فلسفة القتل الإنساني.. رؤية لفهم الوعي البشري

هل التاريخ الثقافي لفكرة التوسع البشري إزاء الكون ومعضلاته الجاهزة، بنصوصه الخالصة والمستمدة من تاريخيته، تضع كل الخطابات الأخلاقية على المحك التناقضي لفكرة وجودنا؟

الأيام السورية؛ علي الأعرج

يقول عالم الأنثروبولوجيا الأفريقي، هاريس مامل فوت Harris Memel-Fote، بأنّ التصرّف الطبيعي للعالم العربي حتى الآن هو ألكوزموفاجي Cosmophagie، وهو مصطلح يدلل على أننا كنا وما نزال نمتلك ميلاً لالتهام الكون.

طبعاً المعنى الذي قصده هاريس ليس الشكل الفيزيائي للتعامل، ولو أنه حدده بطبيعة قومية، لكن الهدف هو شرح آلية لفهم الوعي البشري إزاء التعامل مع المحيط الخارجي، لكن المثال العربي هو الأكثر حضوراً لأنه متشبّع بالثقافة التي ما زالت تنطلق بمشروعية وجودها من المعيار التاريخي لها، النظرة الراديكالية لمسائل التحليل والتحريم الثقافي.

إن الوعي البشري بكل تاريخه ينظر لمسألة وجوده من خلال قدرته وسيطرته القياسية بحسب مفاهيمه على العالم، دون أي شعور بالذنب أو السقوط الأخلاقي، بل على العكس، يتم النظر أحياناً إلى الكيان الرافض لمجموع تشريعات الوعي البشري التي أخذت حقها من خلال ما أسمته التشريع السماوي المحلل للإنسان، نظرة دونية، غير أخلاقية، ورافضة.

لفهم المسالة دعونا نبسطها بمثال: نحن نقتل الكائن الحي لنتعدى عليه باسم التشريع الأخلاقي، طبعاً بسلوك الطبيعة هذا أمر منطقي (شريعة غاب) لكننا نطلق مسمى أكثر أخلاقية كي لا نشعر بالسقوط والذنب إزاء مسألة نسمي أنفسنا من خلالها كيانات عاقلة ومفكرة وحضارية، على الرغم من أنّ فعل قتل الحيوان لأكله لا اسم آخر له سوى فعل غابة.

مجموع اللاهوتيين يستمدون الفعل من خلال تاريخية النص الذي أباح هذا الفعل، وعلى العكس، عملية رفضه يتم اعتبارها ضد الإرادة السماوية، حتى الأكثر علمانية ينظر للأمر كمنطق حياة طبيعي.

مجموع اللاهوتيين يستمدون الفعل من خلال تاريخية النص الذي أباح هذا الفعل، وعلى العكس، عملية رفضه يتم اعتبارها ضد الإرادة السماوية، حتى الأكثر علمانية ينظر للأمر كمنطق حياة طبيعي. الجميع يمارس ألكوزموفاجي، إنها ثقافة التحليل والتحريم لإثبات الوجود البشري.

المثال السابق هو عنصر بسيط من مفهوم الالتهام الكوني، فنحن لم نتحدث عن الاقتصاد وسيطرته على الطبيعة بشكل مخزي أو حتى على مستويات الوعي الاجتماعي من ثقافة الإنجاب وتدمير الكيانات الأضعف وتغيير مسار الطبيعة.

ما يهمنا هنا هو مسألة تتعلق بهذا الالتهام، وهي ثقافة الوجود البشري نفسه من خلال انتشاره الكلي والمدعوم بالنص السماوي وحتى الأديان الأرضية، وهي إدانة كل من يعارض ثقافة ألكوزموفاجي المرتبطة بالإنجاب وثقافة الانتشار الضروري للكيان الإنساني.

تعارض الثقافة الدينية حول العالم مفهوم الإجهاض، بتسميات متنوعة، رفض الإرادة الإلهية، أو قتل النفس بغير حق، أو احترام الحياة البشرية، أو المشاعر الإنسانية (أبوة وأمومة) في الكيانات التي تتشكل في الحياة، لكن في هذه التسميات يخرج سؤال مضاد، ويضع السلوك البشري على المحك الأخلاقي؛ بتجريد النص التاريخي من الفعل الذي نقوم به، أليس قتل الحيوان هو فعل لا يحترم الحياة، ويدمر مفهوم الهوية الإدراكية لدى الحيوان نفسه من خلال حرمان طفل من أمه، بمعنى، عندما نذبح خروفاً أو خنزيراً أو جملاً، فنحن فعلياً نقوم بسحق الشعور الغريزي بالبقاء لدى باقي القطيع!.

قد يخرج بعض المشرعين، وقد تجردوا من فكرة النص التحليلي، ليجادلوا المسألة بمنطق علمي قليلاً، بأنّ الحيوان لا يعي ما يعيه الإنسان، والدليل أن ذبح خروف أمام أعين صغاره، سترى بأن الصغار في اليوم التالي ذهبوا ليأكلوا وقد نسوا ما جرى مع والدهم، أو حتى النعجة لن تشعر بالسوء في اليوم التالي إذا ما ذُبح صغيرها. الحيوان لا يدرك هذه المعضلة الوجودية كالإنسان.

ورغم أن هذا الكلام صحيح، لكن بنفس المنطق، المجرّد من تاريخية النص، يصبح قتل أي حالة لا واعية مسألة شرعية ولا غبار عليها. بمعنى قتل جنين أو قتل أم أمام جنين يخضع لنفس الصورة، باختلاف أن ذبح خروف أمام صغيره هو إدراك للماهية أكثر من الجنين الذي لا يدرك أصلاً، ومع ذلك نعتبر المسألة تهديد أخلاقي للوجود البشري أمام تشريع في ذبح حيوان.

هنا يخرج سؤال، ما هو المحدد لأخلاقية الوجود؟ وما هي حدود القتل العقلاني؟ هل سنشعر بالسوء إن قتلنا قرداً تعلّم صبّ الماء في كأس؟

إذا كان المحدد الأخلاقي للوجود هو رفض قتل الكائن الواعي لنفسه، فقتل القرد جريمة، وقتل الجمل جريمة، وقتل الحيوان المدرك لماهيته جريمة. الحيوان لا يمتلك مفاهيم لكنه يدرك ماهية وجوده من خلال غريزة بقائه، لكن الجنين وحتى الرضيع حتى سن الأربعة أشهر، فهو لا يدرك شيء، لا ذاته ولا عالمه الخارجي، ومع ذلك قتله يُعتبر جريمة! لكن ضرب جرو حتى الموت، وإن كان على سبيل التسلية، فهو لا يخرج من صورة نمطية أنه حيوان لا فائدة منه في تطوّر الحياة. على الرغم أن الطفل أيضاً لا فائدة منه في تطور الحياة. بل على العكس، إذا ما أردنا المقارنة، بين طفل وجرو، فالجرو سيكبر ليسير في المنطق الطبيعي للحياة دون إيذاء للطبيعة ووجودها الغريزي، بينما الطفل سيكبر ليتحول إلى كوزموفاجي تدميري للكون. رغم أن المثال غير عقلاني لكن بالمنطق لسير الطبيعة والحياة نكتشف أن الجرو هو الأكثر أخلاقية.

إن مفهومنا حول احترام الكائن الحي ما زال لليوم قائم على أساس عاطفي وليس عقلاني، إذاً لا يحق للكائن البشري أبداً أن يتبجّح بمسمى الأخلاقي والعقلاني، المسألة هنا مناقشة مفهوم أوسع من الصيغ الجاهزة للسلوك والتفكير البشري، ليست إدانة لكن إعادة تركيب لمسميات إنسانية كبرى لا نمتلك منها شيء.

التناقض الواضح والصارخ للنصوص التاريخية وثقافتها تضع الكائن البشري أمام ضرورة إعادة تشكيل المفاهيم والحياة من جديد، والاعتراف أنه كائن أبله لا يمتلك أي معنى فلسفي لفكرة وجوده حقيقة.

وإن كان المحدد الأخلاقي للوجود مرتبط بالنص التشريعي أصلاً، الالتهام الثقافي للكون، فسيصبح قتل الجنين جريمة رغم أنه لا واعي، وهنا يُطرح سؤال: إلى أي حد يمكن العودة للوراء بحسب السياق المعرفي للذات البشرية!، أليس بنفس السياق يصبح إهدار النِطاف التي هي أساس التحوّل لتصبح مشروعاً التهامياً لفكرة الإنسان المستقبلي، جريمة أيضاً؟ ألن يكون إهدار البويضة جريمة بنفس المعنى؟

إن التاريخ الثقافي لفكرة التوسع البشري إزاء الكون ومعضلاته الجاهزة، بنصوصه الخالصة والمستمدة من تاريخيته، تضع كل الخطابات الأخلاقية على المحك التناقضي لفكرة وجودنا.

باختصار إن كان قتل الكيان الواعي جريمة فيجب إيقاف كل تشريع تاريخي مرتبط بأحقية الإنسان للتوسع الكوني والتهامه، من أبسط فعل وهو قتل الحيوان إلى أكبر فعل وهو السيطرة الكلية على الحياة؛ وإن كان قتل الكيان الذي حفظه الإله كأساس للوجود هو الجريمة، فيجب محاكمة كل مهدر للنطاف والبويضة بنفس الصيغة التي وعدها الله بالجحيم وهي قتل النفس بغير حق.

هذا التناقض الواضح والصارخ للنصوص التاريخية وثقافتها تضع الكائن البشري أمام ضرورة إعادة تشكيل المفاهيم والحياة من جديد، والاعتراف أنه كائن أبله لا يمتلك أي معنى فلسفي لفكرة وجوده حقيقة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.