في خصوصية درعا

في هذا المقال يوضح الكاتب بكر صدقي الأسباب التي تعطي محافظة درعا في الجنوب السوري خصوصيتها في الوضع السوري؛ رغم “تعقيد” وضعها، بعد أن مضى الآن ثلاث سنوات على رفع الغطاء الأميركي عن المحافظة، وتسليمها بلا مقابل إلى روسيا والنظام في عهد دونالد ترامب، ولم يتمكن إلى اليوم من “هضم” المحافظة المتمردة، على غرار ما حدث في حمص أو حلب أو الغوطة الشرقية؛ ولمعرفة هذه الأسباب جميعها؛ نقرأ معا:

بقلم: بكر صدقي

من ينظر إلى مجمل الجغرافيا السورية لا بد أن يرى أن شؤون وإشكاليات وصراعات مختلفة تسود مناطقها المختلفة، لا يربط بينها أي رابط غير كونها تقع ضمن “المشكلة السورية” بصفة عامة. فما يجري من أحداث سياسية وأمنية واقتصادية وحتى دبلوماسية، يختلف اختلافاً كبيراً بين منطقة الجزيرة الواقعة تحت حكم “الإدارة الذاتية”، ومناطق النفوذ التركي في الشمال، ومنطقة “خفض التصعيد” الرابعة في محافظة إدلب وجوارها، ومحافظة درعا في الجنوب، ومحافظة السويداء المجاورة لها، والمدن الرئيسية الواقعة تحت سيطرة النظام في “سوريا المفيدة”.

ففي الوقت الذي تتركز فيه الجهود الدبلوماسية الدولية على معبر باب الهوى الحدودي بين تركيا ومحافظة إدلب بشأن التجديد لآلية الأمم المتحدة لإدخال المساعدات، تتعرض مناطق من هذه المحافظة لتصعيد عسكري من النظام، في حين يشتعل غضب عارم في الرأي العام الكردي بعد مقتل الشاب أمين عيسى تحت التعذيب في معتقلات “الإدارة الذاتية”، وتسود محافظة درعا مخاوف كبيرة بعد الانقلاب الروسي على دور “الضامن” ومطالبته الأهالي بتسليم السلاح الخفيف، ويعود رامي مخلوف إلى واجهة المشهد السياسي في المناطق الموالية.

ليس “تعقيد” الوضع في محافظة درعا هو ما يمنحها الخصوصية، فالوضع في جميع المناطق السورية معقد بدوره، وإن تفاوتت درجاته بين مكان وآخر. بل لأن درعا منطقة معارضة بصورة معلنة على رغم وقوعها في إطار “مناطق النظام”. فعدا عن كونها “مهد الثورة” في 2011 كما شاع القول، فهي من المحافظات القليلة التي أجمع سكانها على التمرد على النظام وكادت تخلو من أي مؤيدين له. كذلك لم تقع درعا تحت سيطرة قوى إسلامية بارزة كداعش أو النصرة أو أحرار الشام أو جيش الإسلام، وإن تواجدت فيها فصائل صغيرة بأسماء إسلامية، ولم تعرف مطلقاً ظاهرة الجهاديين الأجانب، بل اقتصرت الفصائل المسلحة فيها على مقاتلين من أهل البلد. الأيديولوجيا الإسلامية ليست متجذرة بين السكان، بل تتقدم لديهم القيم العشائرية والعائلية، جنباً إلى جنب انفتاح فرضته الظروف الاقتصادية والعمالة المهاجرة وتحديث شروط العمل الزراعي وارتفاع مستوى التعليم النسبي.

مضى الآن ثلاث سنوات على رفع الغطاء الأميركي عن المحافظة، وتسليمها بلا مقابل إلى روسيا والنظام في عهد دونالد ترامب، لكن النظام لم يتمكن إلى اليوم من “هضم” المحافظة المتمردة، على غرار ما حدث في حمص أو حلب أو الغوطة الشرقية. فالمعارضة العلنية فيها للنظام لم تتوقف، سواء في شكل مظاهرات شعبية، أو تغطية إعلامية، أو هجمات مسلحة من خلايا سرية ضد أهداف متفرقة للنظام. وكانت آخر مناسبات هذه المعارضة العلنية الانتخابات الرئاسية التي أجراها النظام وقالت فيها درعا كلمتها رافضة تلك المهزلة.

الواقع ليست الأمور في كامل المحافظة على هذه الصورة. فبعد تسليم المحافظة إلى النظام، بضمانة روسية، اختار بعض الفصائل المسلحة التهجير إلى الشمال برفقة عائلاتهم، في حين فضلت أخرى البقاء وتسليم السلاح. ومن بين هؤلاء من تم إدماجهم في قوات تابعة للنظام أو لروسيا، مقابل عدم تجنيدهم في الجيش وبقائهم في محافظتهم. ولكن حتى أولئك الذين انقلبوا على ماضيهم وانخرطوا في قوات تابعة للنظام، لم يسلموا من عملياته الانتقامية، فتم اغتيال كثيرين منهم تحت جنح الظلام. ففي نظر النظام كانت “الهوية الحورانية” كافية ليصنف الشخص معارضاً، أو معادياً، له.

اليوم يبدو كأن النظام قد حسم أمره تجاه المحافظة المتمردة وقرر السيطرة عليها سيطرة كاملة، بعدما حصل على الموافقة الروسية بهذا الخصوص. فالروسي هو الذي يطالب الأهالي بتسليم أسلحتهم الفردية، ويقوم النظام بتعزيز الحصار على درعا البلد بصورة خاصة بهدف تركيعها. حصار خانق يذكر بأول حصار نفذه النظام هناك، ربيع العام 2011، دفع عدداً من الفنانين والمثقفين السوريين، آنذاك، إلى إصدار بيان معتدل طالب بفكه، وسمي “بيان الحليب”، تعرض الموقعون عليه إلى حملة تخوين شنيعة من زملائهم الفنانين الموالين للنظام.

يقال إن الروس هددوا الأهالي بالسماح بانتشار قوات موالية لإيران في المحافظة، وهو ما يحتمل أن يستجلب ضربات جوية إسرائيلية كما هي الحال في مناطق أخرى تعرضت لهجمات إسرائيلية متكررة طوال السنوات الماضية، بسبب وجود أهداف إيرانية. لا يبدو هذا منطقياً بالنظر إلى التنافس الذي يغلب على التعاون في العلاقات بين الروس والإيرانيين في سوريا، ميدانياً على الأقل. ولكن بصرف النظر عن صحة ذلك من عدمه، يبقى أن الروسي قد رفع غطاءه “الضامن” أخيراً، وقد تكون الأيام والأسابيع القليلة القادمة حاسمة في تقرير مصير درعا.

إذا استطاع النظام فرض سيطرته على المحافظة، فسيصبح وضعها شبيهاً بوضع مدينة حماة التي استسلمت مبكراً في صيف العام 2011 حين اقتحمتها دبابات النظام، بعد أسابيع حافلة شهدت أكبر المظاهرات في ساحة العاصي. لقد استسلمت حماة أمام القوة القاهرة، وفي ذاكرة أهاليها شباط العام 1982، حين دمرها النظام على رؤوس أهاليها، وقتل منهم عشرات الألوف.

هذا النوع من الاستسلام أمام القوة القاهرة لا يحول الناس من معارضين إلى موالين، بل إلى جمر تحت الرماد قابل للاشتعال مجدداً من أن تتغير الظروف. وهذا ما ينطبق على درعا أيضاً إذا حدث وتمكن النظام من استعادة السيطرة عليها. وبصورة عامة لن يعود النظام إلى السيطرة على المناطق التي تمردت عليه في 2011 إلا كقوة احتلال غريبة بلا سند اجتماعي.

بالمقابل لا يبدو النظام متحمساً أصلاً لبسط سيطرته على كامل مساحة البلاد. من المرجح أن هذه الهمة الطارئة عليه، بخصوص درعا، لها علاقة بتأمين الخطوط التجارية الحيوية إلى المعبر الحدودي مع الأردن، في ما يشبه حملاته العسكرية المستمرة على محافظة إدلب وجوارها، بهدف السيطرة على معبر باب الهوى والطرق البرية الدولية. أما الهيمنة الإيجابية على السكان فهي خارج اهتماماته، لأنها تتطلب تقديم خدمات ومكاسب للناس لكسب قلوبهم. في حين هو مكتف بسورييه “المفيدين”.


بكر صدقي، صحفي سوري مقيم في تركيا

مصدر المقال منشور في موقع المدن بتاريخ 4 تموز/ يوليو 2021
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.