قانون قيصر والوطنية السورية (1/2)

61
بقلم: كمال شاهين

في هذا المقال يحاول الصحفي كمان شاهين، مقاربة تفكك الوطنية السورية، بناء على عوامل بنيوية أصيلة وبفعل ممارسات النظام القائم وما تفرضه الحروب والتدخلات الإقليمية والدولية من نتائج.... لنقرأ معاً

منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وحتى اندلاع الحراك في سوريا العام 2011، ساهمت العقوبات الأميركية في تحقيق شكل من أشكال “الوطنية” والتضامن بين السوريين، روّجت لها السلطة على أنها “مقارعة للمؤامرات والمخططات المشبوهة على اﻷمة العربية وليس على سوريا فقط، وتجسيد لصحة النهج الوطني”، بغض النظر اﻵن عن كون هذا التضامن مفروضٌ على الناس ومنسوج على نول السلطة بشكل قمعي يحتكر كل أنواع الاجتماع.

في سياق تلك العقوبات، يأتي قانون قيصر الذي بدأ سريانه منتصف حزيران الحالي. إلا أنه يأتي هذه المرة في ظروف مختلفة كلياً على البلاد، سواء بداخلها أو في محيطها اﻹقليمي والدولي. يعني ذلك أن عدواناً جديداً كهذا سيكون له مفاعيل مختلفة، أبرزها انتقال الصراع السوري – السوري الى عتبات جديدة قد تؤدي إلى تقسيمٍ (ناعم) للبلاد في ظل غياب أي مشروع وطني جامعٍ للسوريين.

سياق الوطنية السورية

حتى اليوم، ما يزال مفهوم الوطنية السورية غائماً، يصعب وضعه ضمن منظومة محددة الملامح. ولا يتعلق اﻷمر بالمنتج الفكري (الديماغوجي) للبعث الذي وضع العروبة واﻹسلام والوطنية في بقجة واحدة، بل هو يرتبط بالممارسة اليومية في السياسة والاقتصاد وغيرها. ويمكن رؤية ما جرى في سنوات الحرب السورية الفائتة على أنه تجسيدٌ حيٌّ لهذا الضياع.

في إطارها المرجعي، وكما في كل مكان آخر، تضم الوطنية في سوريا تنويعة من الهويات الفرعية القائمة في المجتمع، وهذا ما يجعل واقعية وحياة الوطنية السورية واستقرارها منوطان بالتعددية في جانبها اﻷكثر ضرورة للحياة المشتركة.

لقد أثّرت بنية المجتمع السوري، المتناقضة على مستويات متعددة، أفقية وعمودية، حضرية وريفية، مدينية ودينية وطائفية وعشائرية وغيرها.. على مسار تشكّل الهوية الوطنية إذ تحوّلت إلى عناصر إعاقة بسبب استخدامها وتوظيفها من قبل السلطات الحاكمة التي مارست تخريباً ممنهجاً لعلاقات تاريخية مجتمعية واستبدلت تطوراً طبيعياً بآخر مشوّه مبنيٌّ على الولاء والبراء السياسي والديني.

يمكن للإنسان أن يحمل هويات متعددة (دينية أو قومية أو ثقافية أو مناطقية…الخ)، إلا أن المواطنة الفاعلة تتأسس في فضاء دولة جامع ومفتوح، يُفترض به تعريفاً ومبدئياً أن يقبل الآخر أياً تكن هويته.

إذا كان بعضهم في الموالاة والمعارضة على السواء يفهم الوجود الروسي ويتقبله مؤقّتاً على الاقل كبوابة للحل السياسي، فإنه من غير المقبول مثلاً بشكل عام في البلاد أن تتدخل إيران في صياغة المناهج التعليمية السورية وتحديثها!

بالمقابل، لم تستطع البنى المقدّمة كبدائل في الممارسة اليومية (تجربة المزارع الاشتراكية في السبعينيات وكذلك الحزب أو التنظيمات “الجماهيرية” المختلفة) أن تقنع الناس بالخروج من عباءات الجغرافيا والتاريخ. فقد كان تأثيرها ضعيفاً بحكم تشوهها اﻷصلي الناجم عن نقلها عن تجارب شعوب أخرى وتحوّلها في الممارسة إلى شكليات فارغة الجوهر أعادت إنتاج العلاقات القديمة بثوب جديد.

يرى بحث حديث حول سوريا(1) أن علة العلل في سوريا ما بعد الاستقلال هي تشتت “هوية” التيارات السياسية نتيجة اختلاف المرجعية الفكرية (المشروعة) واختلاطها بعلّة العشائرية والإثنية على أرض الواقع، وتَعارض مصالح البرجوازيات الجديدة الحاكمة والبرجوازية ذات الأصول الإقطاعية. وبالتالي فقد بقيت مسألة الهوية والانتماء الوطني موضوعاً للانقسام والتناحر بين الأحزاب السياسية، وهو ما لم يسمح بالاتفاق على قواعد إدارة العملية السياسية، وبناء مؤسسات دولة جميع المواطنين.

لقد استثمرت السلطات السورية في البنى اﻷولية للمجتمع، وساقتها بالاتجاه الذي ترغب به، وما تزال تفعل إلى اليوم، دون أن تقودها إلى الوطنية التي تحقق اانتماء الفعلي (القانوني واﻹنساني). فقد بقي صراع الكتل الدمشقية ـ الحلبية على قيادة البلاد معلماً رئيسياً من معالم تشكيل الحكومات التالية للاستقلال، وكان استبعاد الريف (واﻷقليات) من صناعة القرار الوطني، بما في ذلك ما يتعلق بشؤونه اليومية (الزراعية والإنتاجية)، أحد اﻷسباب التي قادت إلى انفجارات متتالية آخرها عام 2011.

الوطنية في سنوات الجمر

يوجد اليوم في سوريا ثلاث إدارات سلطوية كُبرى (إن لم يكن أكثر) تعمل إلى حد كبيرٍ بالتضاد مع بعضها البعض، ولكل منها رؤيتها لسوريا الحالية والمستقبلية، ولكلّ منها “وطنيتها” وأسبابها التي تزاود بها في علاقتها مع الآخرين.

تفككت “شرعية” السلطة المركزية بعد تفكك شرعيات مؤسسات الدولة وفقدان ثقة الناس بها وباعتماديتها، ليس في المناطق الواقعة خارج سيطرتها، حيث تم تدمير كثير من مؤسسات الدولة بقصدية واضحة (صوامع الحبوب مثالاً)، بل في مناطق سيطرتها، حيث تفشى الفساد والاعتقال العشوائي والنهب المنّظم والابتزاز والتعفيش والسرقة، مع تنامٍ كبير لسلطة الميليشيات العسكرية.

وفي المناطق، تراجعت فيها قدرة مؤسسات الدولة على تلبية احتياجات السكان اليومية، في ظل تقطع شرايين البلاد الاقتصادية والمعارك الطاحنة على امتداد 60 في المئة على الاقل من البلاد، خاصة بعد نزوح ملايين المهجرين باتجاه مناطقها (مما تقّدره مصادر أممية ب80 في المئة من السكّان)، مترافقةً مع ارتفاع كبير في أعداد ضحايا الحرب، والشباب أولّهم جراء استنزافهم على مدار عقد كامل من قبل المؤسسة العسكرية وميليشياتها، مع ما يشير ذلك اليه من تسارع في الفقد السكاني ﻷهم شريحة منتجة في المجتمع، وازدياد انتشار شرائح أكثر اعتماداً على اﻹعانات ودعم الجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني (غير المعترف بعملها رسمياً) على حساب كثير من مؤسسات الدولة التي أصبحت شبه خاوية من الموظفين والمنتجين.

هياكل محلية جديدة: مؤقتة أم دائمة؟

إلى جانب فقدان السوريين ثقتهم بالدولة وشرعية مؤسساتها، أتاحت اﻷزمة الطاحنة منذ 2011 ظهور عدد كبير من هياكل السلطات المحلية في مختلف المناطق، بما في ذلك مناطق سيطرة الحكومة، قدّمت نفسها على أنها بديل (شرعي ووطني) للمؤسسات السابقة الموسومة بالفساد وشبكاته. ومع مرور الوقت، أصبحت سلطةٌ يوميةٌ حاضرة وفاعلة، ومتجّذرةٌ في بيئتها بحكم فراغ السلطة المركزية من جانب، وبحكم كونها بديلاً أكثر تماساً مع حاجة الناس.

كانت التجربة اﻷكثر وضوحاً لظهور مؤسسات وهياكل بديلة للدولة، تجربة اﻹدارة الذاتية لشرق وشمال سوريا، حيث طبّقت نموذجاً مختلفاً تماماً عن نموذج الدولة السورية التاريخي (الاشتراكي ـ المركزي) وأعادت هيكلة المؤسسات في منطقة واسعة تشمل ثلاثاً من أغنى المحافظات السورية بالموارد، الحسكة والرقة وشمال حلب، ودمجتها في نظام فيدرالي واسع الصلاحيات ضمن كيان يُدار من قبل مجلس أعيان مشترك القوميات. كما شكّلت نوعاً من اﻹدارة لموارد ومكوّنات المنطقة، يختلف كلياً عن التوجه المركزي السابق الذي شاب إدارته اﻹهمال والفساد لسنوات طويلة.

في إطارها المرجعي، وكما في كل مكان آخر، تضم الوطنية في سوريا تنويعة من الهويات الفرعية القائمة في المجتمع، وهذا ما يجعل واقعية وحياة الوطنية السورية واستقرارها منوطان بالتعددية في جانبها اﻷكثر ضرورة للحياة المشتركة.

وهذا خلق نموذجاً استطاع الحياة عبر سنوات الحرب بمعزل عن الخسائر في البنية التحتية، دون نسيان أن الاحتلال التركي، لمساحات واسعة من المنطقة والعمليات العسكرية المتتالية منذ العام 2016 على تلك المناطق، تسبب في وقوع تحولات كثيرة في بنية تلك التجربة. وصحيح أن تلك التجربة ما كان لها أن تستمر في الحياة لولا الدعم اﻷميركي وتوفير نوع من الغطاء اﻷمني لها، في ظل صراعات مستعرة بالقرب منها، ورفض لها من قبل الحكومة المركزية التي رأت فيها انقلاباً على شرعيتها من جانب، وانقلاباً على نموذجها في إدارة البلاد عبر المركزية المفرطة.

كانت العلاقة مع دمشق واحدةً من المسائل الرئيسية في دعوة الإدارة الذاتية إلى تشكيل مفهوم جديد للوطنية في الدولة القادمة، مبني على تصوّر مختلف عن التصور القومي العربي البعثي المنشأ، يتمثل في الاعتراف المطلوب بوجود قوميات أخرى (ليس الكُرد وحدهم) ولغات أخرى (السريانية والكُردية وغيرها)، وثقافات أخرى. حتى أن بعضاً من هذه العناصر تقع خارج المنظومة الإسلامية الرسمية (اليزيدية مثلاً)، وهو ما تمّ تظهيره في تلك التجربة، على الرغم من وجود بعض التطلعات القومية الكُردية نحو الانفصال.

التحدي الثاني للوطنية السورية بمعناها القومي ـ البعثي جاء من مناطق سيطرة المعارضة المسلحة على مناطق شمال وغرب البلاد (إدلب والباب وتل أبيض وغيرها)، حيث تمت تنحية الوطنية السورية لصالح عصبيات ما قبل وطنية، إسلامية بالدرجة اﻷولى، تقبل الاحتلال التركي وتدافع عنه وتتعامل معه بالضد من بقية الهويات اﻷخرى. يتضح ذلك في عملية إسكان مهجّري ريف حمص والقلمون في مدينة عفرين ذات الغالبية الكردية، ومشاركة مقاتلي المعارضة المسلحة في عمليات الجيش التركي ضد “قوات سوريا الديمقراطية” واعتبارها إرهابيةً وفق التصور التركي، وكذلك عملياتها ضد الجيش السوري في مناطق مختلفة.

أحد أوضح خسارات الوطنية السورية جاء من قبول سكان تلك المناطق التدابير التركية في استبدال العملة الوطنية بالليرة التركية (وهو ما يجري على قدم وساق هناك)، سبقها، التأسيس لبنية تحتية مرتبطة بالدولة التركية من الاتصالات والتعليم والطرقات والشؤون المدنية والاقتصادية، وهو ما يؤشر إلى وقوع قطيعة مع المتحد السوري المعرّف بحدود سايكس بيكو. وهذا يقود إلى سهولة تحقق التقسيم الناعم في قادم الوقت، بخروج مناطق واسعة من البلاد من إمكانية الدخول في الحل السياسي.


هوامش
(1) خلود الزغيّر‎، “سورية الدولة والهوية: قراءة حول مفاهيم الأمّة والقومية والدولة الوطنية في الوعي السياسي السوري” ( 1946-1963)، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ‎، 2020 بيروت.

مصدر المادة منشورة في موقع السفير العربي بتاريخ 6 تموز/ يوليو 2020
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.