فتيل الحرب النفطية بين الرياض وطهران تشعله واشنطن

في الوقت الذي تتصارع إيران-السعودية على النفوذ في المنطقة، ﻻ شيء يوقف الرغبة اﻷمريكية الجامحة في تأجيج فتيل الحرب، فهل يفهم المتصارعون مغزى اللعبة؟

الصراع النفطي السعودي-اﻹيراني سيناريو يتكرر، بتأليفٍ أو تأليبٍ رسميٍّ من الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية، التي أعلنت ليل السبت-اﻷحد بحسب بيان أصدره البيت اﻷبيض موافقة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، على زيادة إنتاج النفط، بطلب من الرئيس اﻷمريكي، دونالد ترامب؛ الذي سبق ونشر تغريدة على حسابه الرسمي “تويتر” قائلاً: ((تحدثت للتو مع الملك السعودي سلمان وشرحت له أنه بسبب الاضطرابات والخلل في إيران وفنزويلا، أطلب أن تزيد المملكة العربية السعودية إنتاج النفط، ربما حتى مليوني برميل للتعويض”، وأنّ الأسعار مرتفعة جداً)).

نزول الرياض عند رغبة واشنطن ليس جديداً، فقد سبق أن استخدمت الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية النفط السعودي كسلاحٍ رابحٍ قلبَ الموازين في مواجهتها مع اﻻتحاد السوفييتي ثمانينات القرن الماضي تحديداً العام 1985، عندما أمرت بزيادة إنتاجه من 2 مليون برميل في اليوم إلى   10 ملايين برميل يومياً، ما سارع في انهيار سعر برميل النفط من 33 دولاراً إلى 10دولارات، اﻷمر الذي رأى فيه محللون تعجيلاً في تفكيك اﻻتحاد السوفييتي.

غزو صدام حسين للكويت، كذلك فرض الوﻻيات المتحدة اﻷمريكية حظراً على العراق، وغيرها تعتبر حوادث تاريخية استغلت فيها إدارة البيت اﻷبيض النفط السعودي في حربها؛ ما يعني أنّ الرياض كانت وﻻ تزال تؤدي دور المعوّض عن النقص في سوق النفط العالمية؛ ما يؤكد أنّ الرياض كانت تلعب دوراً محورياً في حماية اﻻقتصاد اﻷمريكي.

المتتبع لمثل هذا الدور السعودي، وحساسية المرحلة اليوم، يستشف أنّ التجاوب السريع مع إرادة واستراتيجية اﻹدارة اﻷمريكية؛ جعل من الرياض دمية يحركها صنّاع القرار في واشنطن.

وللإنصاف التاريخي فإن اللعبة بين الجانبين اﻹيراني-السعودي ﻻ تبدو نظيفة أو شريفة في ميدان المواجهة، على الأقل ظاهرياً من جانب حكومة السعودية التي تستند في مواجهتها إلى الدعم الأمريكي. لتغدو مجرد ورقة لعب “كوتشينة”، تسير في فلك مصلحة الغرب وتحديداً “واشنطن”.

على الجانب الآخر؛ تلعب طهران تحت ستارين، الأول، قدرتها على تطوير إمكانياتها العسكرية والاقتصادية، الثاني، استغلال نفوذها الشعبي لدى مؤيدي فكرها ذي الطابع الشيعي.

المعركة التي تدار بين الطرفين، الراجح فيها قوة إيران، التي تمتلك أرضية شعبية لا بأس بها، على عكس السعودية التي قدّم حكامها فروض الولاء والطاعة لأسيادهم دون نقاش، أو حتى تحصيل مكتسبات تعود لصالح الشارع السعودي، وهنا نقطة الضعف في المواجهة النفطية، بين البلدين؛ طهران تظهر أنّها تدافع عن حقوق شعبها، والرياض تبدو خادماً مطيعاً لواشنطن.

من المؤكد أنّ التصعيد السعودي تجاه إيران يعمّق الشرخ بين الدولتين المتناحرتين، بالمقابل يشير أنّ الرياض سياسياً تلعب دوراً وظيفياً، انحصر في تقديم الخدمة المجانية للاستراتيجية اﻷمريكية، سواءً في المنطقة أو العالم.

طهران كالعادة سارعت إلى تحذير الرياض مما وصفته، محاولة اﻻستيلاء على حصتها السوقية من النفط، جاء ذلك على لسان نائب الرئيس الإيراني إسحق جهانغي، الذي أضاف بأنّ: ((أي دولة تحاول انتزاع حصة طهران في سوق النفط “ترتكب خيانة وستدفع ثمنها”)).

تمتلك حكومة طهران دائماً القدرة على المناورة، والخروج من المأزق، ومن المرجح أن تسمح لشركات القطاع الخاص بتصدير النفط الخام للمساعدة في التغلب على العقوبات الأميركية، وحربها النفطية.

من المستبعد أيضاً أن يكون الهدف مما يحدث أو حتى تفسيره بأنّه يحمل رغبةً أمريكية لتغيير نظام الحكم في إيران، مستغلةً اﻻضطرابات التي يعيشها الشارع هناك، ولعل ما يحسم الجدل في المسألة ما سبق وصرح به، جون بولتون العام الماضي بقوله: ((إن سياسة الإدارة هي التأكد من أن إيران لن تحصل مطلقاً على أسلحة نووية وليس تغيير النظام)).

يبدو أن واشنطن تحاول جرّ البلدين إلى لعبة التصعيد النفطي مستفيدةً من تنازل الرياض السريع، بالطبع ﻹرضاء مصالحها دون النظر إلى غيرها، في الوقت الذي يعلق فيه العاهل السعودي وولي عهده، محمد بن سلمان آماﻻً كبيرة على رعاية واشنطن لعرشهم ومنحِها الشرعية لهم!!

ولعل الرياض سبق أن فهمت اللعبة اﻷمريكية؛ لكن فيما يبدو أنّه دس الرأس في التراب، والقبول بدور الدمية التي ﻻ تملك إﻻ أن تتحرك بفعل اﻷصابع التي أمسكت تاريخياً خيوط سياساتها، ووضعت يدها على نقاط الضعف؛ فاستغلتها.

مصدر فرانس 24 arabic.rt
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.