فرع فلسطين.. أحد الناشطين يروي للأيام تجربته في أقبية المخابرات.

فرع فلسطين (235) تتم إدارته من قبل شعبة المخابرات العسكرية التابعة لنظام الأسد، وهو يمثل امتدادا للفرع (248) الكائن في المربع الأمني في منطقة كفر سوسة.

خاص/ الأيام السورية

تتوالى قصص التعذيب والإجرام التي تنتهجها قوات الأسد داخل الأفرع الأمنية بالوصول إلى وسائل الإعلام من قبل بعض الأفراد الذين حالفهم الحظ بالبقاء على قيد الحياة، عقب خرجهم من أقبية الظلام، والذين يقومون بدورهم برواية ما عاشوه من لحظات على حد تعبيرهم لا يمكن نسيانها ما بقوا على قيد الحياة.

حسان أحد الأشخاص المعتقلين الذي تمكن من الحصول على إخلاء سبيل تحت المحاكمة من غرفة جنايات محكمة الإرهاب، روى خلال حديث مطوّل لصحيفة الأيام السورية تجربته داخل الفرع 231 المعروف باسم (فرع فلسطين) والذي وصل إليه بعدما دار على فرعي الأمن السياسي، والأمن العسكري في دمشق.

يقول؛ كنت أعمل في مجال الإعلام منذ انطلاق الثورة السورية، رصدت العديد من الانتهاكات التي تمارسها أفرع الأمن بحق الأشخاص الذين ثاروا على نظام الأسد، لكني لم أكن أعلم بأن تلك الأرقام التي رأيتها مدونة على جبهات الأشخاص المتوفين في أقبية فرع فلسطين، والتي انتشرت من خلال تسريبات (قيصر)، سيأتي اليوم وأكون أحد شاهدي العيان عليها، بعدما تم توقيفي في ذات الفرع (235) والذي يعرف في الشارع السوري باسم فرع الموت.

المراقبة الروسية تعجز عن وقف آلة التعذيب داخل الفرع 231

في ذلك الفرع تُغيّب الأسماء والكنى، ويحل بدلاً عنها أرقام ترمز لك ولمكان تواجدك.. كنت من ضمن الأشخاص القلائل الذين حالفهم الحظ بالبقاء على قيد الحياة، والنجاة بـ أعجوبة من بين أيدي المحققين، على الرغم مما ترصده كمرات المراقبة (الروسية) المنتشرة في ممراته الضيقة، وداخل غرف التحقيق.

مضيفاً بالقول واصفاً الحياة داخل الفرع: بشكل لا إرادي يتوقف الزمن، ولا يعود له أي قيمة فعلية، فأهم ما يشغل تفكير من هو في الداخل “متى سيأتي دوري، وهل سأكون التالي في عملية التحقيق”؟ أغلب من يتم تحضيرهم للتحقيق لا يعودون، ولا يزال صراخهم جراء عمليات الضرب والإهانة أثناء اقتيادهم مصرٌّ على البقاء في أذني.

في مكان معزول عن الدنيا، وعن كل ما يمت للإنسانية بصلة، وجد المحققون الأمنيون ضالتهم للقيام بتعذيب المعتقلين، وإجبارهم على الاعتراف بما يريدونه هم، وعلى رأسهم العقيد أكرم الحسين رئيس قسم التحقيق داخل الفرع.

لا شفيع لك، يقول حسان واصفاً أسلوب المحققين، فبمجرد أن تكون أحد أبناء المناطق التي شهدت أعمال مناهضة لنظام الأسد على مدى أعوام الثورة، فأنت في دائرة الاتهام، سواء أشاركت بتلك الأعمال أم لم تشارك.

صورة تعبيرية(الشبكة السورية لحقوق الإنسان)

تعذيب ممنهج يتبعه المحققون للوصول إلى مرادهم

على الرغم من السمعة السيئة التي يحظى بها فرع فلسطين الذي تم تأسيسه في العام 1969 إلا أن التجربة الشخصية كانت خير دليل على الطريقة البشعة والحال التي يرثى لها، نتيجة أساليب التحقيق التي تم اتباعها معنا انطلاقاً من العنف الجسدي، والصعق بالكهرباء، والكرسي الفرنسي الذي يتم من خلاله ربط المعتقل بطريقة تمنعه من الحركة، من خلال طبق ساقيه على صدره قبل أن تبدء عملية الضرب التي تتركز على المفاصل لإحداث أكبر ألم ممكن أن يتخيله العقل البشري، ولإلحاق أكبر كمّ من الأذى على الموقوف، واجباره على الاعتراف، ناهيك عن رائحة اللحم البشري المتكدس فوق بعضه البعض وغياب الهواء.

الأمر داخل فرع فلسطين في بادئ الأمر لا يقتصر على التعذيب الجسدي، وبدقة أكبر لا يسعفك الوقت في كثير من الأحيان للوصول إلى غرفة التحقيق التي تم فرز إضبارتك إليها نظراً للأعداد الكبيرة الموجودة بداخل الفرع، لذلك يتم تدميرك ذهنياً من خلال تركك لفترة تتجاوز الـ 120 يوم جالساً بما يعرف بـ (جلسة القطار) محرومً من التكلم، والطبابة، والنوم إلا لخمسة ساعات خلال الأربع وعشرون ساعة على بلاطة واحدة (نعم على بلاطة واحدة خصصت لكل موقوف لا تتعدى مساحتها 40*40 سم)، وابقائك على صراع دائم، ومستمر مع الحشرات من صراصير، وفئران، وقمل تسبب بانتشار الجرب بين المحتجزين.

صورة تعبيرية(صوت العاصمة)

لا طبابة ولا طعام يكفي.. الموت ينتظر المعتقلين في فرع فلسطين:

خلال تلك الفترة تَعمل اللجنة المسؤولة عن إطعام المعتقلين على تقديم وجبتها الوحيدة خلال اليوم بما يضمن بقائهم على قيد الحياة فقط، وإن قضى أحدهم فتأكد بأن هذا الأمر هو أخر همهم، فالروتين أصبح معروفاً لدي بعد أقل من ثلاثة أسابيع على دخولي، حيث توفي في ذات الغرفة (المهجع 16) الذي أقمت به أربعة أشخاص تحت التعذيب ونظراً للغياب التام للطبابة كان الإجراء الوحيد الذي نقوم بفعله هو جمع أيديهم، وأقدامهم باستخدام أكياس النايلون المخصصة للخبز، ومن ثم وضعهم في إحدى البطانيات، ونقلهم إلى الكريدور المظلم المشرف على غرفتنا.

وعند استلام السجّان المسؤول عن قطاعنا يقوم بادئ الأمر بتدوين رقم المعتقل المتوفى على جبينه بخط واضح، يفصله عن رقم المهجع خط عرضي لمعرفة الغرفة التي مات فيها، وليتم تمييزه عن باقي الجثث التي تم إخراجها من باقي المهاجع.

في الدخل لا يتم ذكر اسمك ولا كنيتك، ما يذكر فقط هو رقمك الذي تم اجبارك على حفظه، ومعاقبتك بشكل مقيت في حال نسيانه، تتعايش لا شعورياً مع هذا الرقم، وتبقي آذانك صاغية طيلة فترة الاستيقاظ لسماعه في حال تم الصراخ عليك للتوجه إلى مكتب التحقيق.

تعبيرية عن أساليب التعذيب(انترنت)

عشرات غرف التحقيق أُعدّت لانتزاع اعترافات أبناء المناطق الثائرة:

أربعة عشر طابقاً ممتلئة بمكاتب التحقيق، والمكاتب الأمنية، ومكاتب الفرع الإدارية، هو ما يتكون منها فرع فلسطين (235) الكائن في منطقة القزاز في العاصمة السورية دمشق، ناهيك عن الطوابق السفلية الثلاثة التي يقتاد إليها المعتقلون السياسيون، ومن هم متهمون بارتكاب أعمال إرهابية على حد توصيفهم الجرمي الذي تطلقه مخابرات الأمن العسكري التابعة لحكومة الأسد، كل هذا فضلاً عن الزنزانات الفردية، والتي تحكي جدرانها قصص من سبقونا بالدخول إليها من خلال الدم الذي أسّود على جدرانها مع مرور الزمن.

صورة تعبيرية لأنواع التعذيب(الشبكة السورية لحقوق الإنسان)

الدعاء لكافة المعتقلين بالفرج

حسان أنهى حديثه مع صحيفة الأيام بالدعاء لكافة المعتقلين بالفرج، منوهاً إلى أنه ومن خلال تجربته بات يجزم بالقول إن ما أخرجه من أقبية المخابرات هي الأموال التي دفعها (رشوة) للقضاة، وأن من في الداخل لو أمضى عمره فلا مشكلة لدى تلك الأفرع لا سيما الإدارات الكائنة في دمشق، إن لم تقم بالدفع فلن يتمكن القضاء من إخراجك حتى وإن ثبتت براءتك.

يُشار إلى أن فرع فلسطين (235) تتم إدارته من قبل شعبة المخابرات العسكرية التابعة لنظام الأسد، وهو يمثل امتدادا للفرع (248) الكائن في المربع الأمني في منطقة كفر سوسة والذي سنأتي على ذكره في تقارير لاحقة، وبحسب إحصائية تقديرية فإن عدد المحتجزين بداخله يبلغون نحو 4600 شخص موزعين على مهاجعه التسعة عشر، والتي تتفاوت أعداد الموجودين بضمنها من 65 إلى 125 معتقلاً، وذلك حسب حجم الغرف.

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.