في انتظار «أضحى» لا يتذابح فيه المسلمون

719

من صحيفة القدس العربي اخترنا لكم اليوم راي الصحيفة
يا لها من صورة خادعة، لاتعكس حقيقة احوال هذه الامة. مليونا مسلم في رداء ابيض بسيط يعكس حالة من الزهد والنقاء والمساواة والتراحم.. يقفون في مكان واحد، على قلب رجل واحد، يؤدون الصلاة نفسها، ويتضرعون الى إله واحد، مع اختلاف ألوانهم وجنسياتهم وألسنتهم ومشاربهم الثقافية والسياسية، ويعين بعضهم بعضا على تحمل مشقة الصعود الى جبل عرفات في الظهر، ثم النفير مع الغروب، بينما تتعلق بهم افئدة وانظار ألف وأربعمائة مليون آخرين من المسلمين الذين يغبطونهم على ما افاء الله عليهم من نعمة الحج، ويتمنون لو قدر لهم ان يكونوا في المكان نفسه.
هل ينتمي اولئك الحجاج العابدون القانتون، المسبحون بكرة وعشيا الى المسلمين انفسهم الذين يتذابحون في اكثر من بلد حتى غرقت خريطتهم في الدماء وسقط عشرات الآلاف منهم بين قتيل وجريح منذ الاضحى السابق فقط؟
هل ينتمون الى «الامة» نفسها التي تتفرج على الاقصى الاسير الجريح اولى القبلتين وثالث الحرمين فيما تنتهكه قنابل الجنود الصهاينة ورصاصهم واحذيتهم الثقيلة بشكل شبه يومي؟
هل جاءوا من البلاد الاسلامية نفسها التي رفض بعضها استقبال اللاجئين من «اخوانهم» المسلمين، ما اضطرهم الى المخاطرة بحياتهم سعيا للوصول الى اوروبا التي طالما وصفت بـ»دار الشرك»؟
هل اصبحنا في حاجة الى اعادة تعريف لمعنى كلمة «مسلم»؟ هل مازلنا حقا «امة اسلامية»؟ وهل مازلنا «خير امة اخرجت للناس»، ام اصبحنا «امة من اللاجئين»؟ وهل مازال المسلمون «جسدا واحدا اذا اشتكى منهم عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» ام اصبحوا جسدا يقتل بعضه بعضا، ويتآمر بعضه على بعض؟
ماذا يصدر المسلمون الى العالم اليوم غير الصور المأساوية للقتل والحرق والدمار وآلاف اللاجئين الى جانب جرائم ضد الانسانية ترتكبها جماعات تمارس الارهاب باسم الدين، وهو منها براء؟
وحسب خطبة مفتي السعودية على جبل عرفات امس: «لقد نبت بيننا من أبناء السوء من عرفوا بانحراف أخلاقهم وطيش عقولهم شذوا عن جماعة المسلمين وخرجوا عنهم وكفروهم واستباحوا دماءهم بالأعمال الانتحارية.. فدمروا مساجد الآمنين، ونسبوا قولهم السيء ورأيهم الخبيث إلى الإسلام كذباً وزورا».
لكنه لم يخبرنا: من اين اتى هؤلاء؟ أليسوا ثمرة لأمراض سياسية وثقافية واجتماعية متراكمة في العالم الاسلامي؟ وكيف اصبح ذبح المسلم وتفجير المساجد عملا يتقرب به الى الله حسب اكاذيبهم؟ واين هؤلاء من الحديث النبوي الذي اكد ان هدم الكعبة حجرا حجرا لأهون عند الله من قتل مسلم واحد بدون حق؟
وبعيدا عن الخلافات والمكايدات والحروب والصراعات، تبقى ثمة حقيقة واحدة لا يكاد يختلف عليها المسلمون اليوم. انهم يعيشون نكبة غير مسبوقة، لا تدانيها اي من نكباتهم التاريخية مثل ضياع الاندلس او فلسطين، وفتنة تعيدهم الى ظلام العصور الوسطى، بينما ينطلق العالم حولهم الى آفاق غير محدودة من التقدم العلمي والحضاري.
ومن الممكن ان يلجأ المسلمون الى تفسيرات سهلة تعزو ضعفهم وتشرذمهم الى «المؤامرات الخارجية»، وليس مستبعدا ان يكون بعضها صحيحا، ولكن من الذي وضع تلك المؤامرات موضع التطبيق؟ أليسوا اناسا من ابناء جلدتنا وديننا وثقافتنا؟
وبالطبع ان المسلمين محاطون، كما كانوا دائما، بأعداء يتربصون بهم. الا ان الخطر الحقيقي الذي اصبح يهدد وجودهم نفسه اليوم، وليس مجرد اراضيهم او ثرواتهم، اصبح يأتيهم من داخلهم.
ولا يحتاج المرء ان يكون عالم دين، ليعرف ان الاحرى بالمسلمين، وهم يذبحون الاضاحي بعد صلاة العيد صباح اليوم، ان يفكروا بالمسلمين الذين يذبحون يوميا في اكثر من بلد بأيدي «اخوانهم» المسلمين ايضا، والاطفال الذين يتيتمون لمجرد انهم ولدوا في عائلة سنية او شيعية، والنساء اللاتي يسبين ويغتصبن باسم الدين، والعائلات التي تلقي بنفسها في البحر هربا من الموت او سعيا الى حياة تتمتع بالحد الادنى من الكرامة الانسانية.
اخيرا وللاسف الشديد، مهما حلت أعياد وراء أعياد، فإن العيد الحقيقي للمسلمين يبقى مؤجلا بانتظار انتهاء كل هذا «الذبح غير الشرعي» لاخوانهم، وانكسار هذا الاندفاع الجنوني لأمتهم، او مابقي منها، نحو الانتحار.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.