في يوم من الأيام

مختارات من قصص زكريا تامر

في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.

زكريا تامر(موقع التجدد)

سنضحك.. سنضحك كثيراً *

في يوم من الأيام، اقتحم رجال الشرطة بيتنا، وبحثوا عنّي وعن زوجتي، ولم يتمكنوا من العثور علينا لأنّي تحوّلت مشجبًا، وتحوّلت زوجتي أريكة يطيب الجلوس عليها. وضحكنا كثيرًا عندما خرجوا من البيت خائبين.

وفي يوم من الأيام، كانت السماء زرقاء لا تعبرها أي غيمة، فقصدنا أحد البساتين، فإذا رجال الشرطة يدهمون البستان بعد دقائق طامحين إلى الإمساك بنا، ولكنهم لم يوفقوا لأنّي تحوّلت غرابًا أسود اللون، دائم النعيب، وتحوّلت زوجتي شجرة خضراء، غزيرة الأغصان. وضحكنا كثيرًا من إخفاقهم.

وفي يوم من الأيام، تذمرت زوجتي من عملها في المطبخ، فذهبنا إلى أحد المطاعم، وما إن بدأنا نأكل حتى طوّق رجال الشرطة المطعم، واقتحموه عابسي الوجوه، وفتشوا عنّا تفتيشًا دقيقًا، ولم يجدونا لأنّي تحوّلت سكينًا، وتحوّلت زوجتي كأسًا من زجاج ملأى بالماء. وضحكنا كثيرًا لحظة غادروا المطعم قانطين.

وفي يوم من الأيام، كنّا نسير الهوينى في شارع عريض مزدحم بالناس والسيارات، نتفرج على ما في واجهات الدكاكين من سلع، فإذا رجال الشرطة يحتلّون الشارع، ويعتقلون المئات من الرجال والنساء، ولكنّهم لم يستطيعوا اعتقالنا لأنّي تحوّلت حائطًا، وتحوّلت زوجتي إعلانًا ملوّنًا ملصقًا بحائط. وضحكنا كثيرًا من غباوتهم.

وفي يوم من الأيام، ذهبنا إلى المقبرة لزيارة أمّي، فهاجم رجال الشرطة المقبرة، وقبضوا على أمّي، ولم ينجحوا في القبض علينا لأنّي تحوّلت كلمات رثاء مكتوبة بحبر أسود على شاهد قبر، وتحوّلت زوجتي باقة من الورد الذابل. وضحكنا كثيرًا من سذاجتهم.

وفي يوم من الأيام، هرعنا إلى المستشفى متلهفين، فزوجتي حامل في شهرها التاسع، وآن لها أن تلد. وما إن دنا فم طفلنا من ثدي أمه الطافح بالحليب حتى انقضّ رجال الشرطة على المستشفى، ولكنّهم عجزوا عن الاهتداء إلينا لأني تحوّلت رداءً أبيض وسخًا، وتحوّلت زوجتي مرآة خزانة خشبية ملأى بالثياب، وتحوّل طفلنا بوقًا لسيارة إسعاف مسرعة.
وضحكنا كثيرًا من بلاهتهم، وسنظلّ نضحك.

اللوحة للفنان نذير نبعة(الفن التشكيلي السوري)

المرايا **

لم يكن فؤاد غير رجل شديد الشبه بالرجال الاخرين، يوشك قلبه أن يتوقف عن الخفقان كلما رأى امرأة جميلة، وقد قال لعائشة المرأة الرشيقة إنه يحبها، وقال لصباح المرأة السمراء إنه يحبها جدا، وقال لنهلة المرأة الشقراء إنه يحبها للغاية، وقال لحنان المرأة الناصعة البياض إنه يحبها حتى الموت، وقال لفدوى المرأة المكتنزة إنه يحبها الى الأبد، فكان رد كل واحدة مختلفا عن الأخرى، ولكنهن اتفقن من دون أن يلتقين على أنه ليس بالجندي الباسل المؤهل لانتزاع النصر في معارك حاسمة، فازدرى فؤاد النساء الخمس، ولكنه أيقن أن الفوز بالنساء يتطلب منه أن يضيف إلى كلامه معهن جرعة من الجرأة المهذبة، فحملق إلى نهدي مريم المرأة الشبيهة بالنار، وقال لها: “أنا أحب تسلق الجبال”.

وحملق إلى بطنها، وقال لها: “وأنا أحب النزول الى الأودية”.

فقالت له مريم عابسة الوجه، ساخطة الصوت: “أراك كسولا تكتفي بالكلام وحده من دون أن تتسلق جبالا أو تهبط أودية”.

فاقتنع فؤاد ان النساء قد تبدلن وتشوهن وصرن غير صالحات للفحول من الرجال، وتزوج رئيفة المرأة التي كانت تنقب في أعماق الأرض عن رجل يتزوجها، ولكنها طلبت الطلاق منه بعد أسبوع واحد من زواجهما، فاستغربت صديقاتها ما حدث، وألححن عليها أن تحكي عن سبب محدد، فاكتفت بالابتسام الماكر والقول إن زوجها كان دائم الوقوف أمام المرايا، وإنها سمعت رعداً ورأت برقاً، ولم ينهمر أي مطر.

مصدر * من مجموعة: سنضحك، دار رياض الريس، بيروت، 1998. ** من مجموعة: تكسير ركب، دار رياض الريس، بيروت، 2002.
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.