في ذكرى اندحار آخر جندي سوري

من لبنان
من صحيفة النهار اللبنانية اخترنا لكم كلمة كتبها “دانييل الخياط”، يتحدث فيها عن 26 نيسان ذكرى اندحار آخر جندي سوري من لبنان عام 2005، وفي هذه الذكرى اليم يلجأ السوريين هربا الى لبنان من بطش قوات الأسد بعدما اغرق بلاه في الدماء، لنتابع معا هذه الكلمات:
لسنوات تمسكت باسم آخر جندي سوري غادر الاراضي اللبنانية، قبل 11 سنة، في 26 نيسان 2005. كانت وسائل اعلام العالم كلها تشارك الصحافة اللبنانية، عند نقطة المصنع الحدودية، في تغطية ذاك اليوم المشهود بانسحاب #الجيش_السوري من لبنان، بعد نحو 3 عقود من دخوله البلد الصغير، بتغطية عربية واقليمية ودولية. وبعدما استقطب الاضواء عبور موكب رئيس “فرع الامن والاستطلاع في القوات العربية السورية العاملة في لبنان”، هكذا كان لقب القبضة العسكرية التي حكم بها النظام السوري لبنان، منصب كان يشغله في حينها العميد رستم غزالي، قررت ان أجد لنفسي زاوية أخرى لتوثيق الحدث التاريخي.

فاسترعى انتباهي آخر العسكريين السوريين المنتشرين على “الخط العسكري”، بسلاحه وطاسته العسكرية، في عين الشمس. اقتربت منه، وفتحت حديثاً، اخبرني يومها عن سعادته بالانسحاب، كان تعيساً في خدمته العسكرية، هو الذي عوقب بتمديدها، بعدما تورط في عراك مع رفاق السلاح.

اخبرني عن معاناة انتقاله ما بين مركز خدمته في بعلبك ومنزله في #سوريا، يستنزف الطريق يوما من مأذونيته ذهابا وايابا. عرضت عليه “شربة” ماء فرفض، وعندما وصلت حافلته طلبت منه ان التقط صورته، وافق على خجل، ومع صعوده في الحافلة كان لبنان قد خلا من الجنود السوريين.

كان التبادل الانساني الاول بيني وبين جندي سوري، قبلها كانوا كلهم “عسكراً سورياً”، رمزا للنظام الذي بطش بلبنان. كنت قد كتبت عنه مقالا يومها، لم يحالفه الحظ بالنشر، ولم اوفق في نبشه من ارشيفي، لأستعيد اسم هذا الجندي وبلدته، فكلما حاولت تذكرهما، تزاحمت اسماء كثيرة، فاندلاع الثورة السورية، بعثت السوريين وجوها واسماء، ومناطق وبلدات، ما عادوا اصحاب وجه واحد وصوت واحد، صورة نظام الاسد وصوته.
قبلها بيوم، كنت قد وفقت مع زميلين لي، باجراء مقابلة مع العميد الراحل رستم غزالي، بينما كان يغادر المنزل الذي شغله في عنجر، كان سبقاً صحافياً، لكنه لم يتأنسن في عيني بعد ذاك الحديث “عالواقفط، وزميلي المصوّر الفوتوغرافي باسكال بودنو يتحرق لالتقاط صورة له، وهو يرفض.

في اليوم التالي، بعد عبور موكبه المصنع، كسر مختار مجدل عنجر جرّة خلفه، فقام باسكال بالتقاط قطعة منها، احضرها لجبران تويني ليحتفظ بها ذكرى، هو الذي كانت قضية قضاياه: استقلال لبنان وسيادة جيشه على كل اراضيه وحرية ابنائه، وعلى رأسهم المعتقلون والمخفيون قسراً في المعتقلات، وفي سبيلها سقط شهيد اغتيال غادر.

“الفرق بين الظلمة والنور، كلمة” هذا كان شعار حملة “النهار” العام 2005، وعندما اخلى الجيش السوري تلة الرادار في ضهر البيدر، وتسلقناها لالتقاط الصور، تبين لنا ان الموقع المشرف على المتن وسهل البقاع وبيروت، يطلّ على لوحة اعلانية ضخمة تحمل تلك العبارة، كانت شمس الموقع السوري تشرق وتغيب على صورة ديك “النهار” معلنا ان الفرق بين الحق والباطل، موقف.

منذ 11 سنة، انحلت القبضة العسكرية المباشرة للنظام السوري عن لبنان، لكن بقيت له ذراع عبر منفذين لبنانيين، دماء لبنانية كثيرة سالت، ولبنان الدولة لا يزال يستنزف.
قبل 5 سنوات، اندلعت ثورة في سوريا نطقت بكلمة “الحرية”، ومن حينها اغرقت سوريا بالدم، تلطخت بها اياد لبنانية، وعاد السوريون الى لبنان، مدنيون مهجرون، بغطاء عربي واقليمي ودولي، يبحثون عن امان تعيس في بلد لا يزال يكتوي بالنار السورية وتبعات حكم النظام السوري له.
دائما اسأل نفسي ما الذي حلّ به، ذاك الجندي، هل عاد وحمل السلاح، الى جانب من؟ هل لا يزال حياً؟ معتقلاً؟ هل عاد الى لبنان لاجئا؟ ام قتل؟

كم من الصحافيين سيتسنى لهم تغطية اندحار احتلالين عن ارض بلادهما، تلك لحظات وصور تبقى محفورة بالبال وبضع ذكريات كتلك الورقة التي تركتها ذكرى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.