فرح بعودة الحياة وخوف من السماء المشرقة

محطات من التغريبة الشامية ٢٥

وداع أم لزوجها وطفليها كانت محتارة بأي واحد فيهم تبدأ، فتارة تحمل طفلتها وتطلب منها الاستيقاظ وتَعِدُها بأنها ستشتري لها ذلك الثوب الذي كانت تطلبه، ثم تحمل صغيرها فتخاطبه “لسا ما فرحت فيك يا أمي ماشفتك عم تمشي وتلحقني” وتنظر إلى زوجها معاتبة “مو وعدتني نضل سوى ليش ما أخدتوني معكم”

الأيام السورية - نور الشامي

للمرة الثانية أكون في غرفة العمليات الجراحية خلال ثلاثة أشهر، هناك حيث سيمفونية الموت والألم والعذاب لا تتوقف آلاتها عن العزف على أوتار أوجاعنا ودمائنا، جلست على السرير أناقش طبيب التخدير عن رفضي للتخدير النصفي، لأنني ككل أهل الغوطة بتُّ متعبة من كل شيء ولا متسع عندي لأشهد جرحاً جديداً يخط ندبته الأبدية في جسدي، وبعد طول نقاش وافق الطبيب على التخدير العام، تأملت الغرفة قليلاً قبل استغراقي في النوم فهي تختلف عما رأيته في المشفى سابقا، بأدواتها الجديدة ومستلزماتها المتطورة.

 

ماما فيقي سامعتيني

لم أعرف كم من الوقت مضى ولكن عدت لوعيي تقريباً، أسمع صوت الممرضة تصيح بأحدٍ ما قائلة: “ما فيها شي هي من آثار البنج” فأذكر أنني كنت أصيح متلفظة الشهادتين مكبرة ب “الله أكبر” وكأني كنت على موعد مع الهتاف في مظاهرة بأحلامي، وفجأة تم رمي جسدي المثقل على سرير آخر، يدٌ حانية تمسح راسي  وصوت دافئ يخاطبني  “ماما فيقي سامعتيني” إنها أمي، كان صوتها كجرعة مخدر أعادت لي نشوة الحياة، فتحت عيناي لأراها، زوجي يقف بجانبها ينتظر مني  إشارة الوعي، أختي تحمل طفلتي(هناء) التي ملأت المشفى بكاءاً فتهمس لي والدتي طالبة مني أن أرضعها فقد مضى وقت طويل والطفلة جائعة، لكن النار التي تأكل موضع الجرح لا تسمح لي بذلك، وكُلي خوف من أي حركة قد تسبب لي لزوم عمل جراحي إضافي.

 

انتعاش سوق العمل

يمضي الوقت ببطء شديد ويأتي الطبيب ليلقي عليَّ تعليماته التي بت أحفظها ويطلب مني مراجعته بعد أربعة أيام للاطمئنان على الجرح، وسمح لنا بالذهاب للمنزل فالوضع الأمني للبلد سيء للغاية وأصوات القصف البعيدة لا تهدأ، على عكس الوضع المعيشي الذي انتعش قليلا مع استمرار فتح الأنفاق على (برزة والقابون) فقد أضحت الغوطة تمتلئ بكل متطلبات الحياة رغم غلاء أسعارها، إلا أن الأسواق افتتحت من جديد وامتلأت بأحدث صيحات الموضة الموجودة في العاصمة دمشق، كذلك وعادت مطاعم الوجبات السريعة وروائح اللحوم المشوية تفوح في الشوارع، ومحلات الوقود من بنزين ومازوت موجودة أيضاً، كل تلك النقلة التجارية أدت إلى انتعاش سوق العمل وازدياد اليد العاملة، إلا أن طبقات الشعب تمايزت بشدة، فبات الفقير يرى بعينه ويشتهي فكل شيء موجود، لكنه عن هذا الفقير المعدمِ ممنوع بسبب غلائه.

بعد مراجعتي للطبيب وتأكيده على نجاح العمل الجراحي تمضي بي الأيام مثقلة وكُلي ثقة بفشل الجراحة تلك لأن الأعراض السابقة عادت مجدداً وصوت حركة الأمعاء والألم المرافق لها مازال موجود، ولكني عاهدت نفسي ألا أتكلم بذلك فقد مللت تلك الأخطاء المتكررة.

 

الخوف من السماء المشرقة

يكاد لا يمضي أسبوع أو شهر إلا وتحدث في بلدات الغوطة مجزرة جديدة تنسينا آلام المجزرة السابقة، تتفاوت مستويات القصف حسب مزاج الضباط القائمين على وضع الغوطة، وحسب تقدم أو تراجع الثوار على الجبهات، وبعد كل يوم هادئ كان لابد من يومٍ دامٍ يعكر صفو الهدوء القليل الذي سبقه، فبتنا نفضل الأمطار والأحوال الجوية القاسية، فهي تعيق اقلاع الطائرات الحربية في السماء، وكنا نخاف عندما تكون الأحوال الجوية صاحية؛ فهي تنذرنا بقدوم الموت من تلك الطائرات، ففي الخامس من شهر شباط وبعد يومين هادئين بسبب سوء الأحوال الجوية؛ تشرق الشمس مرسلة لنا تلك الطائرة الحاقدة، التي صبت جام، غضبها على مختلف بلدات الغوطة مخلفة خمسة وخمسين شهيدا، كان بينهم اثني عشر طفلاً وستة نساء، وحوالي مئة وأربعين مصاباً، غصت بهم مشافي (عربين وكفربطنا وعين ترما) كانت حالات بعضهم خطرة، مما سبب نقل عدد منهم إلى (برزة والقابون) عبر الأنفاق التي لاتزال وصلة الحياة للغوطة.

صور من حصار الغوطة المصدر فرانس 24
زوجي وقهر السنين

زوجي الذي من عادته الدائمة وبعد كل مجزرة الذهاب إلى المشفى في بلدتنا للاطلاع على الوضع فيرجع كالعائد من الحرب محملاً بالأحزان والهموم وفي جعبته قصة ما، أتى وقهر السنين يسكن عيناه وكعادتي يجب أن أسأله، فيخبرني عن وداع أم لزوجها وطفليها كانت محتارة بأي واحد فيهم تبدأ، فتارة تحمل طفلتها وتطلب منها الاستيقاظ وتَعِدُها بأنها ستشتري لها ذلك الثوب الذي كانت تطلبه، ثم تحمل صغيرها فتخاطبه “لسا مافرحت فيك يا أمي ماشفتك عم تمشي وتلحقني” وتنظر إلى زوجها معاتبة “مو وعدتني نضل سوى ليش ما أخدتوني معكم” أبكت تلك السيدة كل الموجودين في المشفى، فلم يقوى زوجي على البقاء وعاد للمنزل، أستمع لكلامه وحرقة وألم تلك المكلومة الحزينة يسكنني وما بيدي حيلة إلى أن ادعو لها بالصبر والسلوان، ويعم الصمت بيني وبين زوجي ساعات طويلة، نعلم كلينا أننا نفكر في نفس الموضوع .. يا ترى دور من القادم؟ فكلنا أرقام بإنتظار أن تُعد وتسجل في قائمة الموت أو الإصابة.

 

خلافات داخلية واحتقان شعبي

استمر الوضع العسكري بين مد وجزر وبين هدوء وعنف، رغم ذلك استمر حفر الأنفاق فمنذ بداية هذا العام قام فصيل “جيش الأمة” بفتح نفق موازٍ للأول وقبيل الانتهاء قام “جيش الإسلام” بعمل ضده بحجة تخابره مع النظام إلى جانب تجارة المخدرات والاحتكار، وقام باعتقال رؤوس قيادة “جيش الأمة” منهم “أحمد طه أبو صبحي” مما سبب احتقان شعبي ضد جيش الإسلام وبدأت الانقسامات الداخلية بين مؤيد له ومعارض، وتم منع بعض الشباب من دخول القطاع التابع لجيش الإسلام.

رغم ذلك الوضع المدني والعسكري والمعيشي السيئ كان العمل على حفر باقي الأنفاق قائما لكونه مدَّ الغوطة بالكثير، وفي أيار من نفس العام وبينما كنت في زيارة لوالدي، سمعت أخي عن نيته الخروج قريبا إلى (القابون) عبر النفق الذي افتتحه “فيلق الرحمن” الذي كان، فطلبت من أخي إخباري بتفاصيل عنه، ليصدمني بكون هذا النفق مختلف عن البقية “نفق الرحمة” هكذا أطلق عليه، وهو مخصص للسيارات ويمكن عبره مرور شاحنات من طراز”kIA 2400″، أكاد لا أصدق حجم هذه التغيرات والتطورات السريعة، فيضحك أخي من علامات الاستفهام المرسومة على وجهي قائلاً: “أنتو النسوان ما بتعرفوا  شي” فتراودني فكرة الذهاب إلى العاصمة دمشق عبر النفق رغم علمي بخطورة الأمر، رغبة مني في اختبار هذه التجربة مرورا بالأنفاق ووصولا لرؤية أقاربي في دمشق و ردة فعلهم تجاه وضعنا، بعيدا عن التعاطف الالكتروني الكاذب الذي يصلنا بالمناسبات الرسمية بحجة الخوف من التواصل مع المحاصرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.