فن الشذرة.. من الرصانة الفلسفية إلى ثقافة اللا ثقافة

الشذرة هي صيغة فنيّة مقطعيّة، تتمرد على الأنساق الصارمة التي يفرضها الفكر الفلسفي في بنائه المتماسك، إنها فن متفسّخ في صورته، فتبدو الشذرة مفككة، ثائرة على المقاييس الفنية والأدبية والفكرية السائدة، وتمتاز بالاقتضاب والتكثيف.

الأيام السورية؛ علي الأعرج

إذا ما استثنيت نيتشه، فإنّ كل من كتبَ فنّ الشذرة، أو الفن المقطعي، شخصياً لا أميل إليه كثيراً – أقرؤه لكنه لا يثير حماستي ولا يخلق في داخلي شيئاً استثنائياً – كسيوران وكانيتي وبيسوا.. الخ.

ربما لأني أميل أكثر لفكرة البناء المحكم، واعتباري أنّ مسألة الاقتطاع يمكن صناعتها بسخافة وتضخيم غير منطقي اجتماعياً لها، دون أن تفعل تأثيراً ثقافياً حقيقياً في الذات أو في المجموع؛ ما هو فن الشذرة؟ وما هي الأسباب التي انتشر فيها عالمياً في القرن الجديد؟ ولماذا أصبحت فكرة الرأي المقطعي تطغى على الجوهر الثقافي والكتابات السردية؟

يعبّر الشاعر والناقد الألماني فريدريك شليغل عن فن الشذرة: بأنها الفن الذي يخاطب المستقبل ويظل معاصروه في أغلب الأحيان عاجزين عن فهمه أو تقبله.

أي أنّ الشذرة هي صيغة فنيّة مقطعيّة، تتمرد على الأنساق الصارمة التي يفرضها الفكر الفلسفي في بنائه المتماسك، إنها فن متفسّخ في صورته، فتبدو الشذرة مفككة، ثائرة على المقاييس الفنية والأدبية والفكرية السائدة، وتمتاز بالاقتضاب والتكثيف.

وطبعاً هناك الكثير ممن مارسوا الشذرات في العالم وفي الوطن العربي أيضاً، ولو لمرة واحدة على الأقل، كإبراهيم الكوني، وأدونيس ومحمود درويش وأنسي الحاج، حتى عبد الرحمن منيف قام به كشذرات سياسية ووجدانية.

والقائمة عالمياً وعربياً لا تنتهي، لكن المشكلة بفن الشذرة، ليس أن يكتب المفكر أو الأديب أو الفيلسوف هذا النمط ضمن أساليبه الأدبية والفكرية الأخرى، بل أن يكون تعبيره الكلي هو هذا النمط.. ويمكن اعتبار سيوران بالذات التمثيل الأعمق لفكرة المفكّر الذي لم يقم في التعبير عن نفسه بأي بناء محكم، لم يعبّر إلى بالاقتطاع الثقافي والتكثيف النثري.

فمثلاً نيتشه كتب الشذرة بعد عدد كبير من البناءات المحكمة التي قدّم فيها فلسفته، الأمر نفسه يُقاس على كانيتي، والأدباء والمفكرين الغربيين والعرب.. الخ. لكن سيوران قدّم مادة جديدة كلياً، وربما كانت تجربة ذاتية مطلقة في التعبير عن يئسه الوجودي، لكنها انتشرت عالمياً إلى مستوى أصبحت مع العصر المتطور هذا ووجود السوشيال ميديا، طامة فلسفية وفكرية لا يمكن احتمالها.

بالطبع سيوران كتب في زمن كان يفقد كل أمل في تحقيق شيء، لكن شهرته بعد وفاته وبداية ترجمات أعماله إلى العالم، خلقت أسلوباً فكرياً، انتشر شعبوياً مع انتشار السوشيال ميديا وبالأخص ثقافة التويتر في التعبير المحدود بالأحرف والفيسبوك، والتي يمكن إطلاق “ثقافة اللاثقافة” عليها، والتي تعتمد أساساً على اجتزاء أي جملة من سياقها المعرفي وتقديمها على أنها تعبير كامل عن وعي وثقافة وفلسفة صاحب الحساب وليس القائل. وبطريقة أخرى اعتماد كلي على ثقافة الشذرة لسيوران ونيتشه إذا ما أراد صاحب الحساب أن لا يُتعِب نفسه في القراءة الطويلة لاجتزاء مقولة من جوهر كتاب كامل؛ أو حتى اعتبار صاحب الحساب أنه فيلسوف أو مفكر في أسوأ الأحوال وإطلاق تعابير مجتزأة على أنها شذراته الخاصة والتي تلقى الرواج التام ضمن عالم افتراضي؛ لقد فقدت الشذرة قيمتها الفلسفية العميقة وأصبحت في يد كل شخص يمكن أن يكتب دون بناءات محكمة، ويلقى الاستحسان.

طبعاً يُرجِع البعض هذا التجهيل المعرفي وانتشاره إلى تقنيات المعلومات المتاحة اليوم، لكن بتصوري أنّ السبب الرئيسي بالإضافة للقيم المعرفية الجديدة التي خلقها السوشيال ميديا، من السخف والتفاهة الثقافية، هي طبيعة فن الشذرة عندما أضحت بديلاً عن البناءات الفلسفية والأدبية المحكمة، والتي قادها فعلياً سيوران على مستوى العالم.

الفيسبوك اليوم – بطريقة ما – هو فعلياً فن الشذرة والكتابة المقطعية، لكن هل يمكن أن نعتبر كلام شليغل هو حقيقة إلى درجة بأنّ ما نقرأه على السوشيال ميديا بملايين الحسابات والأفكار والانجازات هي حقيقة فن الشذرة؟.

من الواضح أنّ هذا الفن أصبح هو الشائع والسائد، وأضحت الفلسفة والفكر العمق في التعبير عن الذات خاضعة كلياً لهذه القراءات المجتزأة الاقتطاعية، وهناك حالة جمعيّة لاعتبارها هي حقيقة الفكر المعاصر.

لقد خلقت فنّ الشذرة أنصاف المثقفين، وخلقت فعلياً فكرة فصل الثقافة البنائية المحكمة عن القارئ الطبيعي، إن انتشار فكرة النخبة الثقافية وبالأخص اليوم في التطور التقني، سببها انتشار الاقتطاعات المعرفية واللغوية والفكرية واجتزاء واستسهال الكلام وترتيبه بطريقة تجعله يبدو عميقاً لكنه ليس أكثر من هراء.

اليوم إن أردت أن تعلم مقدار ثقافة شخص، فسيجتزأ لك مقولة سيورانية، أو نيتشوية، وبأفضل الأحوال مقولة دوستويفكسية أو كافكاوية، ليثبت لك مقدار عمقه، لكنه لن يناقشك في بناء فكري مُحكم (على خلاف إن اتفقت مع بنائه الفكري أم اختلفت).

اليوم عندما تجادل شخص وتشعر أنه يمتلك بناء معين في دماغه ويدافع عنه حتى لو كان يتخلله عدم منطق، فهذا شيء إيجابي أمام الكم الهائل من الثقافة الشذرية المنتشرة في اندماجها التقني، والتي أصبحت جوهر ثقافة شبه الجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.