في ذكرى توحيد ألمانيا كيف أعاق الاستبداد تطوّر الأمم؟

139
الأيام السورية؛ قسم الأخبار

بدأت ألمانيا الحرب العالمية الثانية وجرّت العالم إليها، لكنها في النهاية، تعرضت للهزيمة والدمار الكبير فقتل في هذه الحرب تسعة ملايين ألماني، من بينهم أكثر من ثلاثة ملايين مدني. كما تعرضت المدن الألمانية لقصف كبير من طرف الحلفاء، وتم تشريد اثنا عشر مليون شخص وأصبحت ألمانيا في حالة انهيار تام، واقعة تحت سيطرة معسكرَي القوة في ذلك الوقت، في العام 1947 تم تقسيم غرب ألمانيا إلى ثلاثة أقسام بين فرنسا وبريطانيا وأمريكا، والقسم الشرقي انضم إلى معسكر الشرق بقيادة الاتحاد السوفيتي، وعند استمرار الحرب الباردة بين هذين المعسكرين توحد القسم الغربي من ألمانيا في العام 1949 لتتكون الجمهورية الألمانية الفدرالية والتي احتوت على غرب برلين، وبقي القسم الشرقي من ألمانيا على حاله مكونا جمهورية ألمانيا الديمقراطية ضامّا إليه شرق برلين..

الانقسام الصعب

بدأ النزاع يظهر بين الألمانيتين في أحقية كل منهما في تاريخ ألمانيا الموحدة قبل العام 1945، وبدأ حث الخطى السياسي والاقتصادي والتجاذب في هذا الأمر لتثبت كل واحدة منهما هذه الأحقية، إلى أن غيّرت ألمانيا الشرقية وجهة نظرها واعتبرت أن ألمانيا الموحدة لم يعد لها وجود، وهي في واقع الحال دولتان مختلفتان.

إلا أن وقوع برلين في منتصف الدولتين صعّب على أفراد الأمن وحرس الحدود مراقبة المدينة، فكان قرار ألمانيا الشرقية ببناء جدار برلين في العام 1961 والذي قسّم المدينة بشكل تام ونهائي. وأصبح هذا الجدار، والحدود الغربية لألمانيا الشرقية عموما حدودا تفصل ليس فقط بين الألمانيتين، بل حدودا تفصل بين المعسكر الشرقي والغربي من العالم، بين حلف وارسو وحلف الناتو، أي بين قطبين مختلفين سياسيا وثقافيا واقتصاديا.

بلغ طول هذا الجدار الخرساني المسلح 106 كيلومتر مزود بالأسلاك الشائكة، متضمنا 300 مركزًا للمراقبة.

اتخذت ألمانيا الغربية مدينة بون عاصمة لها وانفتحت على العالم الغربي ونظامه الاقتصادي والسياسي، فكان هناك حرية في رأس المال اعتمادا على الرأسمالية، والحرية السياسية في ظل وجود تعددية حزبية.

أما في ألمانيا الشرقية فقد كانت الأمور مركزية في يد الدولة وبالتالي تحت سيطرة حزب الوحدة الاشتراكي الألماني وهو الحزب الحاكم الاشتراكي المدعوم من السوفييت والذي ظل حتى العام 1989م يحكم البلاد.

ميركل تشارك في احتفالات عيد الوحدة الألمانية (صحيفة الوطن)

الشرقيون يحاولون الفرار

كان سكان ألمانيا الشرقية يتطلعون لحياة سياسية أكثر مرونة وإلى نمو اقتصادي يضاهي النمو الذي يرونه في جارتهم الغربية، بالإضافة إلى زيادة استيائهم من سلطوية النظام الحاكم، والتقييد على الإعلام المحلي، وحتى العام 1989م حاول العديد من سكان ألمانيا الشرقية تجاوز الجدار والهرب الى الغرب، مستخدمين بذلك كل الوسائل الممكنة دون النظر إلى خطورة الاقتراب من الجدار ومحاولة الهرب، ففي عام 1964 قاموا بحفر نفق تحت الجدار ليهرب منه 57 شخصا قبل اكتشاف أمر النفق من قبل حرس الحدود، واستخدم بعضهم البحر ليهرب إلى الشطر الغربي.

هدم الجدار

تصاعدت احتجاجات السكان في ألمانيا الشرقية رويدا رويدا ونمت حركات معارِضة لنظام الحكم تعلن صراحة عن مطالبها الإصلاحية وأن الوحدة مع الجارة الغربية أصبحت أمرا ملحا وضروريا، فقامت بتنظيم المظاهرات بهذا الخصوص والتي كانت ذروتها في 9 نوفمبر من العام 1989م بعد تراجع النظام الحاكم عن استخدام القوة لتفريق المتظاهرين الذين وصلوا الى الجدار، مستغلين بذلك تصريح “غونتر شابوفسكي” عضو المكتب السياسي للحزب الاشتراكي الألماني الحاكم عن رفع الدولة لقيود التنقل بين الألمانيتين، فأخذ آلاف الألمان من كلا الجارتين (الشرقة والغربية) بهدم الجدار بما يتوفر معهم من وسائل حتى اعتبر ذلك اليوم بداية انهيار جدار برلين ونهاية ألمانيا المقسمة وإيذانا بالوحدة.

تكونت حكومة جديدة في ألمانيا الشرقية مكونة من حزب “الاتحاد من أجل ألمانيا” الذي رفع شعار الوحدة الشاملة بين الألمانيتين، وشرعت الحكومة في التفاوض مع حكومة ألمانيا الغربية بشأن هذه الوحدة، فبدأت بتوقيع اتفاقيات الوحدة في النظام الاقتصادي والضمان الاجتماعي واعتبار النظام الاقتصادي لألمانيا الغربية هو النظام الرسمي لكلا الألمانيتين، واعتبار دستور ألمانيا الغربية دستورا نافذا في ألمانيا الشرقية أيضا وذلك بعد تصويت البرلمان الشرقي على هذا الأمر واعتبار العمل بهذه الاصلاحات في الثالث من أكتوبر للعام 1990م والذي اعتبر تاريخ الإعلان الرسمي عن ألمانيا الموحدة.

بعد هذا التاريخ اجتمع البرلمان الموحد في مبنى البوندستاغ وضم 663 نائبا من برلماني ألمانيا الغربية والشرقية.

البرلمان الألماني البوندستاج
(موقع غرفة)

محاولات عرقلة الوحدة

بعد عدة أسابيع من فتح جدار برلين زار ألمانيا الديمقراطية عدد من المسؤولين الأوروبيين، وقد ظهر من خلال زيارات هؤلاء تحفظ فرنسا وانجلترا بصفة خاصة تجاه إعادة توحيد ألمانيا، حاولت كلا الدولتين عرقلة الاتحاد بين ألمانيا الديمقراطية وألمانيا الاتحادية عن طريق وضع شروط سياسية تعيق تحقيقه.

وضع المستشار هيلموت كول هذه التحفظات بعين الاعتبار في كلمة ألقاها أمام أطلال كنيسة فراونكيرشه في مدينة درسدن في 19 ديسمبر كانون الأول 1989. ولاقت كلمته تقديرا كبيرا على مستوى العالم، فمن جهة أعلن كول احترامه لرغبة مواطني ألمانيا الديمقراطية كيفما كانت هذه الرغبة، ومن جهة أخرى أقر بأنه لا يمكن إعادة توحيد ألمانيا إلا داخل بيت أوروبي واحد، فالوحدة الألمانية والوحدة الأوروبية وجهان لعملة واحدة.

وبهذا رفض هيلموت كول بوضوح أن تصبح ألمانيا الموحدة دولة محايدة، وأجابه الحاضرون من مواطني ألمانيا الديمقراطية بتصفيق حار. وبالرغم من هذا زار الرئيس الفرنسي فرانسوا ميتران (1916- 1996) بعدها بيومين ألمانيا الديمقراطية ليمنع انضمامها إلى ألمانيا الاتحادية، ومع بداية عام 1990 تمت إعادة توحيد ألمانيا في إطار دولي يراعي مصالح الألمان ومصالح الحلفاء الذين انتصروا في الحرب العالمية الثانية.

وقد تم الاتفاق على شروط الوحدة الألمانية من خلال مفاوضات ألمانية ـ ألمانية، وفي هذا الإطار أجرت الدولتان الألمانيتان أيضا مفاوضات مع القوى الأربع المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بخصوص أبعاد وتبعات السياسة الخارجية لاتحاد الدولتين الألمانيتين.

هذه المفاوضات التي أطلق عليها اسم “عملية 2 + 4” انتهت بإعلان سيادة ألمانيا بموجب اتفاق “2 + 4” في 12 سبتمبر/ كانون الأول عام 1990. وفي الثالث من أكتوبر/ تشرين الأول عام 1990 انضمت الولايات الخمس التي شكلت ألمانيا الشرقية أو الديمقراطية السابقة، إلى جمهورية ألمانيا الاتحادية التي تضم اليوم 16 ولاية.

وفي 3 أكتوبر عام 1990 تم ضم ألمانيا الشرقية إلى ألمانيا الغربية. وبعد أول انتخابات حرة في ألمانيا الشرقية في آذار/ مارس 1990، بدأت مفاوضات بين الألمانيتين انتهت بمعاهدة التوحيد.

هيلموت كول مهندس الوحدة الألمانية (العربية نت)

الفرق بين الألمانيين

لا يزال هناك شعور بالفرق بين الألمانيين الشرقيين والغربيين حتى الآن، خصوصاً وأن معدلات البطالة بعد الوحدة زادت كثيراً في ألمانيا الشرقية، كما يخيم على مناطق الشرقية السابقة أثر الشعبويين الجدد، وبخاصة المواقف من اللاجئين، مع أن نسبتهم فيها أقل بكثير من مناطق الغربية، لكن المحللين يجمعون على أن تنامي الشعور بالوحدة، والتطور الاقتصادي، ومحو الفوارق في عموم ألمانيا، ما زالت هاجسا ملحا عند الشعب الألماني.

في كلمتها الأسبوعية المتلفزة التي تبث عبر الإنترنت، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل السبت 28 أيلول/ سبتمبر 2019، بمناسبة ذكرى الوحدة الألمانية: “إن ألمانيا حققت الكثير خلال العقود الثلاثة التي تلت إعادة توحيد شطري البلاد” ومضت إلى القول مستدركة” لكن لا يزال لدينا الكثير لنفعله”، وساقت مثالا على ذلك بأن القوة الاقتصادية للولايات الشرقية كانت تعادل 43% من القوة الاقتصادية للولايات الغربية، وقد وصلت هذه النسبة في الوقت الراهن إلى 75% ” وهو ما يعني نجاحا عظيما”.

وأضافت ميركل:” بخلاف هذا، لا تزال هناك مسافة يجب قطعها، وهكذا الحال في مجالات عديدة”. ورأت ميركل أنه يجب المضي قدما في تسوية الفوارق بين الشرق والغرب ومن ذلك على سبيل المثال نظام التقاعد “والمهم من ناحية أخرى هو أن نصيغ المستقبل معا، وهذا يعني التفكير في كل أنحاء ألمانيا حيث توجد فوارق في الأوضاع المعيشية”.

واستطردت ميركل: “ولذلك فمن المشاريع العظيمة للحكومة الألمانية خلق ظروف حياتية متساوية في جميع أنحاء ألمانيا بين الريف والمدينة، وبين الشمال والجنوب، وبين الشرق والغرب”.

احتفالات الألمان بيوم الوحدة الألماني (dw)

إقرأ المزيد:

جدار برلين

ما أهم عوامل توحيد ألمانيا

مصدر  DW الجزيرة نت
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.