فريد الأطرش.. الفنان الذي اندمج ألمه وحزنة الإنساني بإنتاجه لفني

لا يمكننا ابداً أن نفصل بين ألمه الانساني وألمه الفني، بين طيبته في الحياة وطيبته في الحياة وطيبته على الشاشة أو في أغانيه ومعانيها، بين حزنه الحقيقي وحزنه الفني الذي لم يكن يملك إلا أن يظلل ألحانه بضبابه

الأيام السورية؛ بتول حسن

ككل مرة، يخصص موقع غوغل، عملاق محركات البحث في الإنترنت، صورته الأولى لأهم حدث جرى في هذا اليوم.

وتزينت الصفحة الرئيسية لمحرك البحث غوغل في منطقة الشرق الأوسط برسمة كاريكاتورية للفنان الراحل، الموسيقار والمغني والمنتج السينمائي والممثل، فريد الأطرش. وهو ممسك بآلة العود، الذي كان مرافقا للراحل طوال مسيرته الفنية. وجاء الاحتفال، بمناسبة ذكرى مرور 110 أعوام على مولد الموسيقار الراحل.

وينظر إلى فريد الأطرش على نطاق واسع على أنه واحد من أعظم فناني عصره في العالم العربي. وهو موسيقي ومطرب وممثل، ترك بصمات واضحة في الموسيقى والغناء العربي ويعد من أعلام الفن وحاصل على قلادة النيل العظمى.

المولد والعائلة

ولد فريد فهد فرحان إسماعيل الأطرش، في منطقة جبل العرب بسوريا 19 أكتوبر 1910، ووالدته هي الأميرة والمطربة (علياء حسين المنذر).

ينتمي إلى آل الأطرش، إحدى العائلات العريقة في جبل العرب أو جبل الدروز جنوب سوريا.

والده، فهد فرحان إسماعيل الأطرش، من جبل العرب في سوريا، تزوج ثلاث مرات: الأولى سنة 1899 وكانت زوجته طرفة الأطرش وأنجب منها ابنه طلال، والثانية سنة 1909 وكانت زوجته علياء المنذر، وأنجب منها خمسة أولاد: ثلاثة ذكور، وهم: أنور وفريد وفؤاد، وبنتان وهما: وداد وآمال التي غدت فيما بعد المطربة الشهيرة أسمهان. وفي السنة 1921 تزوج ميسرة الأطرش وأنجب منها أربعة أولاد: منير ومنيرة وكرجية واعتدال. توفي عام 1925 ودفن في مدينة السويداء في سوريا.

أما والدته؛ فهي الأميرة علياء المنذر، التي تعشق الفن، وكانت تتمتع بصوت جميل قادر على تأدية العتابا والميجانا، تأثرت بمطرب العتابا اللبناني يوسف تاج الذي اتبّعت أسلوبه فيما بعد المطربة صباح، توفيت سنة 1968 ودفنت في بلدة الشويت في جبل لبنان حيث كان للعائلة منزلا هناك إضافة إلى منزلهم الكبير في بلدة القريا في السويداء.

فريد الأطرش مع والدته (مجلة المجلة)

حياته

ولد عام 1910 في بلدة القريا في جبل الدروز. وقد عانى حرمان رؤية والده ومن اضطراره إلى التنقل والسفر منذ طفولته، من سوريا إلى القاهرة مع والدته هربا من الفرنسيين المعتزمين اعتقاله وعائلته انتقاما لوطنية والدهم فهد الأطرش وعائلة الأطرش في الجبل الذي قاتل ضد ظلم الفرنسيين في جبل الدروز بسوريا. عاش فريد في القاهرة في حجرتين صغيرتين مع والدته عالية بنت المنذر وشقيقه فؤاد وأسمهان.

التحق فريد بإحدى المدارس الفرنسية “الخرنفش” حيث اضطر إلى تغيير اسم عائلته فأصبحت كوسا بدلاً من الأطرش وهذا ما كان يضايقه كثيرا. ذات يوم زار المدرسة هنري هوواين فأعجب بغناء فريد وراح يشيد بعائلة الأطرش أمام أحد الأساتذة فطرد فريد من المدرسة. والتحق بعدها بمدرسة البطريركية للروم الكاثوليك.

نفد المال الذي كان بحوزة والدته وانقطعت أخبار الوالد، وهذا ما دفعها للغناء في روض الفرح لأن العمل في الأديرة لم يعد يكفي. وافق فريد وفؤاد على هذا الأمر بشرط مرافقتها حيثما تذهب.

فريد الأطرش وشقيقته أسمهان(مواقع التواصل)

دخوله معهد الموسيقى

حرصت والدته على بقاء فريد في المدرسة غير أن زكي باشا أوصى مصطفى رضا بأن يدخله معهد الموسيقى. عزف فريد في المعهد وتم قبوله فأحس وكأنه ولد في تلك اللحظة. إلى جانب المعهد بدأ ببيع القماش وتوزيع الإعلانات من أجل إعالة الأسرة.

وبعد عام بدأ بالتفتيش عن نوافذ فنية ينطلق منها حتى التقى بفريد غصن والمطرب إبراهيم حمودة الذي طلب منه الانضمام إلى فرقته للعزف على العود.

فريد الأطرش مع العود (فيسبوك)

بداية المشوار الفني مع الغناء

انضم بعد ذلك عازفا للعود إلى فرقة المطرب إبراهيم حمودة، والتحق فترة أيضا بفرقة الفنانة بديعة مصابني، ثم تقدم للعزف في الإذاعة المصرية، ونجح في الامتحان عازفا ومطربا.

بعد نجاح أغنيته الأولى “ياريتني طير لأطير حواليك”، انطلق في عالم الغناء بقوة، وقدم طوال رحلة حياته الفنية ما يقارب 300 أغنية، وقطعة موسيقية، وموسيقى تصويرية للأفلام التي قام ببطولتها.

وتنوعت أغانيه بين العاطفية والوطنية والاجتماعية، وحققت أغانيه شهرة فنية واسعة، وغنى كلمات كثير من شعراء عصره، من أبرزهم، أحمد بدرخان، أحمد رامي، أحمد شفيق كامل، الأخطل الصغير، بديع خيري، بيرم التونسي، حسين السيد، أبو السعود الإبياري، كامل الشناوي، مأمون الشناوي، مرسي جميل عزيز، ميشال طعمة، يوسف بدروس.

كما لحن عددا كبيرا من الأغاني لكبار المطربين والمطربات. ومن أهم من غنى من ألحانه أسمهان، وردة الجزائرية، شادية، فايزة أحمد، وديع الصافي، نور الهدى، صباح، سميرة توفيق، مها صبري، دلال الشمالي، فهد بلان، محرم فؤاد، طروب.

وترك “بلبل الشرق” إرثا فنيا كبيرا، من 220 أغنية، ومن أبرز الأغاني التي أداها بصوته، ونالت جماهيرية كبيرة “مرة يبكيني ومرة يهنيني”، “قلبي ومفتاحه”، “بقى عايز تنساني”، “وياك”، “مانحرمش العمر منك”، “أول همسة”، “عش أنت”، “زينة زينة”، “نورا نورا”، “سنة وسنتين”، “بساط الريح”، “يابو ضحكة جنان”، “جميل جمال” “الربيع”، “الحياة حلوة”، “يا حبايبي يا غايبين”، “حياة عنيكي”، “فوق غصنك يا ليمونة”، “ساعة بقرب الحبيب” و”ياعوازل فلفلوا”.

لقب بـ “ملك العود” و”موسيقار الأزمان”.

فريد الأطرش وفهد بلان (التاريخ السوري)

التسجيلات الأولى

استعان “بلبل الشرق” بفرقة موسيقية وبأشهر العازفين كأحمد الحفناوي ويعقوب طاطيوس وغيرهم وزود الفرقة بآلات غربية إضافة إلى الآلات الشرقية وسجل الأغنية الأولى وألحقها بثانية (يا بحب من غير أمل) وبعد التسجيل خرج خاسرا لكن تشجيع الجمهور عوض خسارته وعلم أن الميكروفون هو الرابط الوحيد بينه وبين الجمهور.

فريد الأطرش والسينما

دخل عالم السينما منذ ظهور أول أفلامه “انتصار الشباب” عام 1941، وقدم للسينما حتى وفاته 31 فيلما سينمائيا كان بطلها جميعا، يمثل ويغني في نفس الوقت، ونجح بعضها نجاحا كبيرا. وقد أنتجت هذه الأفلام في الفترة الممتدة من السنة 1941 حتى السنة 1975.

أشهر الأفلام على الإطلاق والذي جنى أرباحا طائلة هو فيلم “حبيب العمر”، وفيلم “عهد الهوى” وفيلم “حكاية العمر كله”، وفيلم “ودعت حبك” وفيلم “رسالة من امرأة مجهولة”، وفيلم “شهر العسل”، وفيلم “بلبل أفندي” العام 1948، وفيلم “قصة حبي”،
أما آخر أفلامه فكان فيلم “نغم في حياتي”.
أدخل فن “الأوبريت” في السينما المصرية بتقديمه أوبريت “بساط الريح”.

أفيش فيلم قصة حبي (فيسبوك)

قامة فنية وإنسانية عالية

يبقى فريد الأطرش، أحد كبار ذلك العصر الموسيقي الذهبي الذي مازلنا نعيش على ذكراه، يحتاج بلا ريب الى اعادة النظر في تقييم نتاجه حتى يتعرف إليه الجيل الجديد الذي ربما لا يحفظ من فريد سوى بعض الأغاني الشعبية التي تحظى بالرواج أكثر من غيرها.

فريد الاطرش قامة فنية وإنسانية عالية قدمت للعالم موسيقى عبّرت عن القيم والأخلاق الانسانية الرفيعة خير تعبير، ورسمت ملامح لمعاناة الإنسان في صراعه المرير مع الحياة بحلوها ومرها، وكان نموذجاً للتطابق بين الفنان والإنسان.

هذا التطابق التام بين فن فريد الأطرش وشخصيته الإنسانية كان لافتاً، لندرته في عالم المبدعين. ولا يمكننا فعلاً أن نفصل بين فريد الفنان وفريد الإنسان، بين التسامح والجود والسخاء الإنساني الذي اشتهر به وسخائه الفني الكبير، سواء في غزارة أعماله أو في تعامله الأخلاقي مع زملائه وموسيقييه الذين كانوا ينتظرون بشغف ولهفة لحظة دخولهم الى الاستوديو للعزف على مقام فريد الأطرش.

لا يمكننا ابداً أن نفصل بين ألمه الانساني وألمه الفني، بين طيبته في الحياة وطيبته في الحياة وطيبته على الشاشة أو في أغانيه ومعانيها، بين حزنه الحقيقي وحزنه الفني الذي لم يكن يملك إلا أن يظلل ألحانه بضبابه

فريد الأطرش في أيامه الأخيرة (مجلة المجلة)

وفاته

توفي في مستشفى الحايك في بيروت إثر أزمة قلبية وذلك عام 1974 عن عمر ناهز 64 سنة.

مصدر (سمر محمد سلمان، فريد الأطرش ظلَمَه النقد وأنصفه الناس) (سعيد الجزائري، فريد الأطرش بين الفن والحياة)، (سعود القويعي، موسيقار الأزمان) (مذكرات فريد الأطرش)
اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.