فخري البارودي.. زعيم الشباب ورجل المبادرات الوطنية

صانعو الجلاء في سوريا

عرف كيف يستغل الشارع، وكيف يستغل المدارس لصالح الحركة الوطنية ومناوأة الاستعمار. فإشارة منه كانت تغلق الحوانيت والمتاجر، وبإشارة منه كانت تغلق المدارس ويعلن الإضراب. وكثيراً ما كان يشاهد وهو يسير أمام الطلاب المتظاهرين، ويخاطبهم ويشجعهم، لذا سمي (زعيم الشباب).

هو فخري بن محمود بن محمد حسن بن محمد ظاهر (الملقب بالبارودي)، ولد في دمشق عام 1889. كان والده زعيماً ومن أعيان دمشق خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر.

انتسب فخري البارودي إلى الكتّاب حيث تعلم القراءة والكتابة، وتلقى علومه الابتدائية في المدرسة العازرية، ثم انتقل إلى مكتب عنبر ليكمل علومه الثانوية. سافر إلى فرنسا عام 1911 والتحق بمدرسة الزراعة، ثم عاد إلى دمشق، وانتسب إلى معهد الحقوق عام 1929 وترك المعهد وهو في عداد طلاب الصف الثاني.

اشترك في جمعية (العربية الفتاة)، وشارك في الحرب العالمية الأولى (1914 ـ 1918) برتبة ملازم ثان في الجيش العثماني، وأًسر في بئر السبع عام 1917، وسيق إلى مصر ومنها التحق بالجيش العربي برتبة ملازم أول، واشترك في الثورة العربية الكبرى، ثم أوفد إلى الهند لتأليف فرقة من المتطوعة لمساندة القضية العربية. وبعد دخول الأمير فيصل إلى دمشق عُين مديراً للشرطة وقائداً لموقع المقر الأميري، وكان ينتقل بالرتبة والوظيفة نفسها مع الأمير فيصل، ثم اختير مرافقاً رسمياً له عندما تولى عرش سوريا.

المشاركة في الكتلة الوطنية في دمشق

البارودي باللباس العسكري(مجلة لأزمنة)

فور تأسيس حزب الكتلة الوطنية في دمشق، كان البارودي من أعضائه، وكان العضو الديناميكي فيه، عرف كيف يستغل الشارع، وكيف يستغل المدارس لصالح الحركة الوطنية ومناوأة الاستعمار.

فإشارة منه كانت تغلق الحوانيت والمتاجر، وبإشارة منه كانت تغلق المدارس ويعلن الإضراب. وكثيراً ما كان يشاهد وهو يسير أمام الطلاب المتظاهرين، ويخاطبهم ويشجعهم، لذا سمي (زعيم الشباب).

عضوية الجمعية التأسيسية

انتخب البارودي نائباً عن دمشق في الجمعية التأسيسية عام 1928، كما انتخب نائباً عن دمشق لدورات 1933 ـ 1936 ـ 1943، ثم نائباً عن دوما في دورة 1947.

وضع ميثاقاً اقتصادياً طالب فيه الشعب بسلوك مبدأ الاقتصاد المغلق، وذلك بالامتناع عن شراء الحوائج الأجنبية والاستعاضة عنها بالمصنوعات الوطنية. وعمل على أن تبدأ في البلاد سياسة التصنيع، وكان من الذين عملوا على إنشاء صناعة (الجوخ) وصناعات أخرى.

عمله في الصحافة

عمل في ميدان الصحافة في جريدة المقتبس مع الأستاذ العلامة محمد كرد علي، كما أصدر أعداداً من مجلة ساخرة اسمها (حط بالخرج). وأنشأ مكتباً للدعاية الوطنية باسم (المكتب العربي) بين عام 1934 و1936. وأطلق (مشروع الفرنك) الذي يقضي بجباية فرنك سوري واحد من الناس في كل المشاريع التي تحتمل ذلك، من أجل الدعاية ودعم المشاريع الوطنية.

وحين تسلمت الكتلة الوطنية الحكم في عام 1936، كان فخري البارودي هو الذي أسس فرق القمصان الحديدية أو الحرس الوطني، وكانت منظمة شبه عسكرية، ويعاونه في ذلك عدد من الشباب المثقفين.

الانتفاضة الشعبية عام 1945

في أيار عام 1945، حين قامت الانتفاضة الشعبية، ارتدى البارودي ثياباً عسكرية، وساهم في تنظيم المتطوعين. ومنذ ذلك الوقت اعتبر عقيداً في الجيش، وهي رتبة اعترفت له بها القيادة العامة.

يعتبر البارودي من أوائل الوطنيين الإقطاعيين الذين ساندوا الموسيقا والموسيقيين، وأمدوهم بكل دعم منذ أوائل القرن العشرين، وكان ما يزال شاباً عندما أخذ يعقد في بيته في حي القنوات بدمشق وفي بلدة دوما القريبة منها الندوات الشيقة لأهل الأدب والفن.

وفي أعقاب الثورة السورية وبالتحديد عام 1928 أسس البارودي مع توفيق الصباغ (النادي الموسيقي السوري الشرقي) الذي أغلقه الفرنسيون بعد عامين لنشاطه المعادي للاستعمار، وعندما سمح الفرنسيون في بداية الحرب العالمية الثانية للأندية الموسيقية بمعاودة نشاطها، ساهم البارودي بدعمها مادياً ومعنوياً واجتماعياً.

فخري البارودي مع رجال الكتلة الوطنية(موقع آل الأتاسي)

عضوية البرلمان السوري

بعد الجلاء وعندما كان البارودي نائباً عن دمشق في دورة عام 1943، نجح بنفوذه السياسي والاجتماعي في أن ينتزع من المجلس النيابي بعد جلسة حامية الموافقة على تأسيس أول معهد رسمي للموسيقى يتبع وزارة المعارف تحت اسم (المعهد الموسيقي) وكان ذلك عام 1947. ولم يكتف البارودي بما حققه إذ أشرف بنفسه إشرافاً فعلياً عليه مدة عامين وترأس مجلس إدارته.

وخلال هذه الفترة من عمر المعهد تمكن البارودي عن طريق الفنانين المتميزين من تكريس المعهد لإحياء الأعمال التراثية.

مؤلفاته

كان فخري البارودي نشيطاً في ميدان الفكر والنشر، ومن آثاره:

1ـ كتاب (تاريخ يتكلم)، مليء بشعر صادق في الوطنية.
2ـ كتاب (مذكرات البارودي)، جزءان.
3ـ كتاب (مذكرة الشرطي).
4ـ كتاب (رسالة إلى ملوك ورؤساء الدول العربية).
5ـ له كتاب ضخم عن الموسيقا يسهل تعلم النوتة الموسيقية بطريقة ابتكرها، لكنه احترق يوم احترق منزله في 18 / 7 / 1963.

فخري البارودي يعزف الموسيقا(التاريخ السوري)

وفاته

عام 1950 ألمت بالبارودي ضائقة مالية فاضطر لبيع داره والانتقال إلى دار صغيرة في منطقة الكواكير، وبتاريخ 18 تموز 1963 وخلال الانقلابات السياسية التهمت النيران دار البارودي بما فيها مكتبته التي جمعها، وصرف من أجلها كل غال ورخيص طوال ستين عاماً، وقد كان لهذه الحادثة المؤلمة أثر كبير في نفسه وجسمه، فانطوى على نفسه وزهد في الدنيا، حتى وافته المنية عام 1966.

غلاف كتاب أوراق ومذكرات(يوتيوب)

المصادر: (عبد الغني العطري، عبقريات شامية/ صميم الشريف، الموسيقا في سورية/ د. صالح زهر الدين، تاريخ الثورات السورية في عهد الانتداب الفرنسي/ نجاة قصاب حسن، صانعو الجلاء في سوريا).

اذا كنت تعتقد أن المقال يحوي معلومات خاطئة أو لديك تفاصيل إضافية أرسل تصحيحًا

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.