فلسفة اللا عنف… ميادين ممارستها وشروطها ومميزاتها

إن اللاعنف لا يمكن اعتماده كوسيلة من وسائل الدفاع عن أي قضية كانت كيفما اتفق ودون تنظيم وهيكلة مدروسة، فاللا عنف يقوم على أسس وقواعد يسير وفقها اللا عنفيون في كفاحهم من أجل أية قضية.

الأيام السورية؛ فاديا حج فاضل

يُعتبر اللاعنف؛ أداة قوة استراتيجية للتحرر، ووسيلة للاستنهاض الحياتي لكنه، في المقام الأول يعني الفعل. فاللاعنف يدفع الناس في طلبهم للعمل العادل والأخلاقي، إلى الفعل تحدوهم في ذلك العدالة والأخلاق، بدون اللجوء إلى الإكراه المادي.

واللاعنف يشتمل على العمل الأخلاقي، وعدم السكوت على الظلم، ونداء إلى التعبير عن النظرات الشخصية إلى الأخلاق كخطوة نحو مساعدة الآخرين في المجتمع الأوسع.

واتضحت معالم صورة اللا عنف، كونه وسيلة من وسائل العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر.

ميادين اللاعنف

بما أن علاقات الإنسان متنوعة، ومختلفة فمنها ما ينحصر في نطاق أسرته، ومنها ما يخرج عن هذا النطاق ليشمل القبيلة، والمجتمع، وبناءاً على هذا الاختلاف تختلف ميادين اللاعنف وحسب التقسيم التالي:

اللاعنف يشتمل على العمل الأخلاقي، وعدم السكوت على الظلم، ونداء إلى التعبير عن النظرات الشخصية إلى الأخلاق كخطوة نحو مساعدة الآخرين في المجتمع الأوسع.

اللاعنف السياسي: وينحصر نطاقه في ميدان علاقة الإنسان بالدولة.

اللاعنف الاجتماعي: ويشمل هذا جميع العلاقات التي تربط الإنسان بغيره من أبناء مجتمعه.

اللاعنف الديني: ويتناول هذا القسم ميدان الأخلاق، والدعوة إلى الله.

شروط اللاعنف

يشترط في مبدأ اللاعنف عدد من الشروط التي يتميز بها عن غيره نذكر منها:

1 ـ يفترض اللاعنف وعياً كاملاً بالخطر المحدق وقوة قادرة على مواجهة هذا الخطر بالعنف في حال عدم وجود خيار آخر.

2 ـ الوعي العالي والضبط الشديد للنفس وللغريزة إذ يتحول الضبط إلى محاسبة دقيقة للذات على المستوى الشخصي ويصبح مربحاً على المستوى الاستراتيجي.

3 ـ إن اشتراط الضبط الشديد للنفس في ممارسة العمل اللاعنفي إنما جاء بسبب تحول مبدأ اللاعنف إلى مبدأ غريب على الفكر البشري والحياة البشرية، إذ إن المنهج السائد في الحياة البشرية قوامه أن أي إنسان أو أي مجموعة أو منظمة أو طبقة إجتماعية عندما تجابه بالعنف فإنها ترد بالعنف، حتى تعارف البشر على هذا الخط من السلوك بحيث صار غريباً المجابهة باللا عنف.

4 ـ إن اللاعنف لا يمكن اعتماده كوسيلة من وسائل الدفاع عن أي قضية كانت كيفما اتفق ودون تنظيم وهيكلة مدروسة، فاللا عنف يقوم على أسس وقواعد يسير وفقها اللا عنفيون في كفاحهم من أجل أية قضية.

اللا عنف المطلق طرح يشوه الصورة الحقيقية الناصعة التي يكون عليها مفهوم اللاعنف، ففكرة اللاعنف المطلق لاوجود لها، وإنما طرحت جهلاً، أو قصداً من قبل خصوم اللاعنف.

5 ـ لا يكون اللاعنف في خدمة قضية ظالمة ولا يمكن له أن يكون كذلك، وإنما يكون في خدمة القضايا العادلة فحسب، ذلك أن اللاعنف لا يقوى على الدفاع عن قضية ظالمة دون أن يتنكر لنفسه.

فسر كون اللاعنف يدافع عن القضايا العادلة بهذا الأسلوب السلمي وراء تحير الأنظمة في التعامل مع ممارسيه بالعنف، أو عدم الجدوى من العنف بتلك الحالات، وإلا فلو كان اللاعنف يمارس الدفاع عن القضايا الظالمة لكان في أسلوبه مبرر لضربه من قبل الأنظمة، وعدم الوقوف موقف المتحير إزاءه.

مميزات اللا عنف

1 ـ يتميز اللا عنف عن غيره من أساليب الدفاع عن القضايا سواء السياسية منها أم الاجتماعية في أنه يلجأ إلى تحكيم العقل، الذي يميز الإنسان عن غيره، في حل القضايا التي يتبناها ويغلّب جانب العقل قدر الإمكان على غيره من الجوانب.

2 ـ يختصر على الناس الخسائر البشرية والمادية التي يكلفها غيره من الأساليب.

3 ـ يبتغي أفضل النتائج وبأقل الإمكانيات والجهود.

لا يكون اللاعنف في خدمة قضية ظالمة ولا يمكن له أن يكون كذلك، وإنما يكون في خدمة القضايا العادلة فحسب، ذلك أن اللاعنف لا يقوى على الدفاع عن قضية ظالمة دون أن يتنكر لنفسه.

4 ـ إن ميزة اللا عنف في نضاله ضد الظلم تكمن في أنه لا يصيب بالعذاب سوى الذي يستخدمه، دون أن يتعدّى أثر ذلك الضرر إلى غيره، في حين يتعدى أثر الضرر الذي يتسبب به العنف إلى الأبرياء إن لم نقل إن حصتهم من الضرر تفوق تلك الحصة التي يتحملها مستخدمو أسلوب العنف ذاتهم.

فالمناضلون اللاعنفيون في حال ارتكبوا بعض الأخطاء في الطريق – طريق نضالهم – فإن من شأن هذا ألا يؤذي الآخرين.

كلمة أخيرة

اللا عنف صورة لا تمت إلى القوة بصلة فهو أسلوب من أساليب العمل السياسي والاجتماعي تستبعد القوة في الوصول إلى أهدافها وتفتقد التعدي على حقوق الآخرين وتقوم على أساس الاعتراف بالآخر فاللا عنف هو ترجيح لكفة الحق والعدالة، وهذا الهدف لا يتناسب قطعاً مع الخنوع والاستسلام. واللاعنف مبدأ يقوم على أسس وقواعد يسير وفقها اللا عنفيون في كفاحهم من أجل أية قضية.

صورة تعبيرية (زينت)
مصدر (زهير الخويلدي، الفرق بين اللاَّعنف والفعل الخالي من العنف) (جان ماري مولِّر، اللاَّعنف: المبادئ الفلسفيَّة) (زينب ليث، مفهوم اللاعنف في المجتمعات)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.