في غرفة التوليد

محطات من التغريبة الشامية ٢٢

نزلت متتبعة درجات القبو العميق، لم أتوقع ما سأرى، وجدته عبارة عن قبو كبير جدا مقسم إلى ثلاثة أقسام تفصل بينها ألواح خشبية، الأسرّة فيها كأسرّة السجن المتقابلة، لا مجال للخصوصية، ولا مجال للهدوء أيضا، اعتراني القلق، البرد الذي يأكل الجدران الرطبة بدأ يتسلل إلى جسدي.

الأيام السورية؛ نور الشامي

لم تكن مطالبتنا بالحرية خطيئة، بل حالة تحرر بعد كبت وضياع وخوف من أن نخدش حياء السلطة ورموزها في مخدعها، حيث تحاك أكبر الصفقات المخفية الموشحة بعبارات الممانعة والمقاومة، نحن الذين مشى على جثثنا وجروحنا مصالح وامتيازات دولية، هناك في غوطة الحصار حيث الكرامة والعزة أغلى من الأرواح.

اختبار الأمومة

مع عودة الشتاء بت أترقب لحظة احتضاني لطفلتي لأختبر فيها الأمومة لأول مرة، بعد مرحلة عسيرة على كل امرأة حامل ومريض في ظل هذا الحصار.

في صباح أحد الأيام ومع نسمات الفجر الباردة أيقظني زوجي على غير عادته من أجل الذهاب لإجراء فحص نطمئن به عن الطفلة، وأرى المستشفى الذي ستتم فيه الولادة لاحقا، طلب الذهاب فجأة وبدون حديث مسبق عن ذلك، لم أناقشه ولم أعترض، لعله يعلم بعمل عسكري جديد قد يشنه النظام على الغوطة هكذا حدثت نفسي، ذهبنا إلى البلدة المجاورة ـ حيث توجد المستشفى ـ سيرا على الأقدام.

في كل مرة أمشي فيها يصدمني منظر جديد لأبنية متهدمة، ففي كل زاوية وشارع خراب جديد، يحكي قصة غارة أو صاروخ دمر بيتاً، وهدم حلماً، وكسر قلباً وغيَّب سنداً.

مع نهاية هذه الأفكار التي تأكل رأسي دائماً وصلنا إلى ذلك المستشفى، كان القصف سابقا قد لاحق هذه المستشفى حين كانت مجهزة بأجهزة وبناء حديث، طالته قذائف أسد عدة مرات حتى دمرته بشكل كلي، فتم نقله من بلدة (سقبا) إلى بلدة (حموريه)، وكونه مشفى خاص بالنساء بقي زوجي في الشارع منتظرا.

نزلت متتبعة درجات القبو العميق، لم أتوقع ما سأرى، وجدته عبارة عن قبو كبير جدا مقسم إلى ثلاثة أقسام يفصل بينها ألواح خشبية، الأسرّة فيها كأسرّة السجن المتقابلة، لا مجال للخصوصية، ولا مجال للهدوء أيضا، اعتراني القلق، البرد الذي يأكل الجدران الرطبة بدأ يتسلل إلى جسدي، توجهت إلى مكان الاستعلامات فوجدت صديقاتي وزميلاتي في عملي السابق موجودات هنا فيتبدل برؤيتهن حالي وتكسوني الطمأنينة والراحة، سلمنا على بعضنا بشوق وحرارة.
أسأل عن إحدى الزميلات ليخبرنني أنها استشهدت في آخر قصف طال المستشفى قبل نقله، أحزنني الخبر رغم أنه ليس بالجديد، فكان ديدن النظام قصف التجمعات والاسواق والمدارس والمشافي، وكنا قد فقدنا العديد من الكوادر الطبية والتعليمية بسبب ذلك.

نعمة الموت بدون أن نعلم

أتت الطبيبة أخيرا لإجراء الفحص، وفور نظرها إلى جهاز التصوير(الايكو) أخبرتني أننا بحاجة لإجراء عملية قيصرية مستعجلة لإنقاذ الجنين الذي التف على عنقه الحبل السري وقد يسبب له الاختناق، غلبتني العبرات واختلطت علي الأمور، فتحاول الطبيبة شرح الموقف أن كل شيء بخير لكنه من الأفضل إجراء الولادة غدا صباحا فاليوم لا يوجد سرير فارغ فقد اكتمل العدد، ودعت صديقاتي وطلبت منهن أن يبقين معي غدا، وعدت إلى بيتي لأنهي ترتيبه وترتيب مكان الطفلة، وكل ما يشغل تفكيري هو العمل الجراحي الذي لم يكن شيئا غريبا، إلا أنني في دور المريض وليس الممرض، انظر إلى زوجي وكأنني أراه للمرة الأخيرة، لأدرك فجأة نعمة الموت بدون أن نعلم متى وكيف سيكون، وكم أننا محاطون بالموت دائما إلا أنك حين تشعر أنك قد تنام ولن تستيقظ بعد التخدير فكرة مخيفة بحد ذاتها.

شبح الموت يحوم بحينا فجأة بعد صفير صاروخ (الفيل)، لكنه أصبح شيئا معتاد، وكأن مكان مربض قاعدة الصواريخ هذه لم تكن دقيقة الموقع فمنذ أسبوع تسقط الصواريخ في الأرض القافرة التي في نهاية الشارع، دون أي إصابات.

عند المساء أتت والدتي، ستنام عندي الليلة أظن أنها تعيش نفس الرعب الذي اختبره، الخوف من الخطأ الطبي الذي انتشر بشدة بسبب قلة اليد المختصة وقلة الكوادر بشكل عام، تحاول أمي أن تخبأ خوفها لكنها تفيض حناناً فكيف ستستطيع كتمان ذلك؟

يمضي الليل ببطء شديد وأنا أراقب حركة الطفلة اتباعا لتعليمات الطبيبة، وأخيرا حان الموعد للذهاب، استيقظ الجميع فوجدوني قد هيأت نفسي واستعددت للذهاب، وانطلقنا معا وبالتأكيد سيرا على الأقدام، أصوات القصف تصدح في الأفق لا يبدو أنه نهار هادئ كما كنت أتمنى، أمي وأختي وزوجي يتبادلون الحديث وأنا أوزع الابتسامات عليهم ولكن قلبي يكاد أن يتوقف رعبا من اشتداد القصف ومما ينتظرني.

تبادل الأدوار

وصلنا أخيرا ونزلنا لأجد عددا كبيرا من الحوامل بإنتظار الطبيب أيضا، حدثتني إحدى الحوامل أنها كانت تبحث عن هذا الطبيب خصيصا بسبب خبرته فقد أنجبت ثلاثة أطفال بعمليات جراحية عند نفس الطبيب المتواجد اليوم، بعد قليل تأتي إحدى صديقاتي لتجهيزي وتبدأ بفتح الوريد وتركيب القسطرة الوريدية التي لطالما كنت أضعها لمرضاي دون شعور بالألم الحاصل عليهم.

طلبت من والدتي الدعاء ومشيت في ممر لأجد العديد من الغرف الصغيرة أشبه ما تكون بالزنزانة، يفصل بينها أيضا ألواح خشبية لكنها لاتصل إلى السقف حتى، أكمل مسيري لألمح الطبيب يجري عملية فأُشيح بنظري لا أريد الرؤية أنا التي كنت أقاتل من أجل حضور العمل الجراحي أخاف اليوم من النظر إلى الطبيب، دخلت غرفة العمليات لأجد ابسط غرفة عمليات رأيتها وسأراها طوال عمري، معدات بسيطة جدا، سرير عادي بعيد كل البعد عن كونه سرير عمل جراحي.

العمل الجراحي

جاءت فنية التخدير فأجدها أيضا صديقة الطفولة وزميلة العمل والمقعد الدراسي، أفرح برؤيتها لشدة فرحها برؤيتي أيضا، أخبرتني أن التخدير سيكون (نصفي) بحيث سأبقى واعية لكن دون الشعور بألم، ثم بدأت بالتعقيم، فتحاول أن تشتت تركيزي عن طريق ذكريات المدرسة الابتدائية وبعض المواقف المضحكة لكن صوت غارة جوية جعلنا نرتعب بشدة، فتعيد محاولتها تهدئتي وتمت عملية التخدير بسلام إلا أنني من شدة خوفي أشعر بدوار ورغبة في التقيؤ، أتت باقي الممرضات ووضعن حاجز قماش بيني وبين الطبيب حتى لأرى شيئا وأخاف، طلبت من صديقاتي تصوير العملية بشكل كامل، دقائق قليلة وأسمع صوت الطبيب يسألني عن اسمي وعمري وجنس الجنين، لا أشعر بألم أبدا لكني أشعر بحركات وتموجات ودفع أعلى البطن، وببطء شديد أشعر أن التخدير يبدأ بالصعود للأعلى فأشعر بصعوبة في التنفس، جهاز الضغط يصدر صوتا بالتزامن مع شعوري بالنعس وفقدان التركيز لأسمع الطبيب يقول: “لا تدعوها تنام، سرعي السيروم”، لأشعر بوابل من الصفعات تنزل على وجهي من صديقتي بمحاولة منها لمنعي من الاستغراق في النوم، أصوات مختلطة وأسئلة ووجوه كثيرة فوق رأسي تنظر إلي وأخيرا.. قناع التنفس يوضع على وجهي…

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.