أهمية جعلت من الوطنية السورية موضع سؤال وشك، فالتعامل مع قضية المهجّرين والنازحين غلبت عليه الحسابات السياسية دون الوطنية من جانب النظام، تجّلت في توجيه النازحين إلى مناطق محددة، وبالمقابل تم استخدام المهجّرين في تغيير ديموغرافية مناطق الشمال السوري، وهو اﻷمر نفسه الذي جرى لبعض المكونات العربية في مناطق الإدارة الذاتية. هذا لو تركنا جانباً المقولة الاستعمارية الموطنة محلياً كرد فعل على النزوح الواسع للسوريين الى خارج البلاد، والتي اشارت الى وجود “سوريا نافعة” (هي الموالية) واخرى التخلص منها يجري بلا أسف!

قانون قيصر

بقدر ما يبدو أنّ “قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين” ـ اسمه الرسمي ـ موجّهٌ ضد دمشق، إلا أنه موجّه بالوقت نفسه ضد روسيا وإيران، ويصب دون شك في مصلحة إسرائيل التي تشارك بفاعلية في صياغة التوازنات المحيطة بدمشق وأطراف الصراع السوري اﻷخرى. يشترط القانون في أحد أبرز بنوده خروج إيران من الأراضي السورية، وهو الطلب المتفق عليه عربياً وأميركياً وأوروبياً وإسرائيلياً، مع الانتقال إلى عملية سياسية سوريّة منبثقة من القرار 2254، وما يقتضيه ذلك من تغييرات في قلب تكوين النظام السوري. وﻷن هذا الأمر يخضع لصراعات القوى اﻹقليمية والدولية وتوازناتها، يُستبعد أن تنفذه دمشق.

كان هناك ترحيبٌ من شخصيات المعارضة البارزة بالقانون باعتباره نتاج نضالهم (الوطني!)، وهي كذبة أنتجوها وصدقوها، وهم من كان يطالب بالتدخل الخارجي منذ سنوات، ويدركون تماماً أن القانون إياه ناتج عن الاستخدام السياسي للمأساة السورية في أسوأ صورها، ويعرفون تماماً ـ مثلهم مثل النظام ـ أن استجابة دمشق للشروط الموضوعة من قبل واشنطن سوف لن توقف تنفيذ القانون، وأن المطلوب استمرار إنهاك البلاد ووصول ما بقي منها إلى ما وصل إليه العراق بعد أكثر من ربع قرن على حصاره، وتنفيذ “قانون النفط مقابل الغذاء”.

ترافق بدء تطبيق قيصر مع اتفاق كُردي ـ كُردي (أوّلي) يُفترض أنه طوى صفحة خلاف تاريخية بين “المجلس الوطني الكُردي” وأحزاب “الوحدة الوطنية الكُردية” (25 حزباً) بدعم وتنسيق أميركي، على الضد من الرغبة التركية. كان اللافت في الاتفاق قوله إنه “تمهيدٌ لاتفاقات تضم مختلف القوى السياسية السورية بغض النظر عن انتمائها القومي” ـ حسب نص الاتفاق ـ وهو ما يبدو “إيجابياً”، لولا أن هناك تصريحات أميركية تقول بعدم تطبيق قانون قيصر في الشمال السوري (وهو ادّعاء يكّذبه وضع الليرة السورية هناك)، وهو ما يعني صبّ مزيد من الشقاق بين السوريين (مولاةً ومعارضة) في وجه الكُرد، والتسبب بمزيد من الاشتعال في منطقة مشتعلة أصلاً. كل ذلك يجعل من التقسيم أمراً واقعاً في ظل الحديث عن اللامركزية والكونفدرالية وغيرها.

ترافق بدء تطبيق قيصر مع اتفاق كُردي ـ كُردي أوّلي يُفترض أنه طوى صفحة خلاف تاريخية بين المجلس الوطني الكُردي وأحزاب الوحدة الوطنية الكُردية 25 حزباً بدعم وتنسيق أميركي، على الضد من الرغبة التركية.

على جانب دمشق، فإن القانون الذي يقيّد حركة كل نشاط مالي، تسبب قبل بدء سريانه بتدهور اقتصادي غير مسبوق، جعل من الواقع المعيشي للسوريين المنكوبين بالحرب (وتوقف النشاط الاقتصادي بسبب جائحة كورونا)، نكبةً مضافة. فلم ترتفع أسعار السلع فقط، بل اختفى قسم منها (400 صنف دوائي)، وبدأ الناس يحجزون صباحاتهم ﻷجل ربطة خبز واحدة، وﻷجل تأمين قوت يومهم بعد فقدان الليرة لحوالي 70 في المئة من قيمتها.

وعلى الرغم من هذا التسارع في تدهور الاقتصاد (والسياسة)، فإن حكومة دمشق وجدتها فرصة لدعوة السوريين إلى مزيد من الصمود والصبر والوقفات التضامنية ضد قانون قيصر، وكأن ما خبروه في السنوات الفائتة لم يكن صموداً! تصريحات مسؤوليهم المنفصلين عن الواقع إلى درجة الدعوة إلى انتخابات لمجلس الشعب ظهر فيها اختراعٌ ديمقراطي جديد اسمه “الاستئناس” سيأتي بالمنتفعين والفاسدين من جديد إلى قبة المجلس. هو استمرار للسياسات القديمة في التعامل مع الواقع الجديد، سواء عند إجبار الموظفين على الخروج اﻹجباري إلى الوقفات التضامنية تلك، أو في الزخ اﻹعلامي الذي يتغنى بصمود من ليس في يدهم أي خيار سوى محاولة الحياة.

يمكن القول، إن “الوطنية السورية” في حالها الراهن، هي في أسوأ وضع لها منذ الاستقلال، وأنها قد تودي بوجود الكيان السوري بشكل لا رجعة فيه. ويشير لقاء روسي جرى مؤخراً مع شخصيات علوية معارضة إلى أن اﻷمر ليس مجرد تخمين، بقدر ما بدأ يتحول إلى سياسات دولية معلنة، ولنا في العراق “أسوةٌ حسنة”.


كمال شاهين، كاتب من سوريا

مصدر المادة منشورة في موقع السفير العربي بتاريخ 6 تموز/ يوليو 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.