في أقبية السجون

خرج ماشياً على قدميه ليعود بقدمٍ واحدةٍ، هادي المهندس الذي اعُتقل وغُيب في عتمات السجون، ما هي التهمة؟ وماذا حلّ به؟

الأيام السورية؛ فاطمة محمد

أنا لا أبحر في المحيطات ولا أحلق بعيداً عن الواقع، أنا أعيش في عالم وواقع يزداد ضبابية وسواداً بازدياد الآلام ووجع الأيام.

أم ّهادي هي أم المعتقل هادي الوحيد لأبويه الطاعنين في السن، اعتقلته قوات الأسد عام 2015 م في الشهر الثالث وغُيب في عتمات السجون المخيفة أثناء ذهابه إلى مدينة إدلب لتلقي العلاج، هادي الابن البار كان يعاني سكراً شبابياً، ليقبع في السجن المركزي أشهراً ثم يحوّل إلى سجن صيدنايا في دمشق بتهمة التظاهر وكتابة اللافتات المعارضة لحكم ألطاغية، وهنا بدأت رحلة معاناة أم هادي الكبيرة السن في البحث عن رجلٍ ثقة تدفع له مبلغاً معيناً وإن كبر علّها تتمكن من تخليص فلذة كبدها وردّه إلى البيت، تلك الأم المفعمة كمداً لغياب ولدها وليقينها أنها لن تراه ثانية؛ فوجئت بخروج أحد السجناء ممن كان في زنزانته وقدومه لعندها ليطمئنها على هادي ويخبرها إنّه بتمام الصحة والعافية وغيابه مسألة وقت والمطلوب منها الدعاء له.

ماذا حلّ بأم هادي وكأن روحاً جديدة سرت في شرايينها وقوة عجيبة تمتلكها إنه الأمل والتمسك بالحياة، علّها تسعد برؤيته ثانية، وعند سؤال أبو هادي السجين عن ابنه وحالته الصحية أجابه منفرداً بعيداً عن مسمع الأم: هو بخير ولكن التهاباً بالأعصاب السكرية لقدمه اليسرى وغرغرة بالقدم اليسرى أدّى لبترها؛ لذلك سيفرج عنه قريباً، وأنا أتمنى منك أيها الأب الفاضل التجلدّ والصبر وخاصة أمام أم هادي.

أمّا أنا لم أجرؤ على البوح بالحقيقة أمامها حفاظاً على قلب أمّ ملوعة بفراق وحيدها وسندها.

ومضت ثلاثة أشهر والأهل في ترقبٍ، إلى أن أفرج عنه وهو بأنفاسه الأخيرة مع من أفرج عنهم بعد دفع مبلغ معين من المال، ليعود بقدمٍ واحدة استقبلته أمّه بحضنها صارخةً ويح قلبي ماذا حل بك يا ولدي؟ ليتني مت قبل هذا، وضمت هادي إلى صدرها طويلاً وكأن حال لسانها ينطق سأكون لك يا ولدي قدماً ويداً وقلباً خافقاً، المهم أنك القادم من الموت، وعندها بكى الحضور جميعهم لهول ما حلّ بهم.

اندفعت أهل القرية لمواساة العائلة المكلومة والحزن يلّف القرية، رحّبوا بهادي ترحيباً ممزوجاً بالدموع ولقاءً ممزوجاً بغصة، سند والديه حوّله النظام إلى معاق بحاجة إلى إعالة ومساعدة.

أحبتي هذه حالنا في سوريا، شهداء، معتقلين، معاقين، مرضى نفسيين، لكننا رجال نأبى الذل والهوان.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: أين القائمون على مناطق تخفيض التوتر من ملف المعتقلين؟ وهل علينا انتظار معجزة إلهية تفرج عن معتقلي حرية الرأي السياسيين!

مهما كان وما سيكون الحرية باب لا يطرقه إلا الشجعان، وهادي أنموذجاً صادقاً لهذه الشريحة من الناس.

مهما طال ليل وظلام السجون سينبلج فجر الحرية المنار بنور العزيمة والتحدي.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.