قاسيون يفتقد أنوار الغوطة

محطات من التغريبة الشامية (10)

الأيام تمر مسرعة تأكل أجزاء من أعمارنا دون أن نشعر، كما الجوع فتك بنا وأصبح يأكل من أجسادنا وصحتنا، عجلة الحياة شبه متوقفة، المحال مغلقة، المدارس أوصدت أبوابها في وجه الطلاب، فلا رواتب للمعلمين ولا أمكانية للأهالي في تحمل تكاليف التعليم، ولا تحمل الفراق في حال حدوث فاجعة.

الأيام السورية؛ نور الشامي

ما أصعبه من شعور حين تحيط بك صرخات استغاثة ونحيب وبكاء وأنت عاجز كل العجز عن فهم ما يجري، وعاجز عن المساعدة حتى في خضم الضجة التي ملأت الحي وطلبات النجدة، هدوء ساد المكان قليلا مما جعلني أتوقع موت أحد ما، لكن أصوات التهليل والتكبير بدأت تصدح عاليا، لقد أنقذ ذلك الشاب الشجاع الطفل، وخرجا سالمين من ذلك البئر اللعين الذي تكرر سقوط الأطفال فيه، وسقط فيه بعد ذلك أحد الكلاب ومات، فقرر أهل الحي ردمه والبدء بحفر بئر جديد لعله مياهه تكون أنقى.

عدت إلى غرفتي فرحة كل الفرح بنجاتهما، لكني أشعر بغصة عميقة، أي ذنب اقترفناه لتعود بنا الأيام وتتراجع إلى الوراء، وتتخلى عنّا الناس والأمم، أي جزاء نلاقيه والدول على مشارف كواكب أخرى ودراسات جديدة، ونحن عدنا نرفع الماء بالحبال والأوعية، أي عتمة غطت الغوطة؟

العتمة تلف قاسيون

فحين كنت أنظر من على سطح البناء نحو قاسيون المتلألئ بمختلف الألوان، أتذكر أيام الخوالي حيث كان هذا الجبل الشامخ ملاذاً لنا نرى فيه دمشق بلوحة ليلية، يحكي كل ضوء منزل فيها حكاية طويلة وكأنها عكست صورة السماء مع إضاءات المنازل الأخرى؛ لتظهر النجوم بأضواء تلك البيوت الشامية نجوما أرضية وكأنها امتداد لنجوم السماء.

تذكرت حين وقفت ذات مساء لأرى الشام وأشم عبق ياسمينها، تساءلت في نفسي ترى كيف المنظر الآن من هناك وجزء كبير من تلك اللوحة أصبح مظلم وكأنه غير موجود، وكأنهم دفنوا الغوطة في قبور العتمة والظلام والظلم وشعبها مازال ينبض بالحياة، وكأن لذلك الجبل ثأر معنا حين تحول من منطقة سياحية ورمز للثبات والقوة إلى شبح همجي يلفظ خبث وكره وقذائف قوات أسد نحونا ويمطرنا يوميا بمئات القذائف دونما رحمة.

بيتي أمانة برقبتكم

غارقة أنا في تلك الأفكار والذكريات وطرقات الباب تعلو وتعلو لم أكن منتبهة لها، فتحت الباب لزوجي الذي سألني بشيء من الغضب “شو عم تعملي” وبينما هممت بالإجابة طرق الباب مجددا، إنها جارتنا المسنة، دخلت متوترة بعض الشيء تريد أن توصينا بشي مهم، جلسنا نستمع لها بينما وضعت إبريق(الكمون) على الموقد حيث كنا نستخدم الموقد للتدفئة وصنع الطبخ وصنع المشروبات، فقد اختلفت مشروباتنا وبتنا نشتاق للشاي والقهوة والسكر وما إلى ذلك، وكانت تلك المشروبات ضربا من ضروب الرفاهية في حال وجدت اساسا.

سألت أم رامز قائلة لها: “خير خالة شبك في عندك حكي اتفضلي عم نسمعك”.

فقالت مهمهة وعيانها المجعدتان تغرق ببقايا دموع أعتقد أنها كانت قد بكتها قبل قدومها إلينا بقليل: “أنا يا بنتي كبرت وأولادي مغتربين ما عندي إلا واحد ضل بالقابون وبدي اطلع لعنده وتاركة بيتي أمانة برقبتكم”.

لم استغرب حديثها فهي من أبناء القابون في الأصل، وكانت هذه المناطق (القابون _ برزة) على مشارف توقيع هدنة بدأ الحديث عنها منذ خروج الثوار الذين كانوا محاصرين فيها، حيث كانت هذه الهدنة بسبب ضغط كبير على الثوار من أهالي هذه المناطق المتواجدين في العاصمة دمشق في بيوت الإيواء أو في بيوت مستأجرة بينما منازلهم على بعد بضعة كيلو مترات، وضغط من جهة أخرى من أهالي برزة والقابون الموجودين فيها حاليا بسبب تعبهم من طول الحصار والقصف المستمر، فكان الحل بقبول هذه الهدنة، التي نصت على وضع حواجز مشتركة من قوات الأسد والثوار.

طريقة الخروج من الغوطة المحاصرة

سألتها كيف سيكون طريق الذهاب إلى القابون؟ فالغوطة محاصرة لا مجال للخروج إلا من معبر الوافدين ـ وهو معبر حدودي على أطراف الغوطة الشرقية من جهة منطقة دوما الريحان ـ لكن الخروج منه مكلف للغاية، ويتم بعد التفاوض مع الضابط المناوب على المبلغ المحدد ليسمح للذين يريدون الخروج بالذهاب، آمرا القناص المتواجد على أحد الأبنية بتركهم يمرون دون أذى.

أخبرتني أنهم سيخرجون من معبر منطقة حرستا التي كانت تخضع لتهدئة مؤقتة، حيث كان الناس يبيتون ليال طوال أمام العساكر والضباط في ذلك المعبر حتى يسمحوا لكبار السن والنساء والأطفال بعد طول معاناة بالمرور.

شق عليّ كلامها، أي تعب وإهانة وسوء معاملة ستتلقاها هذه المسنة الوحيدة؟! وأي وحشة فتكت بها حتى أرغمتها خوض هذه المغامرة، دعوت لها بالخير وبقينا نؤنسها بأحاديث مسلية علها تشعر ببعض التحسن.

الأيام تلتهم ما تبقى من أعمارنا

الأيام تمر مسرعة تأكل أجزاء من أعمارنا دون أن نشعر، كما الجوع فتك بنا وأصبح يأكل من أجسادنا وصحتنا، عجلة الحياة شبه متوقفة، المحال مغلقة، المدارس أوصدت أبوابها في وجه الطلاب، فلا رواتب للمعلمين ولا أمكانية للأهالي في تحمل تكاليف التعليم، ولا تحمل الفراق في حال حدوث فاجعة، فكثيرا ما كانت قوات ميليشيا أسد تركز القصف على المساجد والمدارس وأماكن التجمعات كالأسواق العامة مخلفة بقصفها هذا عشرات الشهداء ومئات المصابين والآلاف المتعبين الخائفين.

المزيد للكاتبة

وهكذا إلى أن حدث ذات مساء حين كنا أنا وزوجي جالسين بالقرب من النافذة، واضعين الهاتف الجوال على حرفها محاولة منا في تحسين جودة الشبكة لنجري اتصالا هاتفيا مع أهله، وفجأة صوت مخيف لا أجيد وصفه خمنت أنها سيارة مسرعة قلبت على ظهرها وبقيت مستمرة في الانزلاق، هكذا خُيل إلي لأرى زوجي يمسك يدي ويصرخ قائلا بسرعة، من شدة خوفي بقيت اقفز من على الكنبات في حالة هلع انظر حولي مصغية بشدة الى الصوت، هي ثواني معدودة ليسحبني من يدي راكضين نحو الغرفة الداخلية ويدفعني الى إحدى زواياها.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.