في تعريف الارتباك

الكاتب: عبود سمعو
الارتباك لغة: الدوران
الارتباك اصطلاحاً: الحاجز الفاصل بين حقلَي قُطْنٍ سوريٍّ طويل التيلة، ومشغول بعبّاد الشمس.

عيناي تدوران مع عقرب الساعة لسْعةً لسْعة. حاولتُ مراراً أن أخفّف من حدّة ارتباكه بإضافة التربنتين على هذا الأصفر، ليتمدد على قماش اللوحة، اللوحة التي تشغل واجهة مركز خدمات (أم تي إن) في حي الزراعة، الساعة تشير إلى السادسة وثلاث وعشرين دقيقة مساءً، قبل روزنامتين، من الآن، من تقويم الانتظار، معلّقتين على جدار غرفة سقط سقفها سهواً.

بدتْ مثل غزالةٍ هاربة من حقل سمسم، شهيّةً كزهرة قندريس، بعينين مفتوحتين على الحرب عبرتِ الشارع، في الوقت الفاصل بين ارتفاع قدميها ونزولهما على الأرض، في آخر قفزة لها كان الارتباك، لأكون أسير شبكتها وشبكيّة عينيها. أحبّكِ. (آني مرتبك، ماني خايف، وكل هالسوريين مثلي).

الارتباك هو البرزخ إذن، هو الوقت الفاصل بين بين:

– بين سقوط القذيفة وارتطامها.
– بين آخر شهيق وزفيره (اختناقاً).
– بين هطول البرميل وبين الصدى.
– بين لحظة تعطلّ القارب المطاطي (البلم) في عرض البحر، وبين انغماسه في الماء، ككعكة طفل سوري لاجئ في شاي بارد.
– بين انتباهة عين هابيل وغمضتها، بين أسنان سكين وأشياء أخرى.
أحمل ذاكرتي معي وأمشي، ذاكرتي المصنوعة من أكياس النايلون، والتي يصعب تحللها واندثارها، لكنّها تطير لتبدو مثل مروحية تلقي مناشير التهنئة بعيد الجيش. ما زلت أمارس هوايتي في فكِّ شيفرة الرسائل ونزع الطوابع عن المعاملات الحكومية.أصنع في رأسي لوحة فسيفساء لكل موظفي شعبة التجنيد العالقة ملامحهم في رأسي، وهم يشيرون لي، أن أضع المائة ليرة في دفتر الخدمة.. وتعال بعد ساعة، كنتُ قبلها مرتبكاً.
أسرق ضحكَتَيْ طفلٍ أمام قذيفة لم تنفجر، أسرق بيدر حلم من امرأة عجوز لا تزال تحبّ مرآتها المكسورة، وتجمعُ شظاياها في صندوق العرس.

أقطف تفاحةً من غصن عربة، العربة ذات الثلاث عجلات المركونة في ساحة سوق اليهود في مدينتي منبج، كان ذلك عندما كنت في الخامسة، ببراعة طفل قطفتها، وأكلت نصيبي من كفّ ثلاثي الأبعاد، لا يزال خاتم أمّي عالقاً على وجهي، اضطرت أمّي بعدها، أن تشتري لنا ثلاثة كيلو من التفاح، معتذرة للبائع عن طول يدي.

مرتبكا كنتُ أشير بأصابعي إلى العربة وأنا أبكي، البائع يزن التفاح لنا، أمّي تخرج النقود ثمن الكلس لتشتري به التفاح، وأنا أشير بيدي إلى واجهة العربة فوق العجلة الأمامية.
كنتُ أشير إلى الشجرة المرسومة على العربة، لم أسرق التفاحة، لقد قطفتها يا أمّاه.

أسرق طبشورة ملوّنة من طرف السبورة، لم أسرقها، أنا فقط أردتُ أن أرسم على الطريق المعبّدة حديثاً، شمساً باللون الأخضر.

أسرق عمري الذي أمضيته مرتبكاً بين الحب والحرب وطوابير الخبز والتجنيد في المدينة الفاضلة. وكل السوريين مثلي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.