فن المحاكاة الساخرة وعصرنة الثقافة الكلاسيكة.. محمد جيرين مثالاً

شخوص هاربة ورافضة للواقع ومتهكمة عليه وأحياناً منكسرة فيه، مثلنا تماماً كبشر قائمين اليوم، لكن الممتع أنّه يوجد من يمارس معنا الحياة اليومية ليترك اللوحة ويدخل البؤس طواعية لتخفيف حدة المعاناة التي نشعر بها بطريقة ذكية وجميلة.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

شخصياً أحب الكلاسيكيات، أحب الأساطير وأحب التاريخ كلما أصبح أكثر تعتيقاً، وأميل إلى النصوص الأدبية الإشكالية في بدايات نشوئها، وأعشق الكلاسيكيات الموسيقية وحتى فنون الرسم الكلاسيكية بالعام ومراحلها المختلفة الباروك والرومانتيك والانطباعيات، لكن منذ فترة لا بأس بها، بدأت أميل إلى أنواع أكثر عصرية في هذه الأشكال الفنيّة، وهنا لا أتحدث عن ثقافة البوب التي انتشرت في الستينيات حتى بداية التسعينيات حول العالم، بل أتحدث عن ثقافة بدأت تظهر بعد العصر التكنولوجي الثالث، وهي تقديم الفنون بطريقة جديدة كلياً، وربما النموذج الذي يمكن تقديمه لشرح الموضوع، هو عن طريق مصمم الفوتوشوب التركي محمد جيرين (Mehmet Geren).

محمد، شاب يعمل في مجال الإعلان والموضة، لكنه في أوقات فراغه يقدّم فناً مختلفاً كلياً عن الشائع، وهو مزيج رائع من اللوحات الكلاسيكية وإضافات عصرية بثقافة شعبية شائعة ليخلق منها رؤية ساخرة أو ما يُطلق عليه تصنيف (آرت بارودي Art Parody) فن المحاكاة الساخرة.

روعة العمل الذي يقوم به محمد، هو أنك لا تشعر أثناء مشاهدة اللوحات المعدلة بابتذال فني أو استصغار لعقل المشاهد كما تفعل ثقافة الميمز المشهورة في السوشيال ميديا، والتي يمكن أن يستخدموا فيها حتى الأشياء الجميلة لخلق ثقافة كريهة اتجاهها وراء مسمّى الضحك، لكن عند محمد تشعر فعلياً بروح فنان حقيقي، يقدّم عمل ذو مصداقية وجمالية بروح ساخرة دون اسفاف فكري أو تحقير لجمالية العمل المعروض. إنه فعلياً محاكاة لواقع نملك اتجاهه موقف ما، لكن لسنا وحدنا من نملك ذلك الموقف أو نعبّر عنه، بل حتى الشخوص في اللوحات الكلاسيكية تمتلك قدرة التعبير والحياة والخروج من الإطار التاريخي لها، لتكون معنا كعنصر حي وجمالي لكن نظرتها إلى العالم الذي ننتمي إليه ككل، هي نظرة إلى عمق الانهيار الثقافي المتسارع في الواقع القائم، بطريقة تعبير تكنولوجي.

لوحة استخدمه للفنان محمد جيرين(موقع الفنان)

فمثلاً لوحة (هل أنت متأكد؟) أو (لا موسيقى، لا حياة) أو (استخدمه) أو (سبوتفاي) توضح مدى العمل الإبداعي لدى جيرين.

عالم متكامل من السيريالية الحديثة في مزيجها بين الواقع الشعبي واليومي وبين تاريخ الفن.

أو إذا أردنا أن نتحدث بتفصيل عن الهدف من هذا المزيج فيمكن أن نأخذ لوحة (ريمايندر) على انها صورة مكتب فقط، دون إضافة الكلاسيك فيها، إنها صورة تقليدية إلى درجة قد لا تلفت النظر أبداً، لكن استخدام شخصية تمتلك ذلك العمق الانهزامي والمؤلم في تعابيرها وانكسارها، بتفاصيل محطّمة، مع عصرنة المكتب والجملة التذكيرية (تذكير.. لا تقتل أحداً اليوم في المكتب)، يمكن أن نفهم مدى الهشاشة في فكرة العمل الذي نقوم به اليوم رغم سهولته، الروتين وتحطيم الشخصية والشعور بالبؤس من كل تلك الرفاهية القائمة.

لوحة هل أنت متأكد للفنان محمد جيرين (موقع الفنان)

هذا المزيج الإبداعي في اللوحة، يجعلنا نقف مطولاً حول تفاصيلها وتأملها وكأننا نقف لنشاهد عملاً كلاسيكياً حقيقياً تم بذل جهد سنوات لانجازه، رغم أنّ انجازه بالنسبة لمحمد قد لا يستغرق ساعات قلائل، لكن صدق التعبير عن أزمة الإنسان وهويته وما يشعر به في عالم متسارع ويحطّم البشر، يخلق في أعمال محمد أنماط جمالية تجعلنا شغوفين لتأملها وتُثير الإعجاب.

بالطبع هناك الكثير من اللوحات التي يمكن الحديث عنها، وهي من العدد أننا لا يمكن التوقف عندها جميعاً؛ لكن تجربة محمد مثل كثيرين آخرين ينشرون هذه الثقافة في عالم اليوم، بالحفاظ على هذه الجمالية الاستعراضية، فهي ليست شيئاً سيئاً مقارنة بالابتذال المعرفي الذي يتم ترويجه على السوشيال ميديا أو على الانترنت بالعام، على الأقل مع هذا الفن المعاصر، فنحن نشاهد فناً صادقاً ويمتلك روح الرفض والنقد اللاذع بإخراج تاريخ الفن من مصنّمه التقديسي لمحبي الفن، وإخضاعه لشروط التهكميّة الذاتية والثقافية وجعل الشخوص تتحدث بلسانها المعاصر.

شخوص هاربة ورافضة للواقع ومتهكمة عليه وأحياناً منكسرة فيه، مثلنا تماماً كبشر قائمين اليوم، لكن الممتع أنّه يوجد من يمارس معنا الحياة اليومية ليترك اللوحة ويدخل البؤس طواعية لتخفيف حدة المعاناة التي نشعر بها بطريقة ذكية وجميلة.

لوحة التذكير للفنان محمد جيرين(موقع الفنان)
لوحة لا موسيقى لا حياة للفنان محمد جيرين(موقع الفنان)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.