في عصافير دارون تيسير خلف.. أمريكا تحكم العالم وتستثمره من منطق القوة والمصلحة

قيمة الرواية بكونها تقدم شبه وثيقة تاريخية عن أصل الخيول العربية في أمريكا. كما أنها تنوّه إلى الارتباط الوجداني الأصيل بين الخيول العربية وأصحابها، منذ القديم.

252

الكاتب: تيسير خلف.
قراءة: أحمد العربي.
الناشر: المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ط١، ب د ف، ٢٠١٨م.

عصافير داروين، رواية مكتوبة على لسان راوٍ يتحدث وفق تسلسل زمني متتابع، الحدث الروائي هو دعوة من معرض شيكاغو الأمريكي في أواخر القرن التاسع عشر ١٨٩٤، الدعوة للسلطان العثماني عبد الحميد الثاني للمشاركة في فعاليات تقام في احدى المدن الأمريكية، مع دول أخرى كثيرة، تحوي أعمال ومسلكيات ذات خصوصية عثمانية، تعبيرا عن التميز والتنوع.

الشخص القائم على الفعاليات بروفيسور أمريكي له رأي بأن الجنس البشري متدرج في التطور، وعلى رأس الهرم يوجد الجنس الأوروبي، طبعا الامريكان منهم لأن أصلهم مهاجرين أوروبيين، أما بقية الأجناس من عرب وترك وأفارقة، فإنهم في آخر السلم التطوري، وهذا ما سيعرف بعد ذلك بنظرية العرق الأفضل، وهي أساس التمييز العنصري، التي سوف يعتمدها موسيليني وهتلر، وحقهم بالسيطرة على العالم.

المهم ستصل الدعوة للسلطان عبد الحميد، ويستشير موظفيه الكثيرين عمّا لديهم من أفكار، لتعبر عن العثمانيين وخصوصيتهم. وبعد بحث جاءت خيارات عدة، كان الفائز فيها، مشاركة خيول عربية أصيلة مع عروض ومباريات بالسبق، مع تمثيل بعض الحكايات التاريخية مثل صراع داحس والغبراء التي استمرت أربعين عاما، بسبب فرس فائزة.

أعجب الخيار السلطان عبد الحميد وطلب من مسؤول الاستخبارات والأمن عنده متابعة الموضوع، وهو بالمقابل كلف أحد أصدقائه بمتابعة العمل.

بدأ راجي المكلف بالعمل يبحث عن خيول عربية أصيلة، للمشاركة في العمل، بحث في بلاد الشام كاملة، وصل إلى حسن الرماح أحد مربي الخيول الأصيلة، وأخبره بالمطلوب، رفض بداية أن يقدم خيوله، التي يراها أهم شيء في حياته، واتفق معه بعد ذلك على أن يذهب بصحبتهم، وكلفه بالبحث عن خيول أخرى، كانت للخيول شجرة أنساب مصدقة من الدولة، وبعد بحث استطاع أن يجمع حوالي الخمسين من الخيول الأصيلة مع فرسانها، كما تم جلب بعض الجمال والأغنام، يصحبوها معهم إلى أمريكا لكي تكون جزء من القرية التركية أو العثمانية.

على مستوى آخر وصل خبر القرية التركية في أمريكا إلى كبار التجار في السلطنة من آل سرسق وزلزل وغيرهم، وجدوها فرصة للاستفادة المادية، قرروا تشكيل شركة تتابع الموضوع، وضعوا لها رأسمال وشاركوا كلهم، انتخبوا من بينهم رئيس للشركة، لكنهم استمروا بالغمز واللمز والمنافسة بين بعضهم. اعطوا وكالة لأحد أصدقائهم الأمريكيين ليتابع الموضوع في أمريكا.

نقلت الخيول مع فرسانها مع الجمال والأغنام إلى أمريكا. كانت رحلة متعبة، وكان الفرسان وخاصة حسن حريصا على الخيول ويتابعها كل الوقت، مع ذلك مات بعضها من عناء الطريق ودوار البحر وطول مدة السفر.

وصلوا أمريكا، وهناك ظهرت مشكلة جديدة، وهي أن الوكيل بدأ يعمل لمصلحته مستبعدا أصحاب الشركة من الإجراءات، وتبين أنه كان يتلاعب بهم، ولم يكن مكان الخيول ومتطلباتها ومركز حركتها بالمواصفات المطلوبة، غيروا المكان إلى مكان أفضل زادت المصاريف، استطاعوا أن يصنعوا قرية نموذجية وحصل إقبال من الجمهور الأمريكي، أبدع الفرسان في عروضهم، وتحصل إيراد جيد، لكن الوكيل الأمريكي استحوذ على المال وادعى أنه لم يفي الديون التي تطلبها العمل، ولم يعط للفرسان أي أجر، مما تطلب منهم إضرابا، حصّلوا من خلاله بعض الأجر. وقع المشروع وأصحابه في أمريكا ضحية عقود توكيل جعلتهم يعملون دون أي مردود والمستفيد الوحيد الوكيل الامريكي، الذي استثمرهم في أول مدينة ونقلهم إلى مدن أخرى ليقوموا بذات الفعاليات، وكانت أكبر كارثة حلت عليهم، هي حصول حريق أدى لموت بعض الخيول.

كما تم سرقة أوراق الأصول للخيول، التي تنزل قيمتها السوقية من آلاف الدولارات إلى المئات، استمر العمل دون فائدة للشركة أو للفرسان والعاملين بشأن الخيول. وعند انتهاء المناسبة، أصبحوا يفكرون بالعودة مع الخيول إلى لبنان، وجدوا أنهم مطالبين بحكم دعاوى أقامها الوكيل عليهم بأموال وديون ومستحقات لم يستطيعوا دفعها، لذلك صادروا الخيول بأسعارها الزهيدة وملحقاتها كجزء من الديون المترتبة لصالح الوكيل، وسافر التّجار هربا من محاكمات واحتمال سجن، مراكمين خساراتهم، وبقي الفرسان الذين قبلوا العودة من دون خيولهم، إلا حسن الرماح فلم يقبل مفارقة فرسه الأصيل نجمة، وبقي بجوار إسطبلها، وعندما نقلت الخيول إلى إسطبل المحكمة بعد دعوى الوكيل، أصبح حسن مشردا في الشارع. يحنّ عليه المتسكعون في الليل بكسرة خبز وقليل من الحساء. يتحلّق معهم حول برميل تشتعل فيه النار للتدفئة، شاردا عن الدنيا يفكر بفرسه التي افتقدها، استمر وضعه هكذا إلى أن جاء الثلج واحتموا في مدخل بناء لكن الثلج والبرد كان أقوى من تحمله مع المتسكعين، في الصباح وجدوا متجمدين وموتى.

هنا تنتهي الرواية.. وفي هامشها يتحدث الكاتب عن أن أصل الخيول العربية الأصيلة الموجودة في أمريكا الآن تعود إلى تلك الخيول التي أُخذت إلى أمريكا للمشاركة في القرية التركية قبل قرن وعقود من الآن.

في تحليل الرواية نقول:

٠ قيمة الرواية بكونها تقدم شبه وثيقة تاريخية عن أصل الخيول العربية في أمريكا. كما أنها تنوّه إلى الارتباط الوجداني الأصيل بين الخيول العربية وأصحابها، منذ القديم. كما تنوه إلى شره التجار وتفكيرهم بمصالحهم فقط، كما تنوه إلى تصرف الوكيل الأمريكي الذي أخذ كل شيء: الخيول والواردات دون أي وجه حق، وكأنه يقول أن لا قيمة للحقوق والأخلاق والقيم عندهم.
وبالعودة إلى أيامنا هذه: أمريكا تحكم العالم وتستثمره من منطق القوة والمصلحة، الكل خاضع لأن لا حل بيده في مواجهة أمريكا القوة العظمى في العالم.


تيسير خلف روائي وباحث فلسطيني – سوري، هذه أول رواية أقرأها له.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.