في الدولة الحديثة كيف يمكن الحفاظ على العقائد الدينية بعيدة عن استثمارات الساسة

هل يعني فصل الدين عن الدولة تنحية الدين عن الحياة الاجتماعية؟ وهل هذه المقولة تكفي لوحدها لتحقيق الاستقرار والازدهار للدولة؟

فاديا حج فاضل

يعني الدين قبل كل شيء علاقة روحية بين الإنسان وربه دون أية وساطة من أحد، فهو ليس نظاماً سياسياً، وانما هو نظام اجتماعي جاء لتنظيم حياة الإنسان الروحية.

ومن هنا تكتسب قضية فصل الدين عن الدولة أهمية خاصة في أي مجتمع من المجتمعات، وخاصة تلك التي ما زال يسيطر عليها الفكر العقائدي، ويكتسب فيها رجال الدين دوراً مبالغاً فيه، مستفيدين من مفهوم القداسة الذي تكتسبه الشرائع الدينية، هذه القداسة التي تنسحب من الشرائع ليرتديها الأفراد، وبذلك تنتقل سلطة الله إلى سلطة الأفراد، مما سيخلق تعارضاً بين ما هو دنيوي وما هو إلهي وتسخير الشريعة لخدمة الحاكم، وهو ما سيخلق شكلاً عميقاً من الطغيان والاستبداد سينعكس على مقومات الدولة، وحتى سينعكس على مفهوم الديانات بالوقت نفسه.

العلمانية، مفهوم ليبرالي يشير إلى فصل الدين عن الدولة والمجتمع المدني عن المجتمع السياسي، بمعنى ألا تمارس الدولة أية سلطة دينية، وألا تمارس الكنيسة والجامع والمعبد أية سلطة سياسية أيضاً. وربما هذا التعريف مشتق من المقولة الشهيرة التي صاغها محمد عبده: “لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين” وكذلك مقولة سعد زغلول الشهيرة: “الدين لله والوطن للجميع”.

وبالتالي الفارق الجوهري يكمن هنا، في أن تكون الدولة حديثة، لا تتدخل في الشؤون الدينية ولا تسمح لرجال الدين بالتدخل في الشؤون السياسية وتطبق سوى القانون الوضعي. لذا فإن العمل على تطبيق مفهوم فصل الدين عن الدولة ليس شعاراً موجهاً ضد الدين أو الشرائع السماوية، بقدر ما هو مفهوم يعني فصلُ الحكومة والسّلطة السّياسيّة عن السّلطة الدّينيّة أو الشّخصيّات الدّينيّة. وتعني أيضًا عدم قيام الحكومة أو الدّولة بإجبار أيّ أحدٍ على اعتناق وتبنّي معتقدٍ أو دينٍ أو تقليدٍ معيّنٍ لأسباب ذاتيّة غير موضوعيّة، كما تكفل الحقّ في عدم اعتناق دينٍ معيّنٍ وعدم تبنّي دينٍ معيّنٍ كدينٍ رسميٍّ للدّولة. وبمعنى عامّ، فإنّ هذا المصطلح يشير إلى الرّأي القائِل بأنّ الأنشطةَ البشريّة والقراراتِ -وخصوصًا السّياسيّة منها- يجب أن تكون غير خاضعة لتأثير المُؤسّسات الدّينيّة. وهذا ما يمكن أن نسميه العلمانية.

أجد أنه دون الوصول إلى تطبيق حقيقي لهذا المفهوم، وإبعاد المؤسسة الدينية عن السلطة السياسية ستستمر دوامة العنف، ولولا المعركة الطويلة لفلاسفة القرن السابع عشر في أوربا والذين تنادوا بفصل الدين عن الدولة بدءً من الفيلسوف باروخ سبينوزا الذي قال إن “الدين يحوّل قوانين الدولة إلى مجرد قوانين تأديبية”. وأشار أيضًا إلى أن “الدولة هي كيان متطور وتحتاج دومًا للتطوير والتحديث على عكس شريعة ثابتة موحاة”.

ومثله فعل الفيلسوف الإنكليزي جون لوك الذي قال: “من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينيًا أو فكريًا أو اجتماعيًا، ويجب أن تنشغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف. يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر.

هكذا يكون العصر هو عصر العقل، ولأول مرة في التاريخ البشري سيكون الناس أحرارًا، وبالتالي قادرين على إدراك الحقيقة”. ما كانت الدول الأوربية أنجزت مفهوم الدولة الحديثة القائمة على اعتبار الشأن السياسي منفصلاً عن الشأن الديني.

ولا شك أن هذه المقولة لا تكفي لوحدها لتحقيق الاستقرار والازدهار للدولة ما لم تؤدي في مجملها إلى هدف أسمى، ألا وهو (المواطنة) القائمة على المساواة في الحقوق والواجبات كأساس للدولة الحديثة، فما دام المواطنون لا ينتمون إلى دين أو مذهب فكري واحد، وما دام الجميع متساوون في الحقوق والواجبات، لذا فالتزام الدولة بمعتقد ديني أو فكري واحد إجحاف بحق المواطنين المنتمين إلى معتقدات دينية وغير دينية أو فكرية أخرى، لذلك كان لابد من المساواة بين جميع أطياف المجتمع في الحق بالمشاركة (التعددية الفكرية) دون قيد أو شرط (حرية المعتقد)، على أن تكون المواطنة هي القاسم المشترك لجميع فئات المجتمع دون تمييز بينهم على أساس الدين أو المعتقد أو العرق أو اللغة أو اللون.

لذا فإن فصل الدين عن الدولة يعني أولاً عدم إخضاع الفعاليات السياسية والاقتصادية لاحتكار أية سلطة دينية مستقلة عن المجتمع. ومعنى السلطة هنا هو احتكار فئة متميزة بذاتها تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة بشؤون الدولة وفعالياتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وثانياً لا يعني فصل الدين عن الدولة، فصل الدين عن المجتمع، وانما عدم السماح لرجال الدين ووعاظه استغلال المبادئ والقيم الدينية النبيلة لإشباع حاجاتهم ومصالحهم الخاصة وتوظيفها في المجال السياسي والاقتصادي وغيرهما، ويعني أن يكون التشريع نابع من استقلالية مجلس التشريع القائم على الدستور. والدستور هو تشريع وضعي ينظم دولة المواطنة، بمعنى أن الجميع متساوون أمام القانون بصرف النظر عن الدين والمذهب واللون والجنس والأصل او العرق، فكل الناس متساوون امام القانون في الحقوق والواجبات.

ومن تجربة شخصية عشت تفاصيلها في بداية شبابي أنه في العام 2011 خرجنا في بلدي سورية صبايا وشباب، مسلمين ومسيحيين، عرب وأكراد وسريان، ننادي بقيم الحرية والكرامة وحق المواطنة واستطعنا خلال ستة شهور من الحراك الشعبي الوطني أن نهز أركان الحكم الاستبدادي الذي كان يحكمنا، ولكن حينما بدأ البعض يسخّر هذا الحراك لشعارات دينية، تراجع الزخم الوطني الجامع لصالح شعارات دينية مما حوّل وجهة الصراع بين مجموعات بشرية تسعى إلى دولة المواطنة والقانون ومجموعات تسعى لاستعادة الخلافة الرشيدة، وتحوّل الصراع ما بين مطالبين بالحرية والمواطنة وحكومة مستبدة إلى صراع بين دولة مسلمة وحكومة كافرة، مما أشعل دوامة العنف التي مزّقت وطني، والتي بالتالي منحت المستبد الأساسي فرصة لأن يعيد استبداده وطغيانه من جديد لأن لعبة المتدين والكافر لعبة يتقنها المستبدون وهم من سينتصر فيها لا محالة.

ولكن هل يعني فصل الدين عن الدولة تنحية الدين عن الحياة الاجتماعية؟ بالطبع لا، فالدين، تاريخياً واجتماعياً هو من أهم المكونات الهامة للقيم والشعائر والطقوس التي تنظم شؤون الحياة الاجتماعية والدينية. إن فصل الدين عن الدولة والسياسة يعني احترام الدين وقيمه الروحية وهو يعني أيضا حماية الدين والعقيدة من العابثين بهما وعدم السماح باستغلال الدين والشعائر والطقوس من أجل إشباع المصالح الخاصة، وبصورة خاصة من وعاظ السلاطين الذين يستغلون الدين من أجل تحقيق أهداف المستبدين والمتسلطين على رقاب الناس عن طريق رفع شعارات “دينية” لاستغلال عواطف الجمهور. فإقحام الدين في السياسة يهدف دوماً إلى تحقيق مكاسب سياسية واقتصادية وإلى إقصاء الآخر عن الساحة.

هذا المفهوم، فصل الدين عن الدولة، بقدر ما هو مهم لخلق الدولة الحديثة، دولة المواطنة والقانون، سيكون مهماً أكثر للحفاظ على العقائد الدينية بعيدة عن استثمارات الساسة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.