في غُرّفة التحقيق

تعرف على أسلوب الترهيب الذي تتبعه أفرع الأمن والمخابرات التابعة لنظام الأسد مع من فضل البقاء في مدينته على التهجير نحو الشمال.

الأيام السورية: سمير الخالدي

ألملم ما تبقى من ذكريات نجت من قصف قوات الأسد داخل منزلي المدمر وأحاول نسيان ما حلّ بي مع أسرتي خلال سبعة أعوام خلت من عمر الصراع الدائر في سوريا، لم يكن هناك الكثير لأجمعه.. ثريا مكسّرة ما تزال تُصّر على البقاء متدلية من السقف على الرغم مما حل بها من تشوّه، وعلاقة ملابس على جانب الصالون وأخرى للبشكير في مدخل المطبخ، وبعض أواني الطبخ التي لم تطلها يدّ اللصوص الذين خلعوا الأبواب والشبابيك وحتى أشرطة الكهرباء من الجدران.

سعيد بعودتي لمدينتي.. حزين على ما فقدت من أصدقاء.. متأثّر على ما وجدت من حطام داخل منزلي الذي لم أسكنه سوى عام ونصف قبل انطلاق الثورة السورية والتي شاركت بها بكل جوارحي، لم أفوت الفرصة بالعمل السلمي من مظاهرات ومساعدات إغاثية بادئ الأمر لينتهي بي المطاف كناشط إعلامي يحاول أن ينقل جزء مما يعانيه المدنيون بمعداته المتواضعة.

ما بين فكرة تأتي وأخرى ترحل يرنّ هاتفي.. إنه أبي يسألني بلهفة أين أنت؟ أخبرته بالمنزل أجابني بسرعة أخرج من المدينة فالأمن يبحث عنك.. تلعثمت لبرهة ولم أشأ أن أشعره بذلك (بسيطة حجي لا تشيل هم الأمور محلولة إن شاء الله) بهذه الكلمات أنهيت المكالمة وأعدّت التفكير لدقائق أين أذهب؟ وأين سأترك أطفالي وزوجتي التي تحملت ما تحملت خلال أعوام الثورة ووقوفها إلى جانبي من خلال دعمها لمواقفي وما أقوم بفعله، أصبحت غريباً في وطني وفي مدينتي، أصحاب الأمس ربما يصبحون أعداء اليوم.. ربما يشي عليّ أحدهم إن رآني.. ربما يجدوني صفقة رابحة لتعزيز موقفهم مع أفرع الأمن التي بدأت بالبحث عني، أفكار كأمواج البحر بدأت تراودني وما الحل لا أدري.

ثائر الحمصي أحد نشطاء مدينة تلبيسة روى قصّته للأيام السورية قائلاً: لم أرغب بالخروج نحو الشمال السوري عندما هُجّر الريف الحمصي في شهر مايو/ أيار من العام الجاري وقررت الذهاب إلى ريف حماة الشرقي عند أقاربي ريثما تتضح معالم الأمور، بعد مضي نحو شهر ونصف تواصلت مع عدد من أصدقائي الذين بقوا في المدينة وبعد سلسلة من التطمينات عدّت إلى منزل عائلتي، وما إن بدأت بترتيب الأوضاع حتى أتاني تبليغ بضرورة مراجعة فرع الأمن السياسي.

لقد علموا بقدومي كيف ومتى لا أدري لكنّهم عرفوا بذلك، اتجهت على إثرها إلى أحد وجهاء المدينة والذي تربطني به علاقة وثيقة لأبعد الحدود وهو على علاقة جيدة بأفرع الأمن، أخبرني: (لا تقلق الأمر مجرد روتين وسيتم حلّ الإشكال بشكل بسيط) … وثقّت به واتجهنا في اليوم التالي إلى مفرزة الأمن وتم استقبالنا بحفاوة ليس كرم أخلاق منهم وإنما للعلاقة المتينة التي تربط الشخص الذي رافقني مع ضباط المفرزة.

مكتبهم كان فيما سبق يعرف بالمجلس المحلي للمدينة… أزالوا علم الثورة واستبدلوه بعلم نظام الأسد …. وعلت الطاولة صورة تجمع الأسد وبوتين معاً، جلس المحقق إلى جانبي وسألني متى عدّت إلى المدينة؟ أخبرته أني لم أخرج منها وإنما كنت أسكن على أطرافها، تمتم للحظة لم أفهم ما قاله، وباشر بالسؤال كنت تعمل في مجال الإعلام فما مدى علاقتك بداعمي المسلحين ومع أي الجهات كنت تنسق بشكل مباشر للإدلاء بالمعلومات؟ أجبّته لم يكن لي أي تواصل مع الداعمين وأنا اخترت العمل في المجال الإعلامي لما له من وقّع في نفسي وأني فضّلته على حمل السلاح لإيماني بأن القتال لن يُجّدي نفعاً.

بادرني المحقق بالسؤال مجدداً لماذا لم تخرج مع أصدقائك لمدينة إدلب وما الذي دفعك على البقاء هاهنا؟ قلت: هنا أرضي ومنزلي وعائلتي وليس لي في الشمال السوري أي شيء أفعله، ناهيك عن علاقتي السيئة لأبعد الحدود مع تنظيم الإخوان المسلمين وجبهة النصرة وحركة أحرار الشام؛ نظراً لمناهضتي لمشرعهم في سوريا ولا سيما في مدينتي وأن محاولة خروجي إلى هناك هو بمثابة انتحار مؤكد.. تقهقه بصوت عال وقال إذا نحن أفضل منهم أليس كذلك؟ ها أنت بيننا ولم نمسسك بسوء لغاية الآن، ليتدخل الشخص الذي قدم معي ويقول ( ثائر من عضام الرقبة لا تشيل هم) وهنا فهمت ما يجب عليّ فعله وقمت بدفع مبلغ مالي “حق فنجان قهوة” ليخلي سبيلي ويقول يجب أن نراك بشكل دائم.

هم لا يريدون النشطاء وأخر همّهم أن يُلّقوا القبض عليهم، وحتى أنهم لا يريدون تطبيق القانون بل إن جل همهم أن يجمعوا أقصى ما يستطيعون من أموال على حساب رعب الأهالي وتهديدهم بفتش ملفات الماضي وما حصل من أحداث خلال أعوام الثورة.

الآن وبعد مضيّ نحو شهر على استدعائي للمرة الأولى تفاجأت بقدوم إحدى الدوريات الأمنية لمنزل عائلتي وسؤالهم عني مع إبلاغ والدي بضرورة مراجعتي لهم في المفرزة خلال فترة 48 ساعة، ولا أعلم السبب وراء ذلك لدرجة أني بتّ في حيرة من أمري، لست الوحيد هذه المرة الذي تمّ إبلاغه بالمراجعة فقد اتصل بي معظم أصدقائي الذين قرروا البقاء في المدينة بموجب الوعود التي قدّمها نظام الأسد وحليفه الروسي أثناء المفاوضات، وأخبرني بوصول تبليغات رسمية لمنازلهم تخبرهم بضرورة مراجعتهم ايضاً.

ما الذي سيحصل لا أدري لم أتّخذ بعد قراري ربما أغادر المدينة مجدداً وربما أتوصل لحل يضمن سلامتي بالذهاب والعودة كالمرة السابقة، لكنني آمل أن تسير الأمور على خير.. وللقصة بقية.

مصدر خاص الأيام السورية
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.