فيلم طفيلي (parasite).. محاكاة دموية لصراعات وجودية بنكهة طبقية

في هذا الفيلم يشعر المتابع بإمكانية أن يكون لكل فرد خطّة ارتجالية يعيش في ظلها، ربما تكون خطة تستمد معناها من الصدفة، تقود في نهاية المطاف لمشروع ارتجالي ضخم يستمد مجرياته من غرابة الحياة نفسها رفقة ابتزازها العذب والذي لا يقاوم..

64
الأيام السورية؛ معتز نادر

من الإشكالي إلى حد ما الاكتفاء بالحكم على الفيلم الكوري الجنوبي barasite (طفيلي) الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان الثاني والسبعين 2019، من إخراج بونغ جون هو، بوصفه ينتمي لأفلام الكوميديا السوداء وحسب، بالرغم من محاكاته بشكل واضح في أوقات عديدة من الفيلم لتلك الكوميديا من حيث مجريات القصة والبناء الدرامي و الانسجام المتقن للغة الجسدية للممثلين مع أغراض الخلفية التراجيدية لتلك الشخصيات الأخذة في التنامي انفعالياً وسلوكياً لتتحول من خلال صُدف عبثية غير متوقعة إلى صراع اجتماعي معقد في باطنه، سهل وواضح في دمويتهِ وعنفه، وذلك عَبر تجربة عائلة فقيرة منهكة تستميت في الحصول على العيش والإبقاء على تماسك العقد الأسري، لتصطدم منتصف الفيلم بمساعي عائلة أخرى من نفس الوجع فيقع التناقض ويتحول موضوع الأحداث من صرخة فئوية ضد قسوة وتعنّت النظام الاقتصادي الاجتماعي بمعناه العام، إلى صدام عنيف يترجم أبدية الصراع الطبقي وحيوية جيناته بالتوازي مع غرابة الفرد وغريزية سلوكياته.

فمنذ البداية يُظهر لنا الفيلم نضال عائلة عاطلة عن العمل مكونة من زوج وامرأته وولديهما شاب وفتاة، وسعيها الحثيث من أجل التشبّث بأي فرصة تساهم في الخروج من المأزق الاقتصادي للحصول على التوازن اليومي للعيش، من جهة أخرى تبدو العائلة متماسكة متآزرة ومتصالحة مع جُرحها المادي، ومع عدم تساهلها في إيجاد أي فرصة مهما كان نوعها تنتشلها من عالمٍ إلى عالم، العائلة قاسية قسوة الحياة بضغطها المترامي.

في المشاهد الأولى بدا تصالح الأسرة ذاك كغطاء رقيق لمكر الفقراء المحدود والهش، كانت كمن يقاوم قسوة أشد فتكا وأعمق شراً، شر الاستنزاف الاقتصادي التقني، لم يكن يبدو أن جدية العائلة للحصول على القوت ستؤول في نهايتها إلى سلوك دموي.

بداية الحصول على مخرج

تجد العائلة مخرجاً لها بحصول أحد أفرادها الابن اليافع “كيفن” على وظيفة مدرس للغة الإنجليزية لدى فتاة من عائلة شديدة الثراء بمساعدة أحد معارفه، ومن هنا تبدأ الأحداث تتفاعل رويداً رويداً، فعند الطبقات الفقيرة يأخذ الأمل بعداً جامحاً وندرة الإنجازات في تلك الأجواء تجعلها شديدة الأُفق إن تحققت.

ما هي إلا فترة بسيطة حتى يَجر الفتى قدم شقيقته “جيسيكا” معه إلى قلعة الثراء تلك لتشرف نفسياً على عبقري العائلة الصغير “داسونغ” ذو السنوات الخمس الذي مع ميزاته الخاصة يتخيل نفسه مقاتلاً عريقاً من مقاتلي الهنود الحُمر بعد أن رسخت تقاليدهم في ذهنه في رحلة قام بها رفقة ذويه سابقاً.

مخرج الفيلم(مصر العربية)

جيسيكا هي الأكثر استعدادا للأذية من بين أفراد العائلة، وتبدو غريزة إعداد الحيل لديها ناضجة وقريبة من الاستمتاع، إذ أنها بثبات وحذر رتبت عملية طرد سائق المنزل الخاص ليحل أبيها العاطل عن العمل محله بعد أن قامت بخدعة ماكرة ومُحكمة دفع السائق ثمنها طرداً من العمل.

يأتي الأب كسائق مخضرم ليَرتب تدريجياً وبمكر ملفت بالاشتراك مع ابنته جيسيكا عملية اكتمال العقد بجلب أم الأولاد للعمل كمدبرة منزل، على حساب الخادمة القديمة المتفانية التي كادت تدفع حياتها ثمنا لخدعة العائلة، عبر الترويج لإشاعة لدى السيدة صاحبة المنزل بأن خادمتها مصابة بمرض السل، وبالتالي ترتيب كل ما يلزم لإثبات صحة الإشاعة عبر جلب مواد تثير السعال واحمرار الوجه لتسوء حالة الخادمة لاحقاً بسبب ذلك.

أخيراً تأتي الأم البديلة ويلتم شمل العائلة في منزل فخم وبات يحق للعائلة الاحتفال بهذا الإنجاز.

في إحدى الليالي يخرج أصحاب الصرح في رحلة، ليخلد الفريق الطموح لأحلامه على لسان الأب الذي أكثر بالشرب ليعبر بين المزح والجد ووسط تهكم ابنته عن رغبته المستقبلية أن يرتبط الفتى بابنة سيد المنزل الثري لتتم السيطرة على هذا الصرح العظيم الذي شيده كما قيل المهندس المعماري “نامقونغ” الذي بدا أنه شيده كي يكون شاهداً على تصفية النفوس لجيناتها الدفينة، ومسرحاً لحرب عالمية بين أفراد أنهكهم هاجس الحلم وإثبات الذات والحصول على العيش.

لكن يبدو أن الأب ما زال مرتبطا بشكل أو بأخر بذلك التعاطف وتلك الشفقة على من مثله، فتذكر في خضم احتفاله؛ البريء، السائق المطرود الذي عامل ابنته بلطف، وتمنى له ايجاد عمل يليق به بدلاً من العمل الذي خسره هذا الأب المُعدم، بالفعل إنه لا ينسى ماضيه، إنه حقاً فقير متمرس.

مشهد من الفيلم (نون بوست)

الأب ورائحة الفجل القديم

الأب السائق تفوح منه أغلب الأحيان رائحة غريبة، ربما هي الرائحة النوستاليجية الراسخة في بيتهم، في ذلك الحي، لكنها في ذات الوقت تبدو كونها أكثر من رائحة معتقة من منزل بخس الثمن، إنها ذكريات ماضٍ متعلق بتاريخ الأب الشخصي دون سواه من بقية أفراد العائلة، فهو الأعتق، والأكبر سناً، والحقيقة يشعر المتابع للفيلم بأن سلوك الأب دفاعي صرف، نابع من حاجة عميقة للأمان أكثر من بقية أفراد العائلة التي تشاطره نفس الحاجة، وأن تلك الرائحة التي شبهها صاحب العائلة الثرية السيد “بارك” والتي كان يختص بشمها، برائحة الفجل القديم، ربما كانت تصدر من فم الأب، ربما كان يداوم على أكل الفجل أمثال الأب من منعدمي الدخل، أو أصحاب الدخل المحدود، بالمحصلة سيساعد الصدى الحائم حول تلك الرائحة بوضع اللمسة الأخيرة للوحة سفك الدماء.

بمحض الصدفة وقع الأب المكافح فريسة لرجل شمّام

في إحدى الليالي ترجع عائلة بارك من رحلتها فيما لا تزال في طريقها بسبب الفيضان الذي سببه هطول الأمطار، فيما يدور صدام جسدي وجودي حاد ومستميت، بين العائلة المنتصرة والخادمة القديمة، التي عادت ليلاً عن طريق الصدفة في لمسة عاطفية مُعذبة، كي تطمئن على زوجها شبه العاجز والذي يعيش في قبو الأغذية من مدة طويلة وبصيغة غريبة دون أن يعلم أصحاب المنزل.

صورة جامعة لأبطال الفيلم (مصر العربية)

دلالات قبو الأغذية

تكتشف العائلة المقيمة الأمر، وفي خضم جدالات ابتزازية بين الطرفين، تحدث مشادة كلامية تتطور لمشاجرة متفرقة عنيفة بالأيدي والأرجل، مسرحها قبو الأغذية بالمنزل الفخم تنتهي بموت الحرس القديم المتمثل بالخادمة الأمينة، التي كُسر ظهرها قبل موتها برفسة خلفية لا مبالية من الخادمة الأم بينما كانت الأخيرة تعد الطعام لعائلة السيد بارك العائدة سريعا من الرحلة.

هذا المشهد العبثي والخالي من التعقيد في ذات الوقت، والذي لا مكان فيه لرفاهية الأحكام الأخلاقية بسبب الحضور المكثف للحالة الوجودية الدفاعية، يكرّس نزعة التفكير بالبعد النفسي للفيلم بالتوازي مع الغرض الفلسفي الفكري، من خلال تركيزه ضمنيّاً على حاجة الفرد للأمان بأبعاده العميقة، وبالتالي بذل كل الجهد للحفاظ على استمرارية ذلك الأمان والتمسك بنوعيته الاقتصادية بالنسبة للعائلتين المتقاتلتين.

فكلتا العائلتين من نفس الطبقة الاجتماعية، وتحملان نفس الرغبة بالأمان اليومي، الذي هو شكل ظاهري لأمان أعمق غورا، وذلك عن طريق وضع قدم في الجنة المسماة قلعة السيد بارك وبالتالي التمسك بالإحساس اليومي لذلك الوضع الحالم.

من ناحية أخرى؛ الشجار في قبو تخزين الطعام يحمل دلالة سياسية تاريخية لكن بنكهة غريزية، بأن أصل الصراع البشري بشكله السياسي، إنما هو صراع للحصول على الغذاء، وبشكله الوجودي اليومي هو صراع على كل شيء، نزاع على كل ما يتيح للحياة أن تكون أسهل والعمل في منزل بارك بالذات يجعل الحياة سهلة وصحيّة.

وأن الذي حصل إنما حصل أصلا بسبب وجود عائلة على ذاك القدر من الثراء لا يستطيع أحد الاقتراب منها، مقابل عائلة على ذاك القدر من القلّة، بإمكان الكثيرين أن يجعلوها تشعر بالبرد البرد الذاتي، لنا أن نتخيل فقط أن السيد بارك لم يرى قبو تخزين الطعام منذ شرائه المنزل.

الفيلم يمرر رسائل كثيرة؛ وإحدى هذه الرسائل، هي أن البؤس يتغذى ويستمد بقائه من إخفاقات وأمال محطمة لبؤس أخف درجة منه.

مجزرة بنكهة سوريالية

في يوم احتفال عائلة بارك في حديقة المنزل بمناسبة مولد الموهوب “داسونغ” يخرج زوج الخادمة القديمة من قبو الأغذية كمن يخرج من تحت الأنقاض، جامحاً، بيده سكين، مقتحما الجموع بدافع الانتقام من قاتلة زوجته، التي هي الخادمة الأم، فتحدث مجزرة بنكهة سوريالية في أكثر لحظات الفيلم جدية، تنتهي بمقتل الزوج المندفع وجيسيكا والسيد بارك، بطريقة سريعة وانسيابية، وبذات الوقت مدهشة تبعث على الصدمة.

بينما يتغذى المُشاهد على أكثر مشاهد الفيلم كثافة من ناحية الجمال البصري الملحمي، فهذا المشهد أكبر من السينما وأقرب إلى المسرح.

مقتل السيد بارك وجيسيكا بنفس السكين يمثل لحظة مشهدية خاصة فبعد أن قتل الزوج جيسيكا بدل أمها، نجحت الأخيرة في قتله وهي تدافع عن نفسها وسط ذهول الأب.

بالنسبة للسيد بارك دفع ثمن قدرته الخاصة على الشم، فبروده الوراثي البليد الواضح وهو يقف بجانب الرجل المحتضر، الذي شكره على لطفه بينما يلفظ أنفاسه، فيما توقف بارك برهة عند شمه لرائحة صدرت من الرجل الصريع على مرأى من الأب السائق، الذي طالبه بارك برمي مفتاح السيارة لإسعاف ابنه الذي فقد وعيه بسبب ما حصل، فأيقظ بتلك الإشارة تاريخاً كاملا من اللحظات المؤلمة لدى السائق المفجوع بابنته، وكرّس إحساسا عميقا بالدونية الطبقية عنده.

وبأن رجولته التي تحطمت، جعلته يندفع مع رمقة غريزيّة افتراسية ليقتل الرجل الثري، ففي تلك اللحظة أدركت ذاتهُ متفجرة، حقيقة المعركة، فصرخ عميقاً من الداخل: لسنا نحن فقط من نقتل بعضنا لأجل الحصول على الفتات منكم فأنتم تقرفون منّا حتى ونحن نموت غارقين في دمائنا.

في إحدى لقطات الفيلم قال السائق لابنه كيفن “إن أنجح خطّة هي أن لا يكون لديك خطّة”.

من خلال هذا الفيلم يشعر المتابع بأنه ممكن أن يكون لكل فرد خطّة ارتجالية يعيش في ظلها لكن ربما تكون خطة تستمد معناها من الصدفة تقود في نهاية المطاف لمشروع ارتجالي ضخم يستمد مجرياته من غرابة الحياة نفسها رفقة ابتزازها العذب والذي لا يقاوم.

بوستر الفيلم (العرب وآسيا)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.