فكرة صغيرة من كتاب أصول الشمولية.. العزل البشري ومناهج سياسية لتفكيك الإنسان

تصاعد وتيرة اختلاق مبررات لعزل جديد كل فترة وأخرى، إن كانت بإرادة المرء أم فرض سلطوي، ليست سوى ما ناقشته آرنت قبل نصف قرن، إنها آلية سياسية لتفكيك الإنسان وإعادة تركيبه، نفسياً وذهنياً، بما يلائم مصالح السياسات والسلطات المتحكمة بحيوات الناس.

الأيام السورية؛ خالد علوش

في مباحثها الفلسفية عامة، وبالأخص في كتابها أصول الشمولية، تقول حنة آرنت: “في العزلة يبقى الناس متصلين بالعالم بنوع من التكلف الإنساني. فقط عندما تدمر أكثر الصيغ بدائية للإبداع الإنساني، وهي القدرة على إضافة المرء شيئًا لعالمه المألوف، فإنَّ الوحدة تصبح غير محتملة… عندها تصبح العزلة وحدة”.

تتحدث آرنت عن نقطة جوهرية في سياسات الحكومات عندما تصل إلى مرحلة من عدم السيطرة ومحاولة اختلاق عوالم جديدة لطبيعة الصناعة والاقتصاد الذي تصل إليه، وهذه النقطة تتمثل في صياغة العزل البشري؛ فليس المهم الطريقة المستخدمة للعزل، لكن المهم، هو أن تكون في النهاية معزولاً.

فالعزل بغض النظر عن أسبابه أو تبريرات الحكومات له، فهو يخلق سرديات تقسيمية لدى البشر وآليات تفكيرهم وطريقة نظرهم للأمور، إنها تحمل كل صيغ التعامل إزاء الواقع من منظور “نحن وهم”، وهي آلية افتتاحية لتغيير وعي الناس وطريقة تعاطيهم مع الواقع القائم؛ إنها تشكّل نقطة الضعف البشري أمام سيطرة السلطة واستمرارها واختلاق أشكال جديدة لها وبقائها أمام الرفض الشعبي لسياساتها.

فالعزل بغض النظر عن أسبابه أو تبريرات الحكومات له، فهو يخلق سرديات تقسيمية لدى البشر وآليات تفكيرهم وطريقة نظرهم للأمور، إنها تحمل كل صيغ التعامل إزاء الواقع من منظور نحن وهم.

وهو بالمقابل يخلق إحساس بالعجز لدى الناس أمام الأسباب المطروحة أو المبررة لعزل البشر، فبحسب آرنت (القوة دائماً ما تأتي من اجتماع الناس، والمنعزلون مغلوبون على أمرهم). وبالطبع ليس المقصود بالقوة المتأتية من الاجتماع هو المعنى السياسي، بل أي عملية تواصل معرفي وثقافي وإنتاجي وحواري أو جدلي أو تواصل حتى في المستوى الجسدي أو الجنسي. هناك آليات فرض لتغيير خارطة الوعي البشري، وحتى الإحساس بطبيعة العلاقات الفطرية الإنسانية؛ وهذا ما يخلق مع تقادم الفرض الانعزالي شعور بالإنهيار والتعصب والقلق والاكتئاب. حالات من التوجس التواصلي مع الآخر الذي كنا نتعامل معه بعفوية وطبيعية في أي مكان.

مسألة العزل ليست شيئاً عابراً ويمكن أن نمر عليه كتدليل على أهمية السلطة وخياراتها في السعي لإنقاذ البشرية من الدمار أو الانقراض، ورؤية الموضوع من هذا الجانب يحمل جزءً من التسليم الأعمى بحقيقة العالم الذي نعيش به؛ بل حالة العزل تمتد إلى تفاصيل أبعد من حالة إنتاج اقتصادي أو حتى تغيير سياسي، إنها صورة تطبيقية لتغيير الخارطة النفسية والذهنية لدى البشر جمعياً، وكأنها شبيهة بمعالجة سبعة مليار دفعة واحدة وإقناعهم بضرورة التخوف من الخروج إلى ما وراء دائرة الانعزال.

لقد شرّحت آرنت تلك السياسات في كثير من النقاط والشواهد في الحكومات السابقة التي كانت قائمة كأنظمة شمولية، لكنها من حيث الجوهر لم تختلف كثيراً في عالم اليوم، ما زالت سياسة العزل قائمة كلما كان هناك تغيير أكبر على مستوى العالم.

مع نهاية القرن العشرين وبداية الألفية الجديدة، قبل ثلاثين عاماً تقريباً، ابتدأت صيغ الانعزال على مستوى العالم وخلق ما يُعرف بالقرية الصغيرة، وكان انعزالاً اختيارياً، وإلى اليوم ما زال مستمراً، وكل المُنجز الاستهلاكي تحت اسم الثقافة أو الإبداع أو الفكر، هو محض هراء يمارسه المليارات يومياً دون أن يكون له فعلياً ذلك التأثير إلا على أنماط سلطوية في بقع محددة من العالم، لكن في مناطق السلطات المركزية كدول أولى، فكل هذا الانعزال الاختياري ليس ذي شأن لأنّ العالم فيه يسير دون منغصات تُذكر.

حنة أرنت(ميدل ايست)

لكن في لحظات من الشعور بالتهديد لتلك السلطات نتيجة الاختلاط أو انتشار الثقافات وجهاً لوجه، أو التوسع المعرفي أو تبادل الخيارات الإنسانية، تصبح صورة العزل ضرورة جديدة كلياً، وهو أيضاً ما عبرت عنه آرنت في كتابها ولو أن تعبيرها كان حول الأنظمة الشمولية على وجه التحديد: “بينما تتعلق العزلة بالجانب السياسي فقط من الحياة، فإنَّ الوحدة تتعلق بالحياة الإنسانية ككل؛ فبدون تدمير المجال العام من الحياة، وتدمير القدرات السياسية للناس عن طريق عزلهم، لا يمكن للحكومات الاستمرار. إنها تهدف إلى تدمير الحياة الخاصة”.

سياسة العزل، تخلق تجربة من عدم الانتماء إلى العالم مطلقاً، إلا من منظور ذاتي تصبح فيه أي منجزات إنسانية وهمية من مكان الانعزال هي صورة متضخمة للذات واقتناع كلي للإبداع وعمق التفكير والاختلاف الذي يكون حاضراً لدى جميع المنعزلين.

سياسة العزل، تخلق تجربة من عدم الانتماء إلى العالم مطلقاً، إلا من منظور ذاتي تصبح فيه أي منجزات إنسانية وهمية من مكان الانعزال هي صورة متضخمة للذات واقتناع كلي للإبداع وعمق التفكير والاختلاف الذي يكون حاضراً لدى جميع المنعزلين. وهو بالضبط ما يخلق تلك الصورة التي تم ذكرها سابقاً “نحن وهم”. إنها أكثر الصورة الراديكالية للإنسان والتي تملؤه باليأس والفراغ العقلي والنفسي مما يساهم بخضوعه اللاحق لكل متطلبات فكرة الاجتماع من جديد، وكما تفترضها السلطات عليه.

في النتيجة، فكرة انعزالنا منذ ربع قرن إلى اليوم، وتصاعد وتيرة اختلاق مبررات لعزل جديد كل فترة وأخرى، إن كانت بإرادة المرء أم فرض سلطوي، ليست سوى ما ناقشته آرنت قبل نصف قرن وأكثر، إنها آلية سياسية لتفكيك الإنسان وإعادة تركيبه، نفسياً وذهنياً، بما يلائم مصالح السياسات والسلطات المتحكمة بحيوات الناس.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.