فرار

سيوقع الدّرك الرجل المسكين الذي ليس له علم بشيء أرضاً وسيضربونه حتّى يلفظ أنفاسه، سيقول سليمان آغا “لا علم لي” وسيحلف الأيمان لكنّه سوف يُضرب، سيتوسّل بصوته المرتجف، سيحاول شرح الأمر وسوف يتلوّى ويتلوّى، لكنّه سيُضرب.

صباح الدين علي

صباح الدين علي

الترجمة عن التركية: نور عبدالله

اثنان من الدّرَك يأخذان إدريس بعد أن حصراه بينهما. كان في حال لا تسمح له بالوقوف على قدميه، بعد أن ضربه الدّركيان بشدّة، لكنه كان يحاول المشي وثباً.
كان قد اعترف أنه من قام بمداهمة جامع قرية “الإمام” وسلب المصلّين أثناء صلاة العيد، رغم أنّه لم يكن يعلم بهذا الأمر بتاتاً… هذا الاعتراف كان سيقوده إلى السجن لمدة سبع سنين على الأقل، لكن ما باليد حيلة! إنه الضَّرْبْ!! يُنطق الحجر..

كان يمشي وثباً، بين الحين والآخر، ويتعثَّر بحجر ليترنّح، فيسرع أحد الدّركيين ليسنده.
أعطاه أحدهما سيجارة بعد أن ساروا قليلاً.. لم يكونا سيئين جداً في الحقيقة، هكذا عملهما؟ إنها الوظيفة!.. كان النقيب قد نبّههما قبل الخروج لتتبّع الحادثة “لا تُروني وجهيكما إن عدتما دون القبض على الفاعل”، كان عليهما إيجاد الفاعل بأي وسيلة، طالما أنّ من سلب القرية قد شمّعَ الخيط وهرب من زمان.

إدريس كان متسكّعاً لا عمل له منذ سنين، يَدخل آلاف المشاكل ويخرج منها. قُبض عليه أكثر من مرة وهو يبيع ورق السجائر وحجر القدّاحات.
كان القرويّون في الحقيقة يشتكون منه، حتّى الذين كانوا يحسبون حساباً لذكرى المرحوم والده ـ الذي كان إمام القريةـ باتوا يريدونه أن يختفي. إذ أن مجيء الدّرك لم يكن لينقطع عن القرية ما دام إدريس موجوداً فيها. لذا عندما قبض الدّرك عليه شهد مختار القرية والبقّال أنهما رأيا إدريس قبل يوم من الحادثة ذاهباً صوب قرية الإمام. كان هذا كافياً، والبقيّة تكفّل بها الدَّركيان، وجعلاه يعترف كيف أنّه سلب المصلّين في قرية الإمام أثناء صلاة العيد، وهم الآن جميعاً ذاهبون إلى قرية الإمام.

كان إدريس منغمساً في التفكير بجدّيّة، لم يكن يفكّر في هذه اللحظة، بالضرب الذي تعرض له، ولا بالسبع سنوات التي سوف يقضيها في السجن، كان ذهنه مشغولاً بشيء آخر تماماً، هذا الشيء كان يعذّبه أكثر من الضرب والسجن، كان عقله الذي لم يعتد على أن يعمل كثيراً يحاول إيجاد حلّ، ولكن عبثاً، كان ذلك يتّضح من جحوظ عينيه واختلاط العروق في وجهه.
ما كان يفكّر به: أنه عندما ضُرِبَ، اعترف بأنه سلب القرية، لكن الأمر لم ينتهِ هنا، باتوا يطلبون أدلّة، وصار يتوجّب عليه أن يعترف أين خبّأ النقود والساعات الفضيّة.
هو لا يعرف أيّ نقود؟ ولا أيّ ساعات فضّيّة؟.. ولا أيّ سَلْبٍ حتى.. لكن من المفروض عليه أن يعترف، لم يعد يحتمل العصا، وأخمص السلاح، والركلات، دماغه كاد أن ينفجر ويقفز من رأسه، ماذا سيقول؟ من السهل أن يعترف: “أنا من سلب قرية الإمام”، ولكن الكشف عن مكان النقود والساعات الفضّيّة أمر صعب.. صعبٌ للغاية..

كانت العصيّ والركلات تنهال عليه، وقد أشرف على الإغماء، واسودّ كل شيء أمام عينيه، فرفع يده وقال: “سأعترف” عندها تركه الدّرك، رشّوا على وجهه الماء، وأعطوه سيجارةً، نطق إدريس بأوّل اسمٍ خطر على باله: “النقود عند قهوجي قرية الإمام، سليمان آغا”، انقطع الضرب، هذا فقط ما كان يفكّر به إدريس. لكن ما إن انطلقوا باتّجاه قرية الإمام بدأ بالتفكير بشكلٍ مختلف تماماً، وقال لنفسه: “هَلَكَ المسكين سليمان آغا”
سليمان آغا كان الشخص الوحيد الذي لا يزال يساعده سواء في قريته أو في قرية الإمام، يعطيه مكاناً للنوم في قهوته، ويُسدي له النصائح. من أين خطر له اسم هذا المسكين؟ الآن سيوقع الدّرك الرجل المسكين الذي ليس له علم بشيء أرضاً وسيضربونه حتّى يلفظ أنفاسه، سيقول سليمان آغا “لا علم لي” وسيحلف الأيمان لكنّه سوف يُضرب، سيتوسّل بصوته المرتجف، سيحاول شرح الأمر وسوف يتلوّى ويتلوّى، لكنّه سيُضرب.

المزيد للمترجمة

المكنسة

طلاء الهلال

بدا له الرجل العجوز ذو اللحية البيضاء يبكي والدموع تنهمر على لحيته، كانوا يُلهبون ظهره المحني ركلاً وضرباً بأخمص البنادق، وتحت حاجبيه الأبيضين الكثّين عينان مطفأتان مصوّبتان نحوه، كأنهما تريدان أن تقولا: “هل أعجبك ما صنعتَ يا إدريس؟” تأوه إدريس وكأنّه أكل ضربة أخمص في خاصرته، نظر إليه أحد الدّركيين بطرف عينه، ثم أخرج سيجارةً أخرى وأعطاه إيّاها.. التقط إدريس السيجارة بيديه المقيّدتين اللتين تهتزّان فوق سرّته وضعها في فمه، أخذ منها نفسين عميقين، مشوا عشر خطوات أخرى، فوقعت السيجارة من فم إدريس..

ظهرت قرية الإمام أمامهم، في بدايتها مجموعة أشجار جرباء.. عدّة بيوت من حجر… خمسة أو عشرة أطفال عراة.. مئة خطوة أخرى، وسيصلون إلى القرية.. وسليمان آغا.. ما كان يريد أن يفعل هذا!..
نظر إدريس حوله، كان طرف الطريق مغطّى بنبات الخلنج العشبي، نظر إلى بنادق الدّرك، كانوا يمشون وهي في أيديهم، وَثَبَ فجأةً، وقفز إلى الطرف الآخر من الخندق، وقعَ، واستقام من جديد، وبدأ بالجري بين النباتات، لقّم الدركيان البواريد، ليجلجل بعدها صوتان قويّان، وسُمع طنين قصير حادّ، وقع إدريس أرضاً في مكانه. ركض الدّركيان باتّجاهه، كان الدّم يسيلُ على شكل خيطّ رفيع من فمه، فتح عينيه وقال: ” لا علم لسليمان آغا بشيء” وسقط رأسه على جنبه، سال الدّم من فمه بغزارة هذه المرّة، فتح عينيه مرةً أخرى وقال: “ولا حتى أنا”
ودون أن يستطيع إغلاق عينيه مرّة أخرى اهتزّ، ثم خمد في مكانه.


نور عبدالله، صحفية سورية ومترجمة عن التركية تقيم في إسطنبول.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.