فن الشارع.. بانكسي مبدع الجرافيتي والفنان المتمرد على الظلم

تميزت أعمال بانكسي بأنها لافتة للانتباه، حادة الوقع، وغالبا ما تسخر من العلامات المسجلة وتشييء الإنسان والرأسمالية.. سخرت أعماله من السياسة، ورجال الشرطة، ومن الحرب، ومن النفاق والأنانية والنظام العالمي.

الأيام السورية؛ بتول حسن

البعض يحاول أن يجعل من العالم مكانًا أفضل، أما أنا فأحاول جعله مكانًا أجمل، فإن لم يعجبك رسمي، يمكنك مسحه. *بانسكي

بانكسي، اسم مستعار لفنان الشارع صاحب الرسومات المثيرة للجدل والتي غالبا ما تكون موضوعاتها ذات طابع سياسي ساخر وإنساني شديد الحساسية والذكاء.

فن الشارع

كان موضوع فيلم “خروج من متجر الهدايا “وهو فيلم من إخراج بانكسي نفسه، يتحدث في مجمله عن العلاقة بين التجارة وفن الشارع. الفيلم هو حكاية الشارع، وكسر القواعد وتحدي المألوف والسخرية من العُرف الذي لا يحمي إنسانية الإنسان من خلال تصوير مهاجر فرنسي وولعه بفن الشارع.

تميزت أعمال بانكسي بأنها لافتة للانتباه، حادة الوقع، وغالبا ما تسخر من العلامات المسجلة وتشييء الإنسان والرأسمالية.. سخرت أعماله من السياسة، ورجال الشرطة، ومن الحرب، ومن النفاق والأنانية والنظام العالمي، والطريف أن أعماله نجحت في تغيير وجهة النظر إليها من مجرد أعمال شارع تخريبية إلى قطع فنية مبهرة وغالية.

من لوحات بانكسي الشارعية (ساسة بوست)

الرسام الغامض والمجهول

في الليل، وفي أماكن لا يتوقعها جمهوره يرسم فنان الجرافيتي «بانكسي» لوحاته على جدران الشوارع، متخذًا من أحد معالمها مرتكزًا لرسومه التي تلفت نظر الجمهور؛ لما تحمله من رسائل مختلفةً حول الفنّ والفلسفةِ والسياسة، وما تثيره من قضايا، إذ تخوض موضوعاتها في الحرب، والرأسمالية والنظام العالمي، وممارسات رجال الشرطة، وغيرها.

بدأ بانكسي بالرسمِ اليدويِّ، ومع تزايد البحث عنه تحوّلَ للرسمِ بالإستنسل «ملء لوحات مفرغة مسبقًا، بالألوان» وهو ما يساعده على إنجاز أعماله بسرعة ودقة دون الكشف عن هويته، وهو يرسم على المجسّماتِ أيضًا، ولعلَّ أشهرَ رسومه لوحته من النمط الفيكتوري التي رسمها على فيلٍ حيّ، كما استخدم لوحات أصلية كمادة لأعماله، وأدخل عليها تغييرات.

رصاصة من الزهور لوحة جديدة لبانكسي(سبوتنيك)

بانكسي في العالم العربي

عُرفت أعمال بانكسي في العالم العربي أيضًا، فأعماله تُظهر موقفه من الصراع العربي- الإسرائيلي. وقد رسم في أحد أعياد الميلاد السيدة مريم ويوسف النجار وهما يواجهان جدار الفصل في طريقهما إلى بيت لحم.

وقبل أحد عشر عامًا زار المنطقة، ورسم على الجدار العازل رسومًا عديدة لها نفس ذات المغزى. حيث قال: “إن غسلنا أيدينا من الصراع بين الأقوى والأضعف، فإننا نقف إلى جانب الأقوى لذا لن نكون محايدين”.

من أعمال بانكسي (رويا اليوم)

قام به بزيارة غزة عقب الحرب الأخيرة عام 2014، حيث أصر على الوصول إلى هناك عبر الأنفاق، ورسم أعماله المبهجة على جدران وأبواب البيوت المهدمة، وكان بينها قطة جميلة تلهو بكرة من معدن ـ من ركام حقيقي لأحد البيوت ـ لعدم وجود شيء آخر تلعب به في هذه المدينة، وأخبر بانكسي صاحب البيت المهدم ـ الذي أحاط الرسم بالأخشاب حفاظًا عليه ـ أن القطة ترمز للحق في الحياة.

كما نشر فيلمًا قصيرًا يلفت به أنظار العالم إلى غزة، أشار فيه لأن عملية الجرف الصامد دمرت 18 ألف منزل، ساخرًا من عدم السماح بدخول الإسمنت لغزة بعد الحرب.

رسم لبانكسي (روسيا اليوم)

بانكسي والثورة السورية

قضية اللاجئين كانت أحد موضوعات بانكسي أيضًا، فقد رسم من وحي الثورة السورية إحدى أشهر لوحاته الفنية لفتاة ببالون أحمر. وعلى الجدران المقابلة لمبنى السفارة الفرنسية في لندن رسم جدارية انتقد خلالها تعامل السلطات الفرنسية مع اللاجئين في مخيم كاليه بشمال فرنسا، رسم كوزيت فتاة مسرحية البؤساء وهي تبكي من أثر قنبلة غاز مسيلة للدموع.

من لوحات بانكسي (الحرة)

ورسم في مخيم كاليه نفسه في فرنسا، صورة ستيف جوبز باعتباره كان ابن مهاجر سوري في الأصل، وهو الرسم الذي تبنّى أحد الأثرياء توصيله للعالم من خلال معارض في مدن مختلفة؛ أملًا في تغيير النظرة إلى المهاجرين.

كان لبانكسي مشاركة أخرى للأحداث في سوريا من خلال فيديو نشر على موقع يوتيوب، مأخوذ عن مقطع لمقاتلين إسلاميين وهم يحاولون إسقاط ما يبدو وكأنه طائرة، وتظهر تكبيراتهم وتهليلاتهم خلال الفيديو، ويبدو للمشاهد نجاحهم في تحقيق الهدف، لنكتشف أن من سقط على الأرض كان الفيل دمبو إحدى شخصيات ديزني الشهيرة، وترك بانكسي تفسير المغزى للمشاهد.

من أعمال بانكسي(العين الإخبارية)

البطل هو الحدث

العظيم في بانكسي كظاهرة هو أن البطل هو الحدث، هو الصورة، وليس بانكسي نفسه، ولعل هذا هو تحديدا ما أراده. أن يجعل من نفسه خطا فنيا مستقلا، وأن يلقن العالم درسا لن ينساه، عن أن الفن للناس وفي الشارع وليس في المعارض فقط ولا في المزادات العلنية وحدها.

شهدت مختلف بقاع العالم أعمالًا من إبداع بانكسي، حيث زار دولًا كثيرة منها أستراليا، والولايات المتحدة، وكندا، والمكسيك؛ يُعرف بمفاجآته أيضًا، فقرب إحدى جدارياته في نيويورك ترك رقم هاتف ترك عليه رسالة مسجلة للراغبين في معرفة ما تعنيه اللوحة، وإن كان من غير المؤكد أن يكون بانكسي نفسه وليس شخصًا آخر كان وراء هذا الأمر.

من رسومات بانكسي على الجدار العازل (العرب)

كما أصدر بانكسي كتابًا يتضمن أعماله بعنوان «اضرب رأسك بالجدار» بيعت منه حوالي 22 ألف نسخة.

لا يعرف أحد من هو بانكسي، وكل ما يُعرف عن هويته أنه فنان بريطاني من مواليد بريستول عام 1974. وقد انتشرت أعماله ولمع نجمه في أواخر التسعينيات. غموض بانكسي بهذه الطريقة لغز حقيقي، فكيف لفنان أن يبتعد عن الأضواء لهذه الدرجة، تاركًا شهرة أعماله العالمية بلا صاحب، وكيف له أن يترك رسوماته تُباع بملايين الجنيهات، يحصدها غيره، فاز بانكسي عام 2007 بجائزة أعظم فنان يعيش في بريطانيا، ولم يحضر لتسلم الجائزة كما توقع الجميع.

مصدر أرشيف الأيام
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.