في ذكرى اعتصام الساعة

نشر الأستاذ نجاتي طيارة على صفحته الشخصية

بعض الوقائع:
سرت في المدينة الدعوة إلى الجنازة الكبرى، التي ستضم رفاة شهداء ثمانية قتلوا أثناء جنازات ومظاهرات الأحد والسبت الفائتين. وقبيل الظهيرة بدأ تقاطر الرجال عبر كل الشوارع ، حتى امتلأ المسجد الكبير فاحتشد الباقون في ساحة السوق حوله وتجمهروا، وصلى معظمهم على الشهداء هناك، حتى خرج جمهور مصلي المسجد حاملين نعوش الشهداء، ووسط التكبيرات ، سارت الجنازة وانضمت إليها حشود متجددة طوال شارع الحميدية، وباتجاه مقبرة الكتيب أو الشهداء، التي كان الدفن قد أوقف فيها قبيل سنوات، لكن هيبة الجنازة الكبيرة أعادت فتحها !.
ومنذ تحرك الجنازة ، كان رجال الأمن والشرطة يملؤون أسطح بناء قيادة الشرطة في طرف ساحة باب السوق، ولم يعودوا ظاهرين على الأرض، وقد استمرت الجنازة في التوسع طوال مسيرتها، مع انضمام أفواج الناس لها، وكانت المحلات مغلقة غالبا، أما نوافذ وشرفات الحي المسيحي في أغلبه، فقد ظهر فيها كثير من المتابعين، الذين بادروا برمي قبضات من الرز والأزهار على ركب الجنازة الذي كان يهتف للشهداء والحرية وإسقاط النظام.
عند مقبرة الكتيب توقفت الجنازة ، فانضمت إليها جنازة قادمة من باب السباع، وسارت مراسيم الدفن في احتفالية مهيبة مع الكلمات والأدعيات، ثم علت أصوات تطالب بالذهاب إلى ساحة الساعة للاعتصام بها، فغلبت أصواتا ناشزة ضعيفة طالبت بالذهاب إلى حي الزهراء الموالي للانتقام، لكن سرعان ما خفتت وتلاشت، وكان لي مع بعض الشباب دورعابر في ذلك !.
تحول ركب الجنازة في طريق العودة إلى مظاهرة كبرى، تصدرتها مجموعة من الفتيات المحجبات ، وفي جو العودة والحر الشديد يومها، بادر بعض أصحاب المحال والمنازل إلى التعبير عن تعاطفهم بتقديم الماء وقطع الكاتو، وحتى إلى رش المتظاهرين بالماء لتخفيف الحر في محاولة لتخفيف الحر عنهم. أما أسطح مبنى قيادة الشرطة فقد اختفى من كان على سطحها سابقا، حذرا كما بدا من تعاظم المظاهرة وغضبها، وهو الذي بدأ يتجلى بتمزيق الصور وأعلام الحزب القائد ، وتدمير كاميرات المراقبة التي صارت موضوعا خاصا لغضب المتظاهرين ، كونها سببا سابقا في الإرشاد عن زملائهم واعتقالهم وتعذيبهم.وعندما وصلت المظاهرة إلى الساحة ، سرعان ما تحلق الشبان والشيوخ حول برج الساعة الذي توسطها، وجعلوه منبرا للخطابة.
وبعد زمن قصير من تردد بين من أراد البقاء في الساحة وجعلها مركزا لاعتصام مفتوح، ومن أراد من المشايخ الذهاب إلى جامع خالد بن الوليد للاعتصام هناك، تغلب الرأي الأول واستقر، بينما ذهبت مجموعة قليلة فعلا إلى الجامع ثم عادت بعد ساعات لتلتحق بالأكثرية، وبسرعة أعد الشباب أدوات الإذاعة ، ونظموا الدخول إلى الساحة من مختلف المداخل، فأقاموا حاجزين على كل مدخل، ليمنع دخول المسلحين وعناصر الأمن وما يشبههم، وتوالى الخطباء على المنبر بما فيهم بعض الفتيات، حيث ألقيت أدعيات و كلمات تشيد بالثورة ،ورددت هتافات للحرية والكرامة وشعارات الوحدة الوطنية، مستلهمين بذلك تجربة ساحة التحرير في القاهرة التي صارت مثالا لكل دعاة التغيير في الربيع العربي.
ولم تمض ساعة على مطالبتي بالحفاظ على نظافة المكان والاستعداد للتخييم فيه، حتى نصبت بعض الخيم الصغيرة وأخرى كبيرة، علقت على واحدة منها في طرف الساحة لافتة الوحدة الوطنية، والتي أصبحت مكانا لندوات مفتوحة ساهمت بإدارة بعضها، وحتى اللحظات الأخيرة قبيل الساعة الثانية صباحا، حيث قضي على الاعتصام بمجزرة ، آمل أن يتاح وقت روايتها مستقبلا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.