فزلكة و فلسفة الدساتير

بقلم: د.كمال اللبواني
 

    تحت تأثير فودكا مجازرها في حلب، كتبت روسيا دستورا للشعب السوري تحاول فرضه بواسطة طائرات السوخوي والمتآمرين على سوريا في جنيف، وموعد التطبيق الموعود هو الشهر الثامن!! – وكان بشار المعتوه (على رائحة الدم في الشوارع) قد سبقها هو الآخر لتدبيج دستور بديل عن دستور أبيه الذي عدّله على مقاسه يوم استلم السلطة، ثم ألقاه لحمار غوار و الماغوط كي يأكله ويخراه – ولم يترك لا دستور ولا قانون ولا عرف ولا دين إلا وداسه تحت قدميه ممعنا في قتل وتشريد ومذبحة الشعب السوري الذي أقسم يوم تسلم السلطة أن يدافع عنه ويحمي حقوقه

     الروس يظنون أن نهاية هذه المذبحة تبدأ بالدستور، وكأن المشكلة في سوريا هي هذه المادة أوتلك في دستورها الذي ينفذه بشار وعصابته بأمانة، فإذا غيرت روسيا الدستور تغير سلوك بشار وصار لطيفا وديعا، أي لا داعي لاسقاطه، فكل الحق على الدستور، وكأن المصيبة ليست في بشر لا يحترمون أي عقد أو عهد، أو في سلطة مجرمة كافرة بكل ما تقول وتكتب وتتعهد، هنا يوجد شيء من العته واللؤم معا يقزز المنافس ويضرب على الأعصاب، ويجعلنا نشتم ببذيء القول كل من يقبل أو يستمع أو يشارك في هذه المهزلة التي تحول دماءنا وضحايانا ونكبتنا لنكته تشبه تهريج غوار الطوشة وحسني البرظان، أقصد كيري ولافروف والعملية التفاوضية بكامل شخوصها وفرقها الذين قرفناهم وقرفنا كذبهم وتدبيجهم للباطل باسم معركة التفاوض، والتي ليست سوى ستربتيز تعري وتخلي وخلع

     من المعيب حقا التعامل مع سوريا بهذا القدر من السحف والفزلكة ، خدمة لهدف وحيد هو انكار مذبحتها واعفاء من ارتكبها وكأن المقتول كلب وليس شعب، وبدلا من الضرب على يد السفاح وسوقه وعصابته للمحاكم الدولية، يكتبون لنا علاجا دستوريا بعد كل هذه المقابر الجماعية وكأن هذه المجزرة كان سببها خطأ قد ارتكبناه في كتابة دستورنا السابق الذي لم يعطِ الأقليات حقوقها الفيدرالية، وأصر على هوية الدولة العربية، فإذا حذفنا كلمة عربية صلح الحال، وكأن سوريا بلا أغلبية وبلا هوية حكمتها بشكل متواصل منذ 14 قرن، أو كأنها عاجزة عن كتابة دستور وعقد وطني لنفسها، وفيها أقدم حضارة ومدنية، بل هي التي كتبت أول شريعة في التاريخ وصدرت العديد من النظم والحضارات والديانات للعالم أجمع، فيا للعجب سوريا العريقة بالفكر والفن والعقل والتدين والفلسفة والسياسة، تكتب لها روسيا دستورا باللغة العربية ، وهي المستغرقة في ظلمة الاستبداد السيبيري الأبدي منذ تكوينها، وتتعهد بفرضه بالقوة العسكرية في آب القادم بالتوافق مع كاوبوي أمريكا العنصرية الحاقدة على الآخر : مرة على السود ومرة على البيض واليوم على السمر، والتي لا تعرف طريقا للتوازن والعقلانية تستقر عليه .

    وإذا كان شعب سوريا اليوم قد ذبح وشرد فليس لأنه عاجز عن كتابة دستور، بل بسبب كونه منبعا للحضارات ، مما تسبب بذعر وتآمر الغريب والقريب : غيرة وحسدا وحقدا على شعب ذكي مبدع حضاريا عبر التاريخ وما يزال …

    فالمشكلة لم تكن يوما في نص أو صيغة وثيقة، بل في من لا يلتزم بأي عهد ولا عقد، وفي لجوء البعض للتآمر مع الأجنبي لسرقة السلطة والثروة بالقمع والقتل والتسلط والاستعانة بالاحتلال، كما جرى مؤخرا مع المحتل الإيراني ثم الروسي الذي تنطح أخيرا لكتابة دستور لمستعمرته الجديدة يشرعن به بقاء عميله في السلطة، ويفرض إقراره عن طريق المجتمع الدولي المتآمر معه على إلغاء سوريا وتقسيمها، وهو ينوي وضعه قيد التنفيذ في آب القادم بقرار من مجلس الأمن تحت البند السابع، كي يساق كل المعارضين للقبول به تحت عنوان الحل السياسي في جنيف، ومن يرفض سيجد نفسه في قائمة الحرب على الإرهاب وما أدراك من هو الإرهاب يا رعاك الله؟؟؟؟

    كان من الممكن بكل بساطة أن توضع سوريا كدولة فاشلة تحت الوصاية أو الانتداب كما كانت سابقا قبل أن تمنح استقلالها عام 1948 من قبل الأمم المتحدة ، عندها ستتحمل الدولة المحتلة أو المنتدبة مسؤولياتها تجاه المدنيين وتطبق معاهدات جنيف الأربعة وملحقاتها، وهي أكثر مما نطالب به كشعب ،  لكن بهذه الطريقة أراد المحتل أن يتنصل من مسؤولياته ، ويدعي أنه قد تم التوصل لحل  بين السوريين أنفسهم ، فهذه خديعة يسوقها ديمستورا، وأربأ بأي وطني أن يشارك فيها خاصة ممن اجتمع في الرياض، فكيف يكون حلا سوريا ويكتب لسوريا دستورها في روسيا بعيدا عن إرادة شعبها؟ ، فإذا كان الدستور عقدا وطنيا توافقيا تقوم عليه الدولة ويحدد نظام حكمها، ألا يجب أن ينتجه أبناء الوطن المعنيين به، ويعبر عن مصالح الشعب ورغبته، وبالتالي يجب أن يشترك الشعب في صياغته وإقراره، فهو من دون ذلك لا يعد دستورا بل عقد نكاح واذعان يفرضه غاصب أو صك استعباد يفرضه محتل، وما حاجة المحتل والغاصب للدستور إذا كان لا يلتزم إلا بمصالحه ونزواته، وما حاجة من أخذ السلطة بالسيف كي يحترم غير منطق القوة والغلبة

    قبل المحتل الروسي كان آل مخلوف يقولون : القانون لنا وليس علينا  وكان بشار يقول (أنا القانون ومن يخالفني سيتكفل به القضاء (العادل جدا والنزيه)  وكلنا جربنا هذا وذاك وعايشناه بالصورة والصوت والرائحة واللمس وبالحاسة السادسة والعاشرة أيضا – فما بال روسيا وأمريكا يعملون اليوم على تدبيج اللقاءات والمؤتمرات التي هدفها الوحيد اقتراح ومناقشة تعديل الدستورالقائم الذي لم يطبق أصلا، بدل أن يزيحوا من لا يحترم إلا نزواته

– ما هذا العته السياسي

– هل المشكلة في سوريا هي صيغة الدستور أم هي انفلات النظام المجرم بكل مؤسسساته وشبيحته قتلا وتدميرا وتهجيرا

– أليست المشكلة في نظام مجرم مرتكب دستوره القتل والتشبيح؟؟  وماذا ينفع معه الورق ؟  ومن سيشرب منقوع هذا الدستور؟؟؟

    لنترك جانبا شاربي الفودكا والويسكي، ونقوع الدساتير ، ومعهم من سكر من مياه بحرة جنيف والحل السياسي والسلطة الانتقالية من المتآمرين والمؤتمرين ، والباحثين عن كرسي في السلطة ولو على مزبلة أو في بخشة

    لنترك هذه الفزلكة ونعود للجد ونقول أن مثل تلك المحاولة هي عبارة عن عدوان جديد وسلاح جديد يشهر في وجه الشعب الذي لم يترك له سوى التطرف والتشدد والترهيب وسيلة للدفاع عن شرفه وكرامته في وجه هذا الطغيان الأعمى – أنتم أيها المتغطرسون تجبرون شعبنا على تأييد الإرهاب ورعايته وتصديره وإعادته إليكم دستورا يحكمكم في منامكم وأحلامكم، فمثل هذه الغطرسة الممعنة في شرعنة الجريمة وتبرئة فاعلها ليس لها ما يقابلها  سوى ذلك العنف الأعمى الانتحاري الذي يوصل الخوف لكل متواطئ أينما كان موقعه، فإذا كان الذل هو الدستور الذي تفرضونه على غيركم فمن المتوقع أن يكون الخوف والذعر هو الدستور الذي يفرضونه هم عليكم

– ولا عتب فالعين بالعين والبادي أظلم – فتعقلوا يا أهل الفودكا والويسكي ولحم الخنزير

– الحل في سوريا يبدأ بتطبيق القانون الدولي وتفعيل محكمة الجنايات الدولية ومجلس حقوق الانسان وسوق كل المرتكبين إليها، الحل في تطبيق العدالة التي هي أساس السلم الاجتماعي، وفي قيام المجتمع الدولي بواجباته تجاه حماية المدنيين ومعاقبة مجرمي الحرب أيا كانوا حتى لو كانوا دولا تدعي أنها عظمى، وهي أتفه من أن تفهم معنى العظمة والحضارة

    لنبتعد إذاً عن هذه الفزلكة الدستورية المقززة التي افتعلتها روسيا وأمريكا، ونشرح لمن له لب وعقل ما هي المبادئ الفلسفية السياسية التي تقوم عليها الدساتير الديمقراطية، والتي ضُرب بها عرض الحائط في مشاريع الدساتير الجديدة وما أكثرها  :

    أولا – من ناحية الشكل عند كتابة أي دستور يجب أن يشمل ثلاث أبواب :

1.  هوية الدولة : اسمها وعلمها ولغتها وعاصمتها وحدودها وشعبها وقوميتها ودينها .
2.  النظام السياسي : ملكي ، برلماني، رئاسي ، مجلس تشريعي أو مجلسين ، نظام الانتخاب والأحزاب …
3.  الحقوق والنظام القضائي : منظومة الحقوق الأساسية التي يجب على القانون أن يحرسها ، ونظام القضاء المعمول به الذي سيطبق القانون .
   

ثانيا – في المضمون لا بد من مراعاة المبادئ المفهومية العشرة التالية :

 

   مفهوم السيادة العليا : حيث يعتبر الشعب بهيئته العامة سيد نفسه ومصدر كل شرعية ، ولا يعتد بأي وصاية أو شروط تحد من هذه السيادة . مهما كانت حتى لو كانت كتبا مقدسة ، لأن الخلاف على تفسيرها وعلى من يفسرها سيعيدنا للمربع الأول .

 

    مفهوم التفويض : هناك مبدأ أساسي يقول أن السيادة لا تفوض ، وعلى الشعب ممارستها بذاته وبهيئته العامة ، لكن أيضا هناك ضرورة لحصر النقاش بين وجهات النظر المختلفة بمجموعة قليلة ، لانضاج أي قرار والبت فيه، وبالتالي لا بد من اعتماد لعبة التفويض والتمثيل التي يجب أن تكون على بينة ، أي بعد تمايز الاتجاهات العامة للرأي العام ، لتشكيل هيئة مفوضة تجمع أهل الحل والعقد المنتخبين بنسب مطابقة لتوجهات الرأي العام ، وتتجدد دوريا متيحة الفرصة للتعبير عن المتغيرات

 

   مفهوم الأحزاب : لا يمكن تصور انتخابات سياسية منتجة من دون أحزاب سياسية تبلور الرأي العام ضمن أنماط برامجية تحشد التأييد لها وتبلور الوعي بالمصالح المشتركة وآليات تحقيقها … فكل احتكام لصندوق انتخاب قبل نضوج وتبلور الحياة السياسية الحزبية هو تشويه للديمقراطية وتفريغ لمضمون الانتخاب وغايته

    مفهوم التصويت والانتخاب والاستفتاء : التصويت على مقترح  يتم بالقبول أو بالرفض أو بالإمتناع ، ويفوز من يحصل علي أغلبية الحضور (نصف الحضور +1) ، أو بالأغلبية المطلقة نصف الهيئة العامة +1 (التغيب هنا يعتبر رفضا ضمنيا وهو حق للمقترع )، أو بأغلبية ثلثي الحضور في حال تعذر تأمين الأغلبية المطلقة ، وشرط إجراء التصويت هو  أن تكون الهيئة العامة التي يحق لها التصويت محددة ومسجلة ومتفق عليها . أما الاستفتاء فهو اقتراع عام للشعب كله يلجأ إليه في القضايا الأساسية كإقرار الدستور ، والمعاهدات الكبرى وغيرها من المسائل الخطيرة ، بينما الانتخاب هو اختيار بين مرشحين سيقومون بدور تفويضي ينوب عن ناخبيهم . ويتم التنافس عادة حسب برامج حزبية ( تمثيل نسبي ) يحدد لكل حزب حصته من المقاعد بحسب نسبة المصوتين له، ثم يسمي نوابه، والوطن دائرة انتخابية واحدة، أو يتم الانتخاب اسميا (تمثيل أكثري ) يفوز الإسم بالأكثرية أو يخسر، وهنا تستخدم دوائر انتخابية مصغرة، أو يتم مزج كليهما معا بأن يطرح الحزب قائمة اسمية مع برنامجه، أو يقدم المرشح في النظام الأكثري برنامجا انتخابيا حزبيا

ولكل من النظامين النسبي والأكثري حسناته وعيوبه – وغالبا ما يتم تصميم غرفتين تشريعيتين واحدة تختار بالطريقة النسبية لتمثيل المجتمع المدني(نواب)، و واحدة تختار بالطريقة الأكثرية لتمثيل المجتمع الأهلي (شيوخ)

 

     مفهوم فصل السلطات :  السلطة التشريعية هي هيئة منتخبة للحل والعقد، تنوب عن الشعب بتفويض صريح وحر منه عبر انتخابات نزيهة وحرة، لفترة رمنية محدودة ، وبحكم تفويضها، تعتبر هيئة عامة مصغرة تمثل الشعب وتحكمها قواعد الديمقراطية ولا يجوز لها العمل السري، بل تلتزم بالشفافية التامة لضمان حسن تنفيذها لمهمتها وأدائها لأمانتها، وتشرف على تشكيل ومراقبة ومحاسبة سلطة تنفيذية تعيّنها لتتكفل بكل الإجراءات التنفيذية ، للقوانين التي تتخذها والخطط التي تقرها، تدار بالأوامر التنفيذية وعبر هرم سلطوي صارم، وليس بالنظام الديمقراطي أو المحاصصة ، ولا بد من نظام متابعة ومراقبة قادر كي لا تنفلت من مهامها ، لكونها تضم أجهزة المراقبة والمعاقبة والإكراه والضبط التي تمارس على الشعب ، وتسهر السلطة القضائية المستقلة على تنفيذ القانون والتحكيم في المنازعات بين المواطنين أو بينهم وبين مؤسسات الدولة وتخضع لمعايير نزاهة خاصة بها وصارمة ، لكنها تطبق القانون الذي يقره مجلس الحل  والعقد المفوض من الشعب ، وهكذا تكون العلاقة بين السلطات الثلاث التي تحكم الدولة والتي تبنى على مبدأ سيادة الشعب .

لتحقق الديمقراطية التي هي حكم الشعب لنفسه بنفسه.

 
 خاصة بها وصارمة ، لكنها تطبق القانون الذي يقره مجلس الحل  والعقد المفوض من الشعب ، وهكذا تكون العلاقة بين السلطات الثلاث التي تحكم الدولة والتي تبنى على مبدأ سيادة الشعب . لتحقق الديمقراطية التي هي حكم الشعب لنفسه بنفسه.

 

     السلطة التنفيذية ذات بناء هرمي ديكتاتوري صارم ، الأدنى يخضع للأعلى ، وهو شرط نجاحها ، لذلك لا يجوز أن تنتخب من الشعب ، لكي لا تجمع بين صفة التشريع والتنفيذ معا و هذا يخالف مبدأ الفصل بين السلطات ، فمن يشرع مستقل عمن ينفذ ، وإذا كانت منتخبة بطل دور الهيئة التشريعية
 مفهوم الاستخدام والتلزيم : السلطة التنفيذية سلطة مستخدمة أجيرة عند الشعب وليست سيده ، مكلفة بمهام محددة ، ضمن قواعد صارمة ، وأي استخدام لهذه السلطة في صعيد التشريع سيجعل منها طاغوتا وطغيانا تشرع لنفسها وتنفذ ما تريد ( شمولية ) . وهي منفصلة عن الهيئة التشريعية التي هي أيضا لا يجوز أن تتمتع بأي صلاحيات تنفيذية ولا ميزات سلطوية أو مالية ، وكذلك يجب أن تكون السلطة التنفيذية خاضعة لسلطة القضاء . ولا يجوز اعطاء حصانة قضائية لأي فرد ضد سلطة القانون بعد ضمان عدم تسييس القضاء  .

 

    مفهوم المحاسبة وحرية التعبير : لا يمكن تغييب الشعب صاحب السيادة العليا عن مراقبة ومحاسبة من فوضهم ووكلهم أو استخدمهم لخدمته ، وبالتالي لا يصح النظام الديمقراطي من دون حرية الرأي والتعبير المطلقة غير المشروطة ولا المقيدة طالما هي لم تستخدم العنف أو تدعوا إليه .

 

ولا بد أيضا من نظام للشفافية يتيح ممارسة حق الرقابة ، وكذلك لا بد من وجود هيئات تحقيق نزيهة ومستقلة قضائية وإدارية تستقبل القضايا والشكاوى

 

ولا بد أخيرا من تجديد دوري لكل المجالس والشخصيات ، وتجديد الثقة بهم ، وهنا  تحدد مدة أربع سنوات قد تكون قابلة للتجديد في ظروف خاصة جدا ولمرة واحدة .

 

فثمان سنوات في منصب هي أكثر من كافية للافادة القصوى من معرفة وخبرة أي شخص ، وأكثر من كافية لتشكيل عصبة حوله تحاصره وتزيف عمله وتفسده .

 

عملاً بمقولة السلطة مفسدة

النظام القانوني : القانون لا يضعه القاضي ، الشعب صاحب السيادة العليا عبر هيئة الحل والعقد المفوضة منه هو من يسن القوانين بما فيها القانون الجزائي والجنائي ، وهذا لا يكون مشروطا بأي شرط ، أو محدد مسبقا بأي نظام ، لأن ذلك ينتقص من سيادة الشعب . حتى من الكتب الدينية كما أسلفنا .

 

فحق تفسيرها وقراءتها هو حق مطلق ديمقراطي للشعب كله ، ولا يجوز أن يختزل برجال دين يصبحون أوصياء على هيئة الحل والعقد وبالتالي يصادرون سيادة الشعب .

 

فموضوع الشريعة يجب أن يمر عبر الهيئة العامة ( الشعب كله ) ولا يختص به عصبة تنتقي نفسها ، فالشعب هو صاحب الأمر في النظام الاسلامي ، وغير ذلك هو بوابة لاستخدام الدين في شرعنة الاستبداد.
  مفهوم الحقوق الطبيعية: مهما كان قرار الأغلبية لا يجوز لهذه الأغلبية أن تتعسف وتنتقص من حقوق الفرد الطبيعية ( الحق في الحياة ، والكرامة ، والسفر ، والتعبير ، والاعتقاد ، والعمل ، والتعليم ، والصحة ، والتقاضي أمام محاكم عادلة ونزيهة … والمشاركة في الحياة السياسية ، فكون الفرد ينتمي لأقلية أو لأغلبية لا يلغي حقوقه الطبيعية التي تضمن تلقائيا حقوق كل الأقليات ، ومهما عظمت الغاية لا يجوز لفرد أو لجماعة أن تنتقص من الحقوق الأساسية لأي فرد حتى لا نكرر مقولة (إني أرى في قتلك صلاح المسلمين)

 

    مفهوم المركزية : الدولة تشترط أن تكون العلاقة بينها وبين المواطن علاقة مباشرة ، والمواطنون متساوون في الحقوق والواجبات والفرص ، وفكرةالمحاصصة السياسية مؤمنة بشكل طبيعي في الهيئة التشريعية ، لكن استعمالها في السلطة التنفيذية والقضائية يلغي مفهوم المواطنة والسلطة والدولة ذاته ويتنافى مع الديمقراطية ، ومع المساواة أمام القانون وتكافؤ الفرص والتنافس الحر … المحاصصة التنفيذية تجعل الدولة مجموعة دول منفصلة عاموديا ، أي دولة فاشلة معطلة الأداء … فالدولة الديمقراطية مشروطة بالنظام المركزي الذي يساوي بين المواطنين ويحفظ تنوعهم واختلافهم ويصوغه في صيغة منتجة ضمن عقد وطني وشراكة حقيقية ، وليس مساكنة

 

      لقد سقنا هذه المبادئ العشرة لنرد جملة على مشاريع الدساتير ، وعلى الدستوريين الجدد الذي رشحوا أنفسهم لسرقة السيادة العليا باسم الديمقراطية ، وبتمويل مشبوه وقاموا بشطب هذه السيادة وشطب هوية الدولة وشطب نظامها الواحد ومركزيتها ، وقسموها بين مكوناتهم لدويلات لاغين مفهوم الدولة ذاته ، فالحديث عن دولة فيدرالية فيه مغالطة فلسفية ، فالفيدرالية هي اتحاد بين دول وليست نظام لدولة ، نحن في الشرق الأوسط يمكننا أن نطبق الفيدرالية لكن بين دول عربية وتركية وكردية ، و هذا المبدأ لا يحتمل تطبيقه داخل دولة مثل سوريا أو تركيا بدون أن يعني تقسيم شعبها وتقسيمها لدول وارتكاب مجازر تهجير وتطهير ، أين هي حدود سلطة هذه الدول ، النظام الفيدرالي في الولايات المتحدة مثلا قائم بين ولايات مستقلة قضائيا وماليا وإداريا ، وموحدة فقط في السياسة الخارجية والدفاع والعملة واللغة الرسمية ، نحن في الشرق الأوسط لا توجد عندنا أمم مستقلة منعزلة تتشكل عليها الدول، وقد نحتاج  لمفهوم آخر عن دولة من دون هوية ، دولة التنوع الثقافي ، والتشارك السياسي ، لكن سيكون من الصعب تسميتها بدولة ، بل اتحاد دول ( فيدرالية ) لكن الخطر هو أن تنتقل مهام الدولة لميليشيات محلية ، فالفديرالية المطروحة عمليا هي دولة فاشلة تحكمها المليشيات ومثالنا العراق ولبنان وغدا سوريا وتركيا .

 

وكذلك حاولنا أيضا أن نرد على الذين يريدون احتكار السلطات لأنفسهم باسم الدين والشريعة الذي افترضوا أنهم وحدهم لهم حق تمثيله بسبب ذقونهم وسكاكينهم – مخالفين المبدأ الإسلامي الوحيد في السلطة (وهو الشورى ) التي لا تعني سوى اختيار حر ونزيه لهيئة الحل والعقد ، التي تنوب عن المجتمع وتكون سيدة نفسها  

    بالتنقل من فزلكة الدساتير إلى فلسفتها نبقى خارج المسار الحقيقي الذي يجب أن نسير عليه للخروج من الحرب الأهلية ، فالمدخل هو التعاون لتطبيق العدالة ومعاقبة المجرمين الذي ينتهكون الحقوق الطبيعية لكل إنسان بغض النظر عن دينه وعرقه – فعندما نستبعد المجرمين والمرتكبين نستطيع ايجاد عقد وطني جديد يؤسس لعودة السلم الاجتماعي، ثم بعدها تنظم الحياة السياسية والدستورية بما يرتضيه الشعب لنفسه

 

لكن البداية من الدستور هي مصادرة لارادة الناس وتوريطهم في خرق أي دستور أو قانون يفرض عليهم، أي هو إطالة وزيادة تعقيد الحرب الأهلية وتسعيرها، هل يفهم ذلك أهل الفودكا والويسكي، أم نحتاج لسنوات أخرى من الدماء كي يفهموا هذه الحقيقة البسيطة

 
    علمتنا التجربة أن المستعمر لا يفهم ولا يستعمل عقله قبل أن تهوي الأحذية على رأسه

أي شعب سوريا الجريح الباحث عن الكرامة والحرية : اضربوا هذه الدساتير وصانعيها بأحذيتكم فهذا هو تصويتنا عليها – وإذا كنا لا نستطيع قهر جيوش دول عظمى فنحن نستطيع أن نخرس أي انتهازي يتاجر في دمائنا، وأن نعطل أي سلطة تدعي أنها دستورية ونجبرها على التصرف كدولة احتلال

فالثورة مستمرة و لن تأخذوا شرعية لاحتلالكم من شعبنا – عبثا تحاولون – وبلا فزلكة وبلا فلسفة وبلا دساتير ولا بطيخ مبسمر، انقعوها واشربوا منقوعها

 

عندما نسقط الأسد ونحاكم نظامه سنكتب ما نريد، أو نكمل حياتنا بالعرف من دون دستور، فهذه بريطانيا العظمى أعرق ديموقراطية مستقرة في العالم تعيش بالعرف السياسي ولا تملك دستورا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.