في ذكرى مجزرة سربرينيتشا.. ثقافة الإنكار والمصالحة الوطنية

إن أردنا أن نقول لن يحدث هذا مرة أخرى، وإن أردنا أن نبني واقعاً جديداً فلا بد لنا من الإقرار بكل ما وقع في الماضي من جرائم ومظلوميّات، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه مرة أخرى على شكل مآسي ومهازل جديدة لا تنتهي، ولا شيء يهيئ لمثل هذه الإعادة مثل ثقافة الإنكار وعقلية الإنكار.

عمار عكاش
الكاتب عمار عكاش

يقول نجاد آفديتش/Nedzad Avdic أحد الناجين الستة من مجزرة سربرينيتشا Srebrenica: “لم أتوقع أن نقتل، فقد كان هناك عدد كبير من الناس، ولم أتوقع أن يقوموا بقتلنا جميعاً”(١)، لم يتوقع نجاد أن يشطح خيال العنصريين إلى ارتكاب إبادة جماعية تمجيداً للذات وتأبيداً لها من خلال الاعتقاد بالقدرة على إبادة مجموعة بشرية كاملة.

منذ محاكمات نورمبرغ الشهيرة لمجرمي النازية، شهدت العدالة الدولية تطويراً في الآليات الإجرائيّة والقوانين التي تخص جرائم الحرب والإبادة الجماعية، ونطاق سلطتها. وخضع كلا المفهومين المشار إليهما لإعادة تعريف وتدقيق مستمرّين، ودار جدلٌ حول السبل الأمثل لتحقيق العدالة وإنصاف الضحايا والناجين، وهو جدل تقاطعت فيه علوم السياسة والقانون والعلوم ذات الصلة باستخراج الجثث والكشف عن هويتها، ولم ينج مفهوم العدالة لحظة واحدة من التجاذبات السياسيّة والمصالح الدولية، فكثير من الأحكام التي صدرت افتقرت إلى قوة الإلزام القانوني كما في حالة الرئيس السوداني الأسبق عمر البشير، كما أنه ثمّة نقاش آخر مهم يتخطّى مجرد معاقبة الجناة من أعلى هرم القيادة، وهو يتعلق بالاعتراف بالمجازر على مستوى رسمي وتجذيره شعبياً ومؤسساتياً كي تتحقق أسس المصالحة الوطنية.

هذا الاحتفاء الشعبي الفجّ يتم التعبير عنه بلغة منمّقة ودبلوماسية من خلال إنكار المسؤولين الصرب للمجزرة وتقزيمها إلى مستوى جريمة حرب كما فعل توميسلاف نيكوليتش Tomislav Nikolić رئيس صربيا بين عامي ٢٠١٢و٢٠١٧.

مناسبة هذا الحديث هو الذكرى الخامسة والعشرون لمجزرة سربرنيتشا، فرغم محاكمة كبار القادة المسؤولين عن المجزرة وتصنيف الجريمة دولياً ضمن خانة الإبادة الجماعية، مازال معظم القادة الصرب في البوسنة وصربيا ينكرون وقوع إبادة جماعية، بل ويحتفي صرب البوسنة بـ رادوفان كاراديتش Radovan Karadžić و راتكو ملاديتش Ratko Mladić كأبطالٍ قوميين! هذا الاحتفاء الشعبي الفجّ يتم التعبير عنه بلغة منمّقة ودبلوماسية من خلال إنكار المسؤولين الصرب للمجزرة وتقزيمها إلى مستوى جريمة حرب كما فعل توميسلاف نيكوليتش Tomislav Nikolić رئيس صربيا بين عامي ٢٠١٢و٢٠١٧، في حين يذهب السياسي الصربي ميلوراد دوديك Milorad Dodik العضو الحالي في نظام الرئاسة الثلاثي في البوسنة والهرسك إلى وصف الإبادة الجماعية في سربرنيتشا “بالأسطورة الملفقة”(٢)، وتتخذ لغة الإنكار هنا منحى شبيهاً بمثيلاتها في كل أنحاء العالم فتركّز على تخفيض عدد الضحايا، وعلى وضع الجريمة في نطاق حرب ارتكبت أطراف الصراع فيها جرائم متبادلة.

هذا المناخ العام من الإنكار في صربيا دفع الناشطة الحقوقية الصربية البروفيسورة سونيا بيسَرْكو Sonja Biserko رئيسة لجنة هلسنكي لحقوق الإنسان في صربيا إلى القول:“يتخذ إنكار الإبادة الجماعية في سربرنيتشا أشكالاً متنوعة، وتتنوع أساليب الإنكار بدءً من وصف الجريمة بالوحشيّة انتهاء إلى وصفها بالخديعة. ويشهد الإنكار حضوره الأقوى في الخطاب السياسي، وفي الإعلام، وفي نطاق القانون، وفي النظام التعليمي”(٣)، وتصف سونيا هذا الإنكار المجتمعي بـ”ثقافة الإنكار”(٤).

إن المغزى من عملية الإنكار ليس مجرد التنصّل من تعويضٍ نفسي للضحايا فهي بمثابة مرحلة نهائية من الإبادة الجماعية لمجموعة بشرية على حد تعبير ريتشارد جي هوفانيسيان Richard G.Hovannisian “فبعد التدمير الجسدي للبشر وتدمير ثقافتهم المادية، لا يتبقى لهم سوى الذكرى، فتصبح الضحية الأخيرة المستهدفة. ذلك أن الإبادة الكاملة لشعب ما تتطلب إقصاءَ عملية التذكّر وخنق الذكرى. وتقوم عمليات التزوير والخداع وأنصاف الحقائق بتحويل ما حدث بالفعل إلى شيء ربما حدث أو حتى شيءٍ لم يحدث إطلاقاً”(٥).

إن انتقلنا من الإنكار كمرحلة نهائية من الإبادة الجماعية إلى ثقافة الإنكار عموماً كطريقة للتعاطي مع مشكلات الماضي وتجاوزها، يتضح لنا مدى خطورة عدم مناقشة نقاط الماضي السوداء ومظلوميّاته.

إن أهمية الاعتراف بالمجزرة كإبادة جماعية تأتي من أنها الخطوة الأولى نحو تحقيق مصالحة وطنية حقيقية، وليس مجرد سِلْمٍ يفقتد لتجذيرٍ في البنى الاجتماعية والسياسية والقانونية والتربوية والإعلامية، كما أن إنكار الإبادة الجماعية يعني أن يبقى الماضي حيّاً في الحاضر دون تحقيق قطيعة معه، إذْ تستمر البنى المنتجة له، فالقوميون الصرب حين ينفون واقعة الإبادة إنما ينفون عن الجريمة صفة الرغبة بتدمير مجموعة بشريّة (مسلمي البوسنة)، وبالتالي لا يرون في المجزرة تتويجاً لخطاب قومي صربي استند إلى مظلومية تاريخية استلهمت تاريخاً حافلاً بالمجازر التي تعرض لها الصرب أيام الامبراطورية العثمانية، وأثناء الحرب العالمية الثانية، وجد هذا الخطاب ذروته في سلوبودان ميلوسفيتش Slobodan Milosevic وفريقه الذي خطط بشكل منهجي قبل تفكك يوغسلافيا لإثارة النعرات الطائفية والقومية بين مسلمي البوسنة وصربها تمهيداً للتطهير العرقي أيام الحرب الأهلية بغرض فرض أمر واقع يصبح معه الصرب القومية المهيمنة.

وتستند منهجية الإنكار التي يمارسها القوميون الصرب إلى ذات البعد السلافي القومي الذي أنتج الإبادة، فيعتبرون قرارات المحكمة الدولية مؤامرةً أمريكية – بريطانية تستهدف الحط من شأن الصرب ووصفهم بالقتلة، هذا الخطاب في جوهره ينطلق من وجود ذات قومية مهددة داخلياً وخارجياً مما يبرر للجناة شنّ حرب استباقية تجاه بشرٍ يهدفون إلى تدمير جماعتهم. وضعت النحن الصربية المتخيّلة مقابل الآخر الجار المهدد (البوسنيين)، ويمكن بسهولة وضع كل من ينتقد الخطاب القومي الصربي في هذه الخانة (العدو المهدّد)، يبدو هذا الخطاب أشبه بنار تلتهم صاحبها وكل ما حوله.

أودّ أن أذكر في هذا السياق أنه حين سُنّت قوانين معاقبة منكري المجازر بحق اليهود في أوربا لم يأتِ الأمر كما يظن الكثير من القوميين العرب واليساريين والإسلامويين من مجرّد ضغط اللوبي الصهيوني، بل كان الغرض هو الإقرار بوجود نمط تفكير أوربي مسيحي يتسم بالعنصرية والتعالي تجاه اليهود ساد لقرونٍ عديدة، ونتج عنه اضطهاد اليهود والرغبة في إبادتهم بعد شيطنتهم، وبذلك كان هناك بعد الحرب العالمية الثانية وعي أوربي بضرورة تلقين هذه الحقيقة للأجيال اللاحقة بحيث يتم اجتثاث الجذور المنتجة للإبادة، حتى أن بعضاً ممن انساقوا إلى النازية أدركوا بعد كوارث الحرب العالمية كيف أن القوميين الكارهين للآخر والراغبين في الحفاظ على مجموعتهم البشرية المتخيّلة في وجه الآخر هم بذاتهم أكبر خطر على مجموعتهم وعلى الآخرين. ينطبق الأمر ذاته على صربيا، حيث أن الإنكار يعني عملياً، عدم تلقيح الأجيال القادمة ضد العنصرية، وتوعيتها بمخاطر هذا النمط من التفكير، بعبارة أخرى عملية الإنكار تشبه أن تغطي حقلاً من الألغام بطبقة كثيفة من الرمل، لكن حقل الألغام يبقى موجوداً وقابلاً للانفجار في أية لحظة؛ كلما وقعت مظالم اقتصادية، وأزمات سياسية، وكلما ظهر فريق يميني يريد الوصول إلى السلطة باستثارة حقل الألغام المدفون كما حصل مع ميلوسفيتش.

إن انتقلنا من الإنكار كمرحلة نهائية من الإبادة الجماعية إلى ثقافة الإنكار عموماً كطريقة للتعاطي مع مشكلات الماضي وتجاوزها، يتضح لنا مدى خطورة عدم مناقشة نقاط الماضي السوداء ومظلوميّاته، فدولة مثل يوغسلافيا عاشت طيلة ما يقارب نصف قرن في ظل حكم شيوعي يفترض به أن يتجاوز النعرات القومية والطائفية، لكن هذا التجاوز تمّ من خلال الشعارات والإدماج القسري، يعلمنا التاريخ كيف أن التقسيمات الطائفية والعرقية حين تُجبرْ على الاختباء تحت ضغط السلطة الحاكمة تلتف وتلجأ إلى وسائل أخرى وتبقى حاضرة بشكل مقنع ضمن المؤسسات الرسمية والقانونية ويستمر التمييز بشكل غير معلن وغير رسمي، فلم يمكن ممكناً لميلوسوفتيش وفريقه أن ينتجوا نزعات قوميّة وطائفيّة من العدم، على النحو ذاته لا يمكن أن يتفجر الصراع بين السنة والشيعة في العراق، وبين مكوّنات سورية مختلفة لمجرد وجود جهات تحريضية أو لمجرد تغييرات قامت بها دكتاتوريات هذين البلدين.

وإن أردنا أن نقول لن يحدث هذا مرة أخرى، وإن أردنا أن نبني واقعاً جديداً فلا بد لنا من الإقرار بكل ما وقع في الماضي من جرائم ومظلوميّات، وإلا فإن التاريخ سيعيد نفسه مرة أخرى على شكل مآسي ومهازل جديدة لا تنتهي، ولا شيء يهيئ لمثل هذه الإعادة مثل ثقافة الإنكار وعقلية الإنكار.

 

عمار عكاش، كاتب ومترجم سوري مهتم بالدراسات الثقافية والجنسانية.

 

الهوامش والإحالات:

١-BBC Our World, 2017, Srebrenica Denying Genocide.
٢ – https://www.euronews.com/2020/07/11/srebrenica-25-years-on-world-leaders-urged-to-counter-serbian-genocide-denial.
٣ – https://en.wikipedia.org/wiki/Genocide_denial.
٤ – https://en.wikipedia.org/wiki/Bosnian_genocide_denial.
٥ -https://en.wikipedia.org/wiki/Genocide_denial.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.